انسحاب طفلك وتقلب مزاجه.. ماذا تفعلين في هذه الحالة؟
قد يفاجئكِ يومًا أن طفلكِ الذي اعتاد الحديث معكِ بحرية أصبح قليل الكلام، يفضل الجلوس بمفرده، ويقضي وقتًا أطول في غرفته، بينما أصبحت تقلباته المزاجية أكثر حدة وصعوبة في الفهم. حينها قد تجدين نفسكِ تتساءلين: لماذا يتصرف طفلي بهذه الطريقة؟ هل أخطأت في تربيته؟ وهل هذا السلوك طبيعي أم أنه مؤشر على وجود مشكلة تحتاج إلى تدخل؟
الحقيقة أن الانسحاب وتقلب المزاج لا يعنيان دائمًا أن هناك مشكلة كبيرة، ولكنهما في كثير من الأحيان وسيلة يعبر بها الطفل عن مشاعر لم يستطع التعبير عنها بالكلمات. وليكون من السهل فهم ذلك، ناتالي معايطة، اختصاصية العلاج النفسي الفردي للأطفال والمراهقين تخبرنا عن كيفية التعامل مع انسحاب الطفل وتقلب مزاجه.

لماذا يصبح الطفل منطويًا ومتقلب المزاج؟
خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة يمر الأطفال بتغيرات كبيرة على المستويات العاطفية والاجتماعية والعصبية. وفي الوقت الذي تتطور فيه شخصياتهم، فإنهم لا يزالون يتعلمون كيفية التعرف إلى مشاعرهم والتعبير عنها بصورة صحية.
وعندما يشعر الطفل بالإرهاق، أو القلق، أو الخجل، أو الضغط النفسي، قد لا يمتلك المفردات الكافية لوصف ما يشعر به، فيترجم تلك المشاعر إلى سلوكيات يلاحظها المحيطون به، مثل: الانسحاب الاجتماعي، الصمت المفاجئ، سرعة الانفعال، تقلب المزاج والابتعاد العاطفي. لذلك، فإن ما يبدو سلوكًا مزعجًا قد يكون في الحقيقة انعكاسًا لصراع داخلي لم يجد الطفل طريقة أخرى للتعبير عنه.
ما الأسباب التي قد تدفع الطفل إلى الانسحاب؟
غالبًا ما يرتبط انسحاب الطفل بضغوط يومية قد تبدو بسيطة في نظر الكبار، لكنها بالنسبة إليه مرهقة ومؤثرة تظهر على هيئة عصبية، أو صمت، أو تقلبات مزاجية، أو رغبة في العزلة، وليس لأنها تعني أن الطفل يرفض والديه أو لا يرغب في الحديث معهما، وإنما لأنه يحاول حماية نفسه من ضغط داخلي لا يستطيع شرحه.
وأبرز هذه الضغوط ما يلي:
-
مشكلات الصداقة.
- الضغوط الدراسية.
- التوتر داخل الأسرة.
- الانتقال إلى بيئة جديدة.
- التغيرات الاجتماعية.
- انخفاض الثقة بالنفس.
- التعرض لمواقف محرجة أو مؤلمة.
لماذا يظهر الطفل هادئًا خارج المنزل ويتغير داخله؟
من أكثر العبارات التي يرددها الآباء "طفلي طبيعي جدًا مع أصدقائه، لكنه يتغير تمامًا عندما يعود إلى المنزل." وقد يعتقد الوالدان أن ذلك دليل على أن الطفل سعيد خارج المنزل وغير مرتاح داخله، بينما قد يكون الواقع مختلفًا تمامًا. فالمدرسة والأنشطة الاجتماعية تفرض على الطفل مجهودًا نفسيًا كبيرًا حتى يبدو متماسكًا، ويحافظ على صورته أمام الآخرين، ويتجنب لفت الانتباه إلى ما يشعر به. ولهذا قد يكبت مخاوفه وتوتره طوال اليوم، ثم يفرغ هذه المشاعر بمجرد عودته إلى المنزل، لأنه يشعر هناك بالأمان الكافي ليظهر مشاعره الحقيقية. بمعنى آخر، قد يكون المنزل المكان الوحيد الذي يشعر فيه الطفل بأنه ليس مضطرًا لإخفاء ما يدور بداخله.
عبارات يجب تجنبها عند ملاحظة تغير سلوك طفلك
عندما ينسحب الطفل أو يصبح متقلب المزاج، يكون من الطبيعي أن يحاول الوالدان معرفة السبب. ولكن يجب الحذر من استخدام العبارات التالية:
- "كنت سعيدًا قبل فترة."
- "ما الذي حدث لك مؤخرًا؟"
- "لماذا أصبحت هكذا؟"
ورغم أن هذه العبارات تصدر بدافع القلق والحب، فإنها قد تجعل الطفل يشعر أن هناك خطأ فيه هو، وليس أنه يمر بظروف أو مشاعر صعبة. ومع مرور الوقت قد يزيد ذلك من شعوره بالخجل، ويعمق انسحابه بدلًا من مساعدته على الانفتاح.

كيف تتعاملين مع انسحاب الطفل وتقلب المزاج؟
يمكن ذلك من خلال الالتزام بتطبيق ما يلي:
-
ملاحظة الطفل بدقة
بدلًا من البحث عن إجابات سريعة، ابدئي بفضول هادئ وملاحظة دقيقة لما يحدث في حياة طفلك. فالبحث عن الأنماط المتكررة يساعد كثيرًا على فهم السبب الحقيقي وراء السلوك، بدلًا من التركيز على السلوك نفسه فقط.
اسألي نفسك الأسئلة التالية:
- هل تغيرت علاقاته بأصدقائه؟
- هل يواجه صعوبة في المدرسة؟
- هل طرأت تغيرات على روتينه اليومي؟
- هل يعاني من اضطرابات في النوم؟
- هل انخفضت ثقته بنفسه؟
- هل توجد مواقف محددة يزداد بعدها الانسحاب أو تقلب المزاج؟
-
اقتربي من عالم طفلك بدلًا من التركيز على تصحيح سلوكه
بدلًا من محاولة إصلاح السلوك مباشرة، حاولي أولًا التعرف إلى العالم الذي يعيش فيه طفلك. اهتمي بما يشاهده، يستمع إليه، يلعبه، يقرأه، وبما يتحدث عنه مع أصدقائه ويشغل اهتمامه هذه الأيام. فالطفل غالبًا يكون أكثر استعدادًا للحديث عن الأشياء المحيطة به قبل أن يستطيع التحدث عن مشاعره الداخلية. ولهذا يصبح التواصل اليومي البسيط أكثر فاعلية من الأسئلة المباشرة التي قد يشعر معها بأنه يخضع للتحقيق.
-
الحضور العاطفي أهم من كثرة الأسئلة
ليس المطلوب أن يدلي الطفل باعتراف طويل أو يشرح كل ما يشعر به. أحيانًا يكفي أن يشعر بأن والديه موجودان بالقرب منه دون ضغط. وقد تصنع لحظات بسيطة مساحة كبيرة للتواصل، مثل:
- تناول الطعام معًا.
- الحديث أثناء القيادة.
- المشي معًا.
- مشاهدة فيلم.
- الجلوس في هدوء دون إجبار الطفل على الكلام.
كما أن عبارات بسيطة مثل:
"أنا موجود عندما ترغب في الحديث." فقد تمنحه إحساسًا بالأمان والثقة، وتشجعه على الاقتراب عندما يصبح مستعدًا لذلك.
-
انظري إلى السلوك باعتباره رسالة لا مشكلة
عندما نفهم أن انسحاب الطفل وتقلب مزاجه وسيلة للتواصل، سيتغير السؤال من: كيف أوقف هذا السلوك؟
إلى : ما الذي يحاول طفلي إخباري به؟ وعندما يقرر الطفل أخيرًا مشاركة مشاعره، استقبليها بالاستماع والتعاطف، حتى وإن بدت بسيطة في نظرك. فما يبدو أمرًا عابرًا بالنسبة للكبار قد يمثل تحديًا كبيرًا بالنسبة للطفل، وشعوره بأنه مسموع ومفهوم يعزز لديه الإحساس بالأمان، ويجعله أكثر استعدادًا للجوء إليكِ مستقبلًا.
وفي كثير من الأحيان لا تكون أفضل استجابة هي تقديم الحلول أو تصحيح المشاعر، بل توفير حضور عاطفي مستمر يشعر معه الطفل بأنه ليس مضطرًا إلى مواجهة ضغوطه وحده.
متى يحتاج الطفل إلى استشارة مختص؟
رغم أن انسحاب الطفل وتقلب المزاج قد يكونان جزءًا طبيعيًا من مراحل النمو، فإن استمرار هذه التغيرات لفترة طويلة أو تأثيرها في حياته اليومية يستدعي عدم تجاهلها.
ومن العلامات التي تستحق استشارة مختص في الصحة النفسية:
- استمرار الانسحاب لفترة طويلة.
- تغير واضح في الشهية أو النوم.
- تراجع الأداء الدراسي.
- صعوبة تكوين العلاقات مع الأصدقاء.
- فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كان يحبها.
- استمرار انخفاض المزاج بصورة ملحوظة.
فالتواصل مع مختص لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي، بل يساعد على فهم ما يمر به الطفل بصورة أدق، ويمنح الوالدين الطمأنينة والإرشاد اللازمين للتعامل معه بالطريقة الأنسب، كما يوفر مساحة آمنة للطفل للتعبير عن مشاعره واستعادة توازنه النفسي.

ختامًا، لا يعني أن يصبح طفلك منطويًا أو متقلب المزاج أنه يعاني من مشكلة خطيرة، لكنه قد يكون يحاول التعبير عن مشاعر لا يعرف كيف يصفها بالكلمات. لذلك، فإن أكثر ما يحتاج إليه في هذه المرحلة ليس كثرة الأسئلة أو إصدار الأحكام، بل الاحتواء، والإنصات، والشعور بالأمان. فكلما شعر الطفل بأن هناك من يفهمه ويتقبله دون انتقاد، أصبح أكثر قدرة على البوح بما يدور داخله. وإذا استمرت هذه التغيرات أو بدأت تؤثر في نومه أو دراسته أو علاقاته، فلا تترددي في طلب المساعدة من مختص، فالتدخل المبكر قد يصنع فرقًا كبيرًا في صحة طفلك النفسية ويمنحه الدعم الذي يحتاج إليه في الوقت المناسب.