في يوم المرأة الإماراتية.. إماراتيات قدمن صورة الإمارات للعالم بلغة الإبداع
ثمة طرق كثيرة يمكن لوطن أن يقدم بها نفسه إلى العالم. قد تفعل ذلك معالمه الكبرى، أو منجزاته، أو الأحداث التي تستضيفها مدنه، لكن هناك طريقًا آخر أكثر هدوءًا وربما أشد بقاءً في الذاكرة؛ أن نتعرف إلى المكان من خلال فيلم شاهدناه، أو رواية أخذتنا إلى شوارعه القديمة، أو قطعة تصميم حملت شيئًا من هويته، أو طبق كشف لنا جانبًا من عاداته وتفاصيل بيوته.
وفي الإمارات، أسهمت نساء كثيرات في صناعة هذه الصورة من دون أن يكن بالضرورة في مقدمة المشهد. فنانات ومصممات وكاتبات وصانعات أفلام وشيفات وعاملات في مؤسسات ثقافية، اختارت كل واحدة منهن أداة مختلفة، لكنها وصلت في النهاية إلى الهدف ذاته: تقديم جانب من الإمارات بلغة لا تحتاج إلى ترجمة طويلة، لأنها تعتمد على الإبداع والجمال والحكاية.
وبمناسبة يوم المرأة الإماراتية، تبدو قصص هؤلاء النساء جديرة بالاحتفاء بعيدًا عن القوائم المعتادة للمناصب والأرقام. فالتأثير لا يُقاس دائمًا بحجم المنصب، وقد تبدأ القوة أحيانًا من فكرة صغيرة داخل استوديو أو مطبخ أو قاعة سينما، قبل أن تسافر إلى جمهور لم يزر الإمارات من قبل.
نجوم الغانم.. ذاكرة المكان حين تتحول إلى فن
بين الشعر والسينما والفنون البصرية، بنت نجوم الغانم تجربتها بطريقة يصعب معها اختصارها في لقب واحد. فمنذ انطلاقتها المهنية في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، راحت تتحرك بين وسائط إبداعية مختلفة، وكأن كل حكاية هي التي تختار الشكل الأنسب لروايتها.
ويكشف رصيدها عن تجربة ممتدة؛ فقد نشرت 11 مجموعة شعرية وأنجزت أكثر من 20 فيلمًا بين الروائي والوثائقي والفني، كما حملت أعمالها اسم الإمارات إلى بينالي البندقية في مناسبات عدة، من بينها مشاركتها ممثلة للدولة عامي 2017 و2019.
لكن ما يجعل تجربتها وثيقة الصلة بصورة الإمارات الثقافية ليس عدد الأفلام أو دواوين الشعر بقدر ما هو اهتمامها بالإنسان والذاكرة والتغيرات التي يعيشها المجتمع. ففي أعمالها، لا يصبح المكان خلفية صامتة للأحداث، بل جزءًا من الحكاية نفسها.
ومن خلال شخصيات وتفاصيل قد تبدو شديدة المحلية، استطاعت أن تقدم للمشاهد شيئًا أكثر عمقًا من الصورة السياحية المعتادة؛ حياة لها إيقاعها وأسئلتها وذكرياتها، ووجوهًا يمكن أن يفهمها الإنسان مهما اختلفت لغته أو بلده.

بثينة كاظم.. شاشة صغيرة فتحت نافذة كبيرة على العالم
وسط المشهد السينمائي التجاري، اختارت بثينة كاظم مساحة مختلفة تمامًا.
بدأ مشروع «سينما عقيل» متنقلًا، يأخذ الأفلام إلى أماكن متنوعة ويمنح السينما المستقلة جمهورًا ربما لم يكن يجدها بسهولة في دور العرض التقليدية، قبل أن يستقر المشروع في السركال أفنيو في دبي ويصبح من أبرز المساحات المخصصة للسينما الفنية المستقلة في الخليج.
لكن قيمة التجربة تتجاوز وجود شاشة ومقاعد وجمهور.
فالاختيارات السينمائية نفسها صنعت نوعًا من الحوار الثقافي داخل المدينة، حيث تتجاور أفلام عربية مع أعمال من آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، وتصبح السينما فرصة لاكتشاف حياة الآخرين بعيدًا عن إنتاجات شباك التذاكر الضخمة.
ومن خلال هذه المساحة، أضافت بثينة إلى صورة دبي تفصيلًا مختلفًا؛ مدينة لا تستهلك الثقافة فقط، بل تصنع لها منصات، وتستضيف أصواتًا وتجارب لا تجد دائمًا طريقها إلى الجمهور الواسع.
إنها إحدى الحالات التي يصبح فيها ما يحدث خلف شاشة السينما جزءًا من صورة المدينة أمام العالم.

عزة القبيسي.. حين تحمل الخامة قصة المكان
ماذا لو استطاعت قطعة معدنية أو سعفة نخيل أن تروي شيئًا عن الإمارات؟
هذا السؤال يبدو حاضرًا في جانب كبير من تجربة عزة القبيسي، الفنانة والمصممة الإماراتية التي اتخذت من المجوهرات والنحت والتصميم مساحات متداخلة للتجريب.
استخدمت في أعمالها المعادن ومواد مستمدة من البيئة المحلية، ولم تتعامل معها باعتبارها عناصر للزينة فقط، بل بوصفها جزءًا من الذاكرة البصرية للمكان. وامتدت مشاركاتها إلى فعاليات ومعارض خارج الإمارات، من مهرجان سميثسونيان للفلكلور في واشنطن إلى مشروع «Forever Is Now» بالقرب من أهرامات الجيزة، إلى جانب حضورها في مشروعات الفن العام داخل أبوظبي.
والمثير في هذه التجربة أن التراث لا يظهر كشيء جامد ينتمي إلى زمن انتهى.
بين يدي القبيسي، يمكن للخامة التقليدية أن تدخل حوارًا مع الفن المعاصر، وأن تتغير وظيفتها من عنصر مألوف في الحياة اليومية إلى قطعة تقف أمامها في معرض وتسأل عن قصتها.
بهذه الطريقة، تصبح الهوية قابلة للحركة والسفر والتجدد.

الجود لوتاه.. التصميم حين يبدأ من الذاكرة وينتهي في متحف عالمي
في عالم التصميم، صنعت الجود لوتاه لنفسها لغة تقوم على الجمع بين الدقة الهندسية والحرفية والبحث المستمر عن أشكال جديدة يمكن أن تحمل إحساسًا محليًا من دون أن تبدو تقليدية.
من الأثاث إلى الإضاءة والقطع الفنية، تعتمد أعمال استوديو الجود لوتاه على قراءة الثقافة والحرف الإماراتية بلغة تصميم معاصرة، بدل نقل أشكال الماضي كما هي.
وربما تقدم مجموعة «Oru» مثالًا واضحًا على قدرة التصميم الإماراتي على السفر خارج حدوده. فقد دخل كرسي ومصباح من المجموعة إلى مقتنيات المعرض الوطني في فيكتوريا بمدينة ملبورن، كما ظهر كرسي «Oru» ضمن معرض «Designing Women» الذي احتفى بإسهامات المصممات في تشكيل التصميم المعاصر.
عندما تدخل قطعة صُممت في دبي إلى مجموعة متحف على الجانب الآخر من العالم، لا تنتقل معها الخامات وحدها. ينتقل أيضًا شيء من البيئة التي صنعت المصممة ونظرتها ومراجعها.
وهنا يصبح التصميم نوعًا مختلفًا من السفر؛ لا يحتاج صاحبه إلى الحديث كثيرًا عن بلده، لأن القطعة تفعل ذلك بطريقتها.

خلود آل ثاني.. الموضة أبعد من مجرد قطعة جميلة
أما خلود ثاني فاختارت الأزياء مساحة تجمع فيها التصميم وريادة الأعمال والبحث الثقافي.
ولدت ونشأت في دبي، ودرست إدارة وتسويق الأزياء في باريس، ثم واصلت تطوير معرفتها في مؤسسات متخصصة في لندن، قبل أن تؤسس علامتها «بنت ثاني» عام 2012. وأصبحت تصاميمها، ومن بينها العمائم الحريرية التي ارتبطت ببدايات العلامة، جزءًا من حركة أوسع لظهور أسماء إماراتية مستقلة في عالم الموضة.
لكن تجربتها لم تتوقف عند تصميم الملابس؛ فقد تحركت بين الموضة والفن والتكنولوجيا والمشروعات الثقافية، وخاضت تجارب تصميمية شملت التعاون على إنتاج فستان بتقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد في دبي.
وما يميز هذا النوع من التجارب أنه يرفض الفصل بين الهوية والحداثة.
فالمصمم الإماراتي ليس مطالبًا بأن يكرر رموز الماضي كي يؤكد انتماءه، كما أنه لا يحتاج إلى التخلي عنها كي يصبح عالميًا. يستطيع ببساطة أن يترك تجربته الشخصية ومدينة مثل دبي وكل ما تحمله من تناقضات وحركة وتنوع تتسلل إلى أعماله بصورة أكثر ذكاءً.

خلود عتيق.. حين يصبح الطعام أول لقاء مع الثقافة
ربما تكون المائدة واحدة من أسرع الطرق لاكتشاف بلد جديد.
قبل أن يعرف الزائر تاريخ طبق ما، تكون رائحته قد وصلت إليه، وقبل أن يتعلم أسماء مكوناته يكون قد بدأ بالفعل في تكوين ذاكرة مرتبطة بالمكان.
من هنا تأخذ تجربة الشيف الإماراتية خلود عتيق أهميتها. فقد بدأت مسيرتها المهنية في الطهي عام 2008، في مرحلة كان فيها حضور المطبخ الإماراتي داخل قطاع السياحة والضيافة أقل مما هو عليه اليوم، لتصبح لاحقًا من الأسماء البارزة في تقديم الأطباق المحلية وتطوير حضورها خارج نطاق البيت. كما قدمت كتاب «سراريد»، الذي يجمع وصفات مرتبطة بالمطبخ الإماراتي وما انتقل منه بين الأجيال.
ولعل أجمل ما في الطعام أنه لا يحتاج إلى خطاب طويل كي يقرب الناس من بعضهم.
طبق واحد قد يقود الزائر إلى أسئلة عن المناسبات التي يقدم فيها، وعن طريقة تحضيره، وعن الأسرة، وعن الضيافة، وعن البهارات التي تملأ البيت برائحتها.
وهكذا يتحول المطبخ إلى سجل للذاكرة، وتصبح المرأة التي تحفظ وصفاته وتعيد تقديمها جزءًا من حماية حكاية اجتماعية أكبر بكثير من طبق على مائدة.

ريم الكمالي.. الإمارات التي يمكن اكتشافها بين صفحات رواية
في الأدب، تقدم ريم الكمالي نموذجًا آخر لكيف يمكن للإبداع أن يعيد فتح أبواب الماضي.
فهي روائية وصحافية درست التاريخ، وهو ما يظهر في اهتمامها بالذاكرة والهوية والتحولات التي عاشتها المنطقة، سواء في «سلطنة هرمز» أو «تمثال دلما» أو «يوميات روز». ووصلت الأخيرة إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في 2022، قبل أن تصدر ترجمتها الإنجليزية لاحقًا، بينما واصلت الكمالي حضورها الدولي بوصولها في 2025 إلى القائمة القصيرة لجائزة البريكس للأدب.
وفي «يوميات روز» تحديدًا، تعود الكمالي إلى دبي في ستينيات القرن الماضي، لتستكشف من خلال بطلتها المجتمع والحياة والفرص المتاحة للنساء في مرحلة سبقت قيام الاتحاد.
وقد بنت الرواية على بحث واسع في قصص المدينة وذاكرة سكانها ومصادرها التاريخية، ثم أعادت تشكيل تلك المادة داخل عالم روائي، بحيث يدخل القارئ إلى تاريخ دبي من خلال حياة الناس لا من خلال سرد التواريخ وحدها.
وهنا تظهر إحدى أهم قدرات الأدب: أن يجعل التاريخ شخصيًا.
فقد ينسى القارئ رقم السنة، لكنه يتذكر الشخصية التي أحبها، والبيت الذي تخيله، والصراع الذي عاشه معها، ومن خلالها يتذكر المكان.

وخلف أبواب المتاحف.. نساء يصنعن ما سيراه الزائر غدًا
بعض أهم الأعمال الثقافية لا يراها الجمهور على الإطلاق.
قبل أن يدخل الزائر إلى المتحف، هناك من أمضى سنوات في العمل على المقتنيات، والتصميم، والبرامج الثقافية، وحفظ الأعمال، والتواصل مع الفنانين والجمهور.
وفي مشروع «غوغنهايم أبوظبي» على سبيل المثال، برز حضور إماراتيات يعملن في مجالات مختلفة مرتبطة بصناعة تجربة المتحف، من تطوير المشروع وحماية المقتنيات إلى البرامج الثقافية والتواصل مع الجمهور. ومن بينهن ليلى أحمد الريس، وديمة الحمادي، وخولة علي المرزوقي، إلى جانب أسماء إماراتية أخرى ضمن الفريق الذي يعمل على المشروع.
وهؤلاء ربما يجسدن فكرة «خلف المشهد» بأوضح صورها.
فالزائر سيرى المبنى والأعمال الفنية والمعارض، لكنه لن يرى آلاف القرارات الصغيرة التي صنعت التجربة: كيف وصلت القطعة إلى مكانها؟ كيف حُفظت؟ وكيف يمكن أن تصبح مؤسسة عالمية جزءًا حقيقيًا من المجتمع الموجود حولها؟
الثقافة هنا ليست لوحة معلقة على الحائط، وإنما منظومة كاملة من الأشخاص الذين يقررون كيف تُروى القصة ولمن.
صورة الإمارات لا يصنعها اسم واحد
تختلف الطرق التي اختارتها هؤلاء النساء.
نجوم الغانم وجدت لغتها بين الكلمة والصورة. بثينة كاظم بنت مساحة تجتمع فيها حكايات العالم. عزة القبيسي جعلت الخامة المحلية قابلة للتحول إلى فن معاصر. الجود لوتاه دفعت التصميم الإماراتي إلى مجموعات المتاحف الدولية. خلود ثاني اختبرت الحدود بين الموضة والتكنولوجيا والثقافة، وخلود عتيق حملت ذاكرة المطبخ إلى جمهور جديد، بينما جعلت ريم الكمالي الرواية طريقًا للعودة إلى صفحات من تاريخ المكان.
ولا تحتاج أي من هذه التجارب إلى أن تعلن أنها «تمثل الإمارات» في كل خطوة.
التأثير يحدث بصورة أكثر تلقائية؛ عندما يسأل شخص عن أصل قطعة شاهدها في معرض، أو يبحث عن مدينة قرأ عنها في رواية، أو يتعرف إلى طبق للمرة الأولى، أو يجلس داخل قاعة سينما في دبي ليشاهد فيلمًا لم يكن يعرف أنه موجود.
فالصورة الثقافية لأي وطن لا تُصنع في لحظة واحدة، وإنما من آلاف التفاصيل التي تتراكم بمرور الوقت.
وفي يوم المرأة الإماراتية، ربما تستحق النساء اللاتي يصنعن تلك التفاصيل مساحة خاصة من الضوء.
ليس فقط لأنهن حققن نجاحات شخصية، بل لأن أعمالهن أضافت إلى الطريقة التي تُرى بها الإمارات من الداخل والخارج؛ دولة يمكن اكتشافها من خلال الفن والكتاب والتصميم والسينما والطعام، ومن خلال نساء لم ينتظرن أن تُروى حكايتهن، بل اخترن الأدوات التي يروين بها الحكاية بأنفسهن.