من القصيدة إلى السينما والعمارة.. إماراتيات يكتبن فصولًا مختلفة من الإبداع
ليست هناك صورة واحدة يمكن أن تختصر المرأة الإماراتية، وربما تكمن قوة تجربتها تحديدًا في تعدد الصور التي صنعتها لنفسها.
فهي الطبيبة التي اختارت أن توثق تاريخ النساء، والشاعرة التي أخذت قصيدتها إلى منصات العالم، والروائية التي فتشت في التاريخ عن حكايات جديدة، والمخرجة التي حملت الكاميرا لتقترب من الإنسان والمكان، والمهندسة المعمارية التي قرأت المدينة باعتبارها ذاكرة، والفنانة التي جعلت اللوحة امتدادًا لأسئلتها، والكاتبة التي تحدثت إلى الطفل بلغته.
وفي يوم المرأة الإماراتية، لا تبدو الحكاية مرتبطة بعدد المناصب التي وصلت إليها النساء بقدر ما ترتبط بتلك المساحات التي أوجدنها بأنفسهن، وبالأصوات التي أضفنها إلى المشهد الثقافي والفكري والإبداعي في دولة الإمارات.
ومن بين الأسماء التي جمعتها مؤسسة الإمارات للآداب على مدار مشاركاتها في مهرجان طيران الإمارات للآداب، تبرز مجموعة من الإماراتيات اللواتي يصعب جمعهن تحت تعريف واحد، إلا أن ما يوحدهن هو أن كل واحدة منهن اختارت أن تحكي قصتها بطريقتها الخاصة.
رفيعة غباش.. حين يصبح توثيق النساء مشروع حياة
يصعب الحديث عن ذاكرة المرأة الإماراتية من دون التوقف أمام الدكتورة رفيعة غباش . فالطبيبة النفسية والأكاديمية لم تجعل نجاحها العلمي نهاية الطريق، وإنما انطلقت منه إلى مشروع أكثر اتساعًا: حفظ ذاكرة النساء الإماراتيات ومنح تجاربهن المكان الذي تستحقه في التاريخ.
كانت أول طبيبة نفسية إماراتية، وأول إماراتية تحصل على درجة الأستاذية في الطب النفسي، كما ترأست جامعة الخليج العربي في البحرين لثماني سنوات. لكن أحد أكثر مشروعاتها التصاقًا بالذاكرة الثقافية كان تأسيس متحف المرأة في دبي عام 2012، إلى جانب مؤلفاتها التي اهتمت بالتاريخ والتراث والشعر النبطي والمرأة الإماراتية.
مع غباش، لا يصبح التاريخ مجرد سنوات وأحداث، وإنما وجوه نساء وحكايات كان يمكن أن تتوارى لو لم تجد من يبحث عنها ويحفظها.

عفراء عتيق.. قصيدة إماراتية بصوت يصل إلى العالم
في تجربة عفراء عتيق تبدو القصيدة أكثر تحررًا من حدود الصفحة.
هي شاعرة إماراتية أخذت الشعر إلى فضاء الأداء الحي و«الشعر المنطوق»، وظهرت على منصات محلية ودولية وفي الجامعات والفعاليات الثقافية، كما خاضت تجربة المسابقات الشعرية وورش الكتابة والعمل المجتمعي. وفوزها بجائزة الإبداع من مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون منح تجربتها مساحة إضافية داخل المشهد الثقافي الإماراتي.
تنتمي عفراء إلى جيل لا يرى تناقضًا بين الهوية المحلية واللغة الفنية العالمية؛ فالقصيدة لديها تستطيع أن تحمل نبرة المكان، ثم تسافر بها إلى جمهور لم يزر الإمارات من قبل.

ريم الكمالي.. التاريخ حين يتحول إلى رواية
تأتي ريم الكمالي إلى الأدب وفي حقيبتها معرفة بالتاريخ وصنعة الصحافة وشغف بالتفاصيل.
وهذا ربما يفسر حضور التاريخ بقوة في عالمها الروائي؛ فقد حققت روايتها الأولى «سلطنة هرمز» حضورًا لافتًا وفازت بجائزة العويس للإبداع عام 2015، فيما امتدت تجربتها لاحقًا إلى أعمال أخرى مثل «تمثال دلما». وإلى جانب الرواية، عملت الكمالي في الصحافة الثقافية وانخرطت في المشهد الأدبي الإماراتي.
في كتاباتها، لا يعود الماضي خلفية بعيدة، وإنما عالمًا يمكن إعادة فتح أبوابه والسير بين شخصياته وموانئه ومدنه من جديد.

روضة المري.. الإمارات كما تروي نفسها للآخر
هناك من يسافر ليكتشف العالم، وهناك من يعود من السفر برغبة أكبر في تعريف العالم بوطنه.
هذه المساحة تحديدًا تبدو واضحة في تجربة روضة المري ، التي جمعت بين شغفها بالسفر والقصص ورغبتها في تقديم الثقافة الإماراتية للقارئ بطريقة بسيطة وقريبة. وبعد سنوات قضتها في الولايات المتحدة خلال دراستها، ازداد اهتمامها بالعلاقة بين الثقافات وبالطريقة التي يرى بها الآخر الإمارات.
ومن هنا جاء كتابها «الإمارات 101: قصص وتعاليم ثقافية»، ثم مشروعها الذي تناول المفاهيم الخاطئة عن الإمارات، إلى جانب تأسيسها دار نشر «هاوس 101».
إنها كتابة تعمل كجسر؛ لا تشرح المكان بقدر ما تفتح بابه للآخر كي يفهمه.

نجوم الغانم.. عندما تجتمع القصيدة والكاميرا
قليلون هم من يستطيعون الانتقال بين الشعر والسينما من دون أن يفقد أحد العالمين حضوره. أما نجوم الغانم فبنت مسيرتها في المنطقة الواقعة بينهما.
شاعرة، وكاتبة سيناريو، ومخرجة سينمائية، بدأت مسيرتها المهنية في الصحافة قبل أن تتجه بقوة إلى الأدب والفيلم. قدمت أعمالًا روائية ووثائقية، وحصدت أفلامها جوائز محلية وإقليمية ودولية، ومن بينها «سماء قريبة» الذي فاز بجائزة أفضل فيلم غير روائي في مهرجان دبي السينمائي الدولي، كما نالت جائزة أفضل مخرجة إماراتية عن فيلم «المريد».
وفي عالم نجوم الغانم، يبدو الإنسان دائمًا قريبًا من الكاميرا؛ بملامحه وهشاشته وحكاياته الصغيرة التي تقول شيئًا أكبر عن المجتمع والمكان.

دبي أبوالهول.. الخيال أيضًا يحمل هوية إماراتية
في عالم الأدب، فتحت دبي أبوالهول بابًا آخر تمامًا.
فهي صاحبة «غالاغوليا»، التي قدمتها مؤسسة الإمارات للآداب باعتبارها أول رواية فانتازيا إماراتية باللغة الإنجليزية، قبل أن تتجه كذلك إلى الحكايات الشعبية وتقديمها للأجيال الأصغر من خلال سلسلة كتب للأطفال. كما حصلت على جائزة «الشباب العربي للعام» عام 2016 تقديرًا لجهودها في مجالات الشباب والأدب والصحافة.
وتبدو تجربتها مهمة لأنها تطرح سؤالًا جذابًا: لماذا لا تكون الأسطورة والفانتازيا والحكاية الشعبية جزءًا من الطريقة التي يقدم بها الجيل الجديد الثقافة الإماراتية إلى العالم؟

ميثاء الخياط.. حين يرى الطفل نفسه داخل الكتاب
كتب الأطفال ليست كتبًا أصغر حجمًا، بل ربما تكون من أصعب أشكال الكتابة؛ لأنها تصنع العلاقة الأولى بين الإنسان والقراءة.
وهنا يأتي حضور ميثاء الخياط ، الكاتبة ورسامة كتب الأطفال التي قدمت عددًا كبيرًا من المؤلفات بالعربية والإنجليزية، ومن بينها أعمال حاصلة على جوائز مثل «طريقتي الخاصة» و«أطفئ الأنوار». كما امتدت كتابتها إلى الشاشة من خلال برامج وأعمال موجهة للأطفال، من بينها «افتح يا سمسم» ومسلسل الرسوم المتحركة الإماراتي «حمدون».
وتكمن أهمية هذه التجربة في شيء شديد البساطة: أن يفتح الطفل الإماراتي كتابًا فيجد عالمًا يعرفه وتفاصيل تشبهه.

آمنة المنصوري.. بين الرواية والشاشة
اختارت آمنة المنصوري بدورها أن تتحرك بين أكثر من مساحة إبداعية.
عرفها القراء من خلال رواية «عيناك يا حمدة»، كما شاركت في كتابة سيناريو مسلسل الرسوم المتحركة الإماراتي الشهير «فريج».
إنها واحدة من التجارب التي تكشف أن الحكاية لا ينبغي أن تبقى أسيرة وسيط واحد؛ فقد تبدأ بين غلافي رواية ثم تجد حياة جديدة على الشاشة، أو يحدث العكس تمامًا.

إيمان اليوسف.. مهندسة اختارت الأدب أيضًا
قد تبدو الهندسة الكيميائية والرواية عالمين متباعدين، لكن إيمان اليوسف وجدت لنفسها مكانًا في كليهما.
قدمت مجموعات قصصية وروايات، وحصدت روايتها «حارس الشمس» المركز الأول في جائزة الإمارات للرواية عام 2016، كما جمعت لقاءاتها مع عدد من الكتاب الإماراتيين في كتاب «خبز وحبر».
وتعيد تجربتها التذكير بأن الهوية المهنية لا ينبغي أن تصبح حدودًا للإبداع. قد تعمل المرأة بالأرقام والمعادلات، ثم تعود إلى البيت لتبني عالمًا كاملًا من الكلمات.

إيمان طلال السيد.. السينما تبدأ من الفكرة
مع إيمان طلال السيد نقترب من جيل آخر من السينمائيات الإماراتيات.
درست الاتصال والإعلام وتخصصت في صناعة الأفلام، ووصل فيلمها القصير «الاختيار» إلى ترشيحات مهرجان دبي السينمائي الدولي، فيما حاز سيناريو مشروعها «بطانية» جائزة أفضل سيناريو في مسابقة استوديو الفيلم العربي لكتابة السيناريو.
وربما تكون أهمية هذه التجارب في أنها تجعل المرأة ليست فقط وجهًا أمام الكاميرا، وإنما صاحبة الفكرة والنص والرؤية الموجودة خلفها.

مريم الزعابي.. حين تخرج المهندسة من حدود المخطط
بدأت مريم الزعابي من الهندسة المعمارية، لكن شغفها أخذها إلى مساحات أكثر حرية داخل الرسم والفنون والتصميم والأعمال اليدوية.
وتصف مؤسسة الإمارات للآداب عالمها باعتباره مفتوحًا على مصادر إلهام متنوعة، من الموسيقى والثقافة الحديثة والكتب إلى الموضة والقصص المصورة، وهو ما جعل تجربتها الفنية في حالة مستمرة من الاستكشاف والتغير.
إنها فنانة لا تبحث بالضرورة عن إجابة نهائية، وإنما عن طريقة جديدة لرؤية الأشياء في كل مرة.

صالحة عبيد.. التفاصيل الصغيرة تصنع أدبًا كبيرًا
تمثل صالحة عبيد صوتًا آخر داخل الجيل الجديد من السرد الإماراتي.
قدمت مجموعات قصصية وأعمالًا روائية، وحصلت على جوائز أدبية عدة خلال مسيرتها، من بينها جائزة العويس للإبداع، كما قدمت روايتها التاريخية «لعلها مزحة».
وفي تجربتها، كما في كثير من الكتابات النسائية الإماراتية المعاصرة، تنفتح الحكاية على الداخل الإنساني بقدر انفتاحها على المجتمع؛ فالتفاصيل الشخصية ليست منفصلة عن الأسئلة الأكبر التي يعيشها الجيل.

ريم بني هاشم.. المدينة أيضًا يمكن أن تحكي قصتها
ليست الرواية وحدها وسيلة لحفظ ذاكرة المكان؛ فالعمارة تفعل ذلك أيضًا.
اختارت الدكتورة ريم بني هاشم أن تقرأ أبوظبي من خلال تخطيطها ونموها الحضري، وأصدرت كتاب «تخطيط أبوظبي: التاريخ الحضري»، الذي قدمته مؤسسة الإمارات للآداب باعتباره أول كتاب يستكشف ويوثق تاريخ التخطيط الحضري للإمارة.
وهنا يصبح الشارع والمبنى والخريطة وثائق تاريخية لا تقل أهمية عن الصور والرسائل. فالمدينة تقول الكثير عن الذين عاشوا فيها وعن الطريقة التي تغير بها المجتمع.

أمل آل علي.. الكتابة أداة للعمل أيضًا
تقدم أمل آل علي نموذجًا مختلفًا لاستخدام الكلمة.
فهي كاتبة وإعلامية صاحبة خلفية في الدبلوماسية والاتصال المؤسسي، وقدمت كتاب «دوّنها بذكاء» بهدف تطوير مهارات الاتصال وكتابة التقارير بصورة تساعد على عرض المعلومات وصنع القرارات.
وهكذا تنتقل الكتابة من المساحة الأدبية إلى الحياة المهنية، لتصبح مهارة مرتبطة بالقيادة والإدارة والتأثير.

مريم البلوشي.. البيئة والطيران والكتابة في سيرة واحدة
تجربة مريم البلوشي تكشف بدورها عن اتساع المساحات التي دخلتها المرأة الإماراتية.
فإلى جانب الكتابة الصحفية وتأليف الكتب، ارتبط اسمها بمجال البيئة في قطاع الطيران المدني، ومثلت الإمارات ضمن برامج دولية تتصل بتمكين المرأة في العلوم والهندسة والفنون.
ولعل أجمل ما في هذه السيرة أنها ترفض الفصل التقليدي بين «العلمي» و«الإنساني». فالمتخصصة في البيئة يمكنها أيضًا أن تكون صاحبة كتاب وصوت في الصحافة.

مريم السركال.. ابنتها ألهمتها حكاية
وأحيانًا يبدأ الكتاب من لحظة عائلية شديدة الحميمية.
الكاتبة والشاعرة الإماراتية مريم السركال استلهمت كتاب الأطفال «شعر ميرا المجعد» من ابنتها ميرا، لتحول تجربة شخصية صغيرة إلى قصة قادرة على الوصول إلى أطفال آخرين.
تبدو تلك التفاصيل بسيطة، لكنها ربما تكون جوهر أدب الأطفال كله: أن يرى الطفل شيئًا من حياته داخل الحكاية، وأن يشعر بأن تفاصيله تستحق أن تكون موضوعًا لكتاب.

شما البستكي.. قصيدة تتحدث بأكثر من لغة فنية
وفي نهاية هذه الرحلة تأتي شما البستكي ، الشاعرة والفنانة التي تتقاطع في تجربتها الكتابة والفنون البصرية والبحث والاهتمام بالمجتمع.
درست في جامعة نيويورك أبوظبي تخصصات تجمع بين علم الاجتماع والسياسة العامة والأدب والكتابة الإبداعية، وحصلت على جائزة أبوظبي للثقافة والفنون للإبداع عن مجموعتها الشعرية «لبيت لبيت»، كما امتد حضور أعمالها إلى منصات أدبية وتعليمية خارج الإمارات. وهي كذلك من مؤسسات «فصول بلا عنوان»، المجموعة الأدبية التي أسستها كاتبات إماراتيات.
في تجربتها يبدو الشعر مساحة مفتوحة لا تتوقف عند الكلمة، وإنما تلامس الفن والصوت والأداء والذاكرة.

17 قصة ملهمة
ما تكشفه هذه الأسماء ليس فقط حجم حضور المرأة الإماراتية في المشهد الثقافي، بل تنوع الطريقة التي اختارت بها كل واحدة منهن أن تكون جزءًا منه .
رفيعة غباش تحفظ ذاكرة النساء، ونجوم الغانم تنظر إلى المجتمع من خلف الكاميرا، وريم الكمالي تعيد فتح صفحات التاريخ، وعفراء عتيق تحمل القصيدة إلى المنصة، ودبي أبوالهول تدخل إلى عالم الفانتازيا، وميثاء الخياط تكتب للطفل، بينما تقرأ ريم بني هاشم المدينة نفسها باعتبارها قصة تستحق التوثيق.
وبين هؤلاء، تظهر أجيال مختلفة من الإماراتيات لا تحاول إحداها أن تشبه الأخرى.
وهذا ربما يكون أحد أجمل وجوه قصة المرأة الإماراتية اليوم.
فالإنجاز لم يعد يعني أن تصل المرأة إلى مساحة لم تدخلها من قبل فحسب؛ بل أن يكون لديها من الحرية والثقة ما يكفي لتختار المساحة التي تشبهها هي
أن تكون شاعرة إن أرادت، أو مخرجة، أو طبيبة ومؤرخة في الوقت نفسه، أو مهندسة وروائية، أو فنانة، أو باحثة في المدينة، أو كاتبة تصنع للطفل أول ذاكرة له مع الكتاب.
وفي يوم المرأة الإماراتية، تبدو هذه الأصوات مجتمعة أشبه بلوحة لا يكتمل جمالها بلون واحد.
سبع عشرة امرأة، وسبعة عشر طريقًا مختلفًا، لكن الحكاية في النهاية واحدة: امرأة إماراتية لم تنتظر أن يُكتب لها دور، بل اختارت أن تكتبه بنفسها