لماذا ترى "هي" في جامعة الرياض للفنون أكثر من مشروع تعليمي؟

لماذا ترى "هي" في جامعة الرياض للفنون أكثر من مشروع تعليمي؟

14 سبتمبر 2026

لم تعد الثقافة في السعودية مساحة تُمارَس على هامش الحياة المهنية، أو موهبة تبحث وحدها عن طريقها بين التجربة الشخصية والدورات القصيرة. مع انطلاق جامعة الرياض للفنون، أول جامعة متخصصة بالثقافة والفنون في المملكة، يصبح السؤال أكثر اتساعًا: ماذا يحدث عندما تتحول الموهبة إلى تخصص أكاديمي، والإبداع إلى مسار مهني، والفنان إلى جزء من منظومة تعليمية وصناعة ثقافية متكاملة؟

بالنسبة إلى مجلة "هي"، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في إضافة جامعة جديدة إلى المشهد التعليمي فحسب، بل في المعنى الذي تحمله لجيل كامل من المبدعات والمبدعين السعوديين. فالشابة التي ترى مستقبلها في السينما أو الموسيقى أو الأزياء، والشاب الذي يجد نفسه في المسرح أو التصميم أو إدارة الفنون، لم يعودا أمام خيار غامض بين «الهواية» و«الوظيفة التقليدية». هناك الآن طريق أكاديمي يبدأ بالشغف، لكنه لا يتوقف عنده.

تأسست جامعة الرياض للفنون بأمر ملكي في مارس 2026، وانطلقت مرحلتها الأولى بأربع كليات، فيما تتجه للتوسع تدريجيًا إلى 13 كلية بحلول عام 2030، تغطي طيفًا واسعًا من القطاعات الثقافية. وتقدم الجامعة مستويات تعليمية تمتد من الدورات القصيرة والدبلومات إلى البكالوريوس والدبلوم العالي والماجستير والدكتوراه.

وهنا تبدأ القصة التي تهمنا بالفعل.

من الشغف الفردي إلى المسار الأكاديمي

هناك لحظة يعرفها كثير من أصحاب المواهب: تلك التي يدرك فيها الشخص أنه يحب شيئًا أكثر من مجرد هواية، لكنه لا يعرف الخطوة التالية.

كيف تتحول محبة السينما إلى قدرة حقيقية على صناعة فيلم؟ كيف ينتقل الشغف بالموسيقى من الاستماع أو العزف الفردي إلى دراسة أكاديمية وممارسة احترافية؟ ومن أين يبدأ شخص يريد إدارة معرض أو مؤسسة فنية لكنه لا يريد بالضرورة أن يكون الفنان الذي يقف في المقدمة؟

مع جامعة الرياض للفنون، تبدو هذه المسافة أقصر وأكثر وضوحًا.

المرحلة الأولى انطلقت عبر كلية الأفلام، وكلية الموسيقى، وكلية المسرح والفنون الأدائية، وكلية الإدارة الثقافية، ومن خلالها طُرحت ثمانية برامج أكاديمية تشمل الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، وكتابة السيناريو، وصناعة الموسيقى، والموسيقى والتربية الموسيقية، والتمثيل المسرحي والسينمائي، وإدارة الفنون.

اللافت هنا ليس عدد البرامج، بل تنوعها.

فمن البداية، لا تختزل الجامعة الثقافة في «الفنان» وحده. إلى جواره هناك الكاتب، والمنتج، والمدير، والموسيقي، والممثل، ومن يدير المؤسسة الثقافية نفسها.

وهذه نقطة نراها في "هي" شديدة الأهمية؛ لأن الصناعات الإبداعية لا تكبر بالمواهب الفردية فقط. تحتاج إلى منظومة كاملة تعرف كيف تكتشف الموهبة وتدربها، ثم توفر لها الأشخاص القادرين على إنتاج العمل وتسويقه وإدارته وحمايته وتقديمه للجمهور.

الجامعة لا تصنع الفنان.. لكنها تمنحه الأدوات

من السهل أن نقول إن الإبداع فطري.

لكن الصناعة تقول شيئًا آخر: الموهبة قد تكون البداية، لكنها نادرًا ما تكون كافية وحدها.

كاتب السيناريو يحتاج إلى فهم البناء الدرامي. الممثل يحتاج إلى تدريب طويل على الجسد والصوت والشخصية. الموسيقي يحتاج إلى معرفة تقنية ونظرية وممارسة مستمرة. والمخرج لا يحتاج إلى رؤية فنية فقط، بل إلى فهم الكاميرا والمونتاج والإنتاج والعمل مع فريق كامل.

لهذا تبدو فلسفة التعليم التطبيقي في الجامعة جزءًا أساسيًا من أهميتها.

فالجامعة تخطط لحرمين في عرقة والدرعية يضمان استوديوهات للأفلام والرسوم المتحركة وتسجيل الصوت والرسم والنحت، إلى جانب المسارح وورش النجارة وتشكيل المعادن والمعامل الرقمية ومساحات للكتابة والتعليم الفني. والهدف المعلن هو الجمع بين الجانب النظري والتجربة العملية، بحيث تتحول الفكرة إلى عمل يمكن اختباره وتطويره.

كلية الأفلام، على سبيل المثال، تبني برامجها حول الممارسة العملية لمنظومة الإنتاج بأكملها، من السرد واللغة البصرية إلى الإنتاج وما بعد الإنتاج، بينما يقدم بكالوريوس الإنتاج السينمائي والتلفزيوني تدريبًا يمتد أربع سنوات ويجمع بين الجوانب الإبداعية والتقنية والإدارية.

وهنا يصبح التعليم مساحة آمنة للتجربة.

قد يصنع الطالب فيلمه الأول ولا يكون مثاليًا. وقد تكتب طالبة سيناريو ثم تعيد كتابته عشر مرات. وقد يقف ممثل على المسرح ويفشل في مشهد قبل أن يتعلم منه.

هذه المساحة، في رأينا، لا تقل أهمية عن الشهادة نفسها.

الإبداع يحتاج إلى مكان يسمح لصاحبه بأن يخطئ قبل أن يطلب منه العالم أن ينجح.

حين يتحول الفن إلى مهنة

ربما يكون التحول الأكثر أهمية في وجود جامعة متخصصة كهذه هو تغيير العلاقة بين الثقافة وسوق العمل.

فالحديث عن الفنون لسنوات طويلة كان يمكن أن يبدأ وينتهي عند الموهبة. أما اليوم، فالاقتصاد الإبداعي يحتاج إلى وظائف ومسارات مهنية شديدة التنوع.

وجود كلية للإدارة الثقافية منذ المرحلة الأولى يعبر بوضوح عن هذا الفهم.

فالعمل الثقافي لا يقوم فقط على الفنان الذي نرى اسمه على الملصق. خلف معرض فني هناك مديرون ومنظمون ومتخصصون في التسويق والتمويل وإدارة الجمهور. وخلف مهرجان موسيقي أو مسرحي منظومة من التخطيط والإنتاج والاتصال. وخلف مؤسسة ثقافية ناجحة قيادة تعرف كيف تحقق التوازن بين القيمة الفنية والاستدامة المؤسسية.

برنامج ماجستير إدارة الفنون في الجامعة، على سبيل المثال، صُمم ليربط الإبداع بالقيادة والإدارة، في حين يظهر مسار الإدارة الثقافية نفسه أن الجامعة لا تتعامل مع الثقافة بوصفها سلسلة من الفنون المنفصلة، بل كقطاع يحتاج إلى من يصنع العمل ومن يبني البيئة التي تسمح له بالاستمرار.

ومن زاوية مجلة "هي"، هنا تحديدًا يبدأ معنى آخر للتمكين.

فالموهبة ليست فقط أن تمنح المرأة فرصة للظهور على المسرح أو خلف الكاميرا، بل أن تكون أيضًا المنتجة، ومديرة المؤسسة، وصاحبة المشروع، والباحثة، والقيّمة على المعارض، وصانعة القرار الثقافي.

لماذا تبدو الكليات القادمة أكثر إثارة؟

إذا كانت المرحلة الأولى تقدم صورة واضحة عن السينما والموسيقى والمسرح والإدارة الثقافية، فإن خريطة التوسع المقبلة تكشف أن المشروع أكبر بكثير.

فالجامعة تخطط لإطلاق كليات في التصميم والعمارة، والأزياء، والفنون البصرية والتصوير الفوتوغرافي، ودراسات وإدارة المتاحف، والآداب واللغات، والتعليم الثقافي، والمكتبات والمخطوطات، وفنون الطهي، والدراسات التراثية والحضارية.

وهذه القائمة وحدها تعيد تعريف معنى كلمة «ثقافة».

فالطاهي يمكن أن يكون جزءًا من المشهد الثقافي.

ومصممة الأزياء أيضًا.

والمتخصص في المخطوطات.

ومديرة المتحف.

والمعماري.

والمصور.

والشخص الذي يعمل على صون موقع تراثي.

وهنا تنتقل الثقافة من تصور ضيق يرتبط بالفنون الجميلة فقط إلى مفهوم أوسع بكثير: كل ما يصنع الطريقة التي يعبّر بها المجتمع عن نفسه ويحفظ ذاكرته ويقدمها إلى الآخرين.

وهذا تحديدًا أحد جوانب المشروع التي تلفت انتباه «هي»، لأننا نراقب منذ سنوات صعود جيل سعودي جديد في الأزياء والتصميم والطهي والسينما والفنون، لكن وجود تعليم جامعي متخصص يمكن أن يحول بعض هذه النجاحات الفردية إلى سلسلة مستمرة من الأجيال والكفاءات.

من الرياض إلى العالم.. ولكن بأي صوت؟

واحدة من أكثر ملامح الجامعة وضوحًا هي اعتمادها على شراكات مع مؤسسات أكاديمية دولية متخصصة.

فكلية الأفلام تتعاون مع كلية الفنون السينمائية في جامعة جنوب كاليفورنيا USC، وكلية الموسيقى مع Guildhall School of Music & Drama في لندن، وكلية المسرح والفنون الأدائية مع AMDA، وكلية الإدارة الثقافية مع ESSEC Business School. كما تشمل الشراكات SOAS في الدراسات التراثية والحضارية، وRoyal College of Art في التصميم والعمارة والفنون البصرية والتصوير.

والهدف المعلن يتجاوز استخدام أسماء عالمية في واجهة الجامعة؛ إذ تشمل هذه الشراكات تصميم البرامج، وتطوير أعضاء هيئة التدريس، والتدريب العملي، والبحث العلمي وتبادل المعرفة.

لكن بالنسبة لنا، السؤال الأجمل يأتي بعد ذلك:

ماذا سيفعل الطالب السعودي بهذه المعرفة؟

فالنجاح الحقيقي لن يكون في أن يتعلم كيف يصنع فيلمًا يشبه فيلمًا أنتج في لوس أنجلوس، أو كيف يصمم قطعة يمكن أن تخرج من لندن.

الأكثر إثارة أن يمتلك الأدوات العالمية ثم يستخدمها ليقول شيئًا نابعًا من تجربته هو.

فيلم عن قصة سعودية لم تُحكَ بعد.

قطعة أزياء تستعيد عنصرًا محليًا من دون أن تتحول إلى نسخة فولكلورية.

موسيقى تحمل جذورًا تعرفها الأذن السعودية، لكن بلغة يستطيع العالم سماعها.

متحف يعيد تقديم الذاكرة بطريقة معاصرة.

أو تصميم يبدأ من العمارة المحلية ثم ينطلق إلى سؤال عالمي.

هنا فقط يصبح التعبير «من الرياض إلى العالم» أكثر من شعار جميل؛ يصبح اتجاهًا ثقافيًا حقيقيًا.

ماذا تعني الجامعة للمرأة السعودية؟

من الصعب الحديث عن المشهد الإبداعي السعودي الحالي من دون ملاحظة حضور النساء في السينما والفنون والتصميم والأزياء والكتابة وريادة الأعمال الثقافية.

لكن وجود جامعة بهذا الاتساع يمكن أن يضيف عنصرًا جديدًا إلى هذا الحضور: المسار الواضح.

فالشابة التي تريد أن تصبح مخرجة يمكنها أن تبدأ الآن من برنامج جامعي متخصص. ومن ترغب في إدارة الفنون يمكن أن تحصل على تأهيل أكاديمي في المجال نفسه. وفي السنوات المقبلة، ستفتح مسارات الأزياء والفنون البصرية والمتاحف والتصميم والطهي وغيرها مساحات إضافية أمام جيل يبحث عن مهنة لا تفصل بين الطموح الشخصي والقطاع الثقافي.

ومن وجهة نظر مجلة «هي»، لا يجب النظر إلى هذه الخطوة فقط باعتبارها فرصة لمزيد من النساء للدخول إلى الفنون، بل فرصة لأن يصلن إلى كل المستويات التي تصنع الفن.

أمام الجمهور وخلفه.

على الشاشة وفي غرفة الإنتاج.

على منصة العرض وفي إدارة المؤسسة.

داخل الاستوديو وفي البحث الأكاديمي.

فالتمكين الحقيقي لا يعني أن نرى أسماء نسائية أكثر في نهاية المشروع فقط، بل أن توجد النساء أيضًا في الغرف التي يُقرر فيها كيف يبدأ المشروع أصلًا.

ليست جامعة للفنانين فقط

ربما تكون هذه إحدى أكثر الأفكار التي تستحق التأكيد.

فجامعة الرياض للفنون ليست مخصصة فقط لمن يرى نفسه رسامًا أو موسيقيًا أو ممثلًا.

عندما تدخل مجالات مثل إدارة المتاحف، والتعليم الثقافي، والمخطوطات، والتراث، والعمارة، وفنون الطهي إلى الجامعة، تصبح أمامنا شبكة كاملة من الوظائف التي تجعل الثقافة ممكنة.

وراء العمل الفني الذي يراه الجمهور شخص يحفظه.

وشخص يدرسه.

وآخر يعرضه.

وشخص يدير المؤسسة التي تحتضنه.

وخلف الفيلم منتج ومونتير وكاتب وفنيون ومديرون.

وخلف المتحف فريق أكبر بكثير من الفنان الذي وضع عمله داخله.

وهذا التحول مهم؛ لأنه يجعل المهن الثقافية نفسها أكثر وضوحًا أمام الجيل الجديد.

فقد يكون الطالب مولعًا بالسينما لكنه لا يريد أن يكون ممثلًا أو مخرجًا. وقد تحب شابة الفن لكنها تكتشف أن موهبتها الحقيقية في إدارة المعارض أو المتاحف.

وجود التعليم المتخصص يساعد الموهبة أيضًا على اكتشاف أين مكانها داخل الصناعة.

بعد سنوات.. كيف سنقيس نجاحها؟

سيكون من السهل بعد عدة سنوات أن ننظر إلى الأرقام.

عدد الطلاب.

عدد الخريجين.

عدد البرامج.

عدد الكليات.

لكن في «هي»، نعتقد أن الأثر الأكثر إثارة سيظهر في مكان آخر.

في أول فيلم يحمل اسم خريجة من الجامعة ويصل إلى مهرجان دولي.

في علامة أزياء يؤسسها أحد طلابها.

في عرض مسرحي جديد.

في موسيقي يقدم عملًا سعوديًا إلى جمهور لم يسمع هذا اللون من قبل.

في متحف يقوده خريج درس الإدارة والحفظ والتراث بصورة احترافية.

وفي باحث يكتشف طريقة جديدة لحماية جزء من الذاكرة الثقافية.

وربما أيضًا في شيء أقل وضوحًا: أن يأتي جيل أصغر بعد سنوات ولا يشعر بأن اختيار دراسة الفن قرار يحتاج إلى تفسير طويل.

أن يصبح السؤال الطبيعي ببساطة:

أي تخصص ثقافي تريد أن تدرس؟

لذا نتوقع أن تحقق الجامعة مردودا فنيا وثقافيا غير مسبوق على مر الأجيال القادمة

حين يصبح الإبداع مؤسسة لا لحظة عابرة

قد تكون هذه، في النهاية، القيمة الأعمق لجامعة الرياض للفنون.

الموهبة كانت موجودة قبل الجامعة، وستظل موجودة خارجها أيضًا. والفن لا يحتاج إلى شهادة كي يكون صادقًا أو مؤثرًا.

لكن ما تصنعه المؤسسة الأكاديمية هو شيء آخر.

إنها تمنح الموهبة الوقت، والمكان، والمعرفة، والنقد، والتجربة، والشبكة المهنية، والاستمرارية.

وبذلك يمكن للإنجاز الفردي أن يتحول إلى قطاع، وللموهبة الاستثنائية أن تصبح جزءًا من جيل كامل.

ولهذا لا ترى مجلة «هي» افتتاح جامعة الرياض للفنون باعتباره خبرًا تعليميًا فقط.

إنه أحد المؤشرات على مرحلة جديدة يصبح فيها الاستثمار في الثقافة استثمارًا في الإنسان الذي سيكتب قصتها المقبلة.

فربما نحتاج إلى أعوام قبل أن نرى كل النتائج.

لكن الرسالة واضحة منذ البداية:

في السعودية، أصبح للإبداع مكان يدرسه، ومكان يتدرب فيه، ومسار مهني يستطيع أن يكبر داخله.. ومقعد جامعي ينتظر الجيل الذي سيصنع المشهد الثقافي القادم.

محرر وصحفي متخصص في المواضيع الخاصة بالسعودية والإمارات خصوصًا في مجالات السياحة والترفيه وتغطية آخر الأخبار والاتجاهات.