خاص لـ"هي": المستشارة الفنية سارة البيز… من جمع الأعمال الفنية إلى بناء محفظة ثقافية
في الوقت الذي يزدهر فيه المشهد الفني في السعودية، لم يعد اقتناء الأعمال الفنية يقتصر على الذوق الشخصي أو الرغبة في امتلاك عمل جميل، بل أصبح جزءًا من منظومة أوسع تتصل بإدارة الأصول وبناء المجموعات الثقافية طويلة المدى.
في هذا السياق تعمل سارة البيز، الفنانة البصرية والمستشارة الفنية ومؤسسة Qantara، عند تقاطع الفن المعاصر وإدارة الثروات الخاصة، حيث تساعد المقتنين على التعامل مع الأعمال الفنية بالصرامة نفسها التي تُدار بها المحافظ الاستثمارية.
ومن خلال هذه المقاربة تسعى إلى بناء بنية واضحة لسوق الفن في المملكة، عبر التوثيق والتأمين والبحث، إضافة إلى توجيه المقتنين نحو بناء مجموعات يمكن أن تتحول مع الوقت إلى مراجع ثقافية للمشهد الفني السعودي.
البذرة الأولى
تفتتح البيز حديثها مع "هي" بالحديث عن البذرة الأولى التي تشكلت داخل بيئة عائلية قريبة من عالم إدارة الثروات، وهو ما منحها منذ وقت مبكر فهماً لطريقة تفكير العائلات في المال عبر الأجيال. وتقول: "كان والدي رئيس إدارة الثروات الخاصة في بنك البلاد. كبرت وأنا أراقب كيف تفكر العائلات في ما تنميه، وما تورثه للأجيال القادمة. وعندما توفي، كنت في الخامسة عشرة من عمري وأدير رأس مال حقيقي. هذه تجربة لا يمكن أن تُنسى."

رؤية مزدوجة للعمل الفني
هذا التقاطع بين عالم الفن وعالم المال شكّل الطريقة التي تنظر بها اليوم إلى الأعمال الفنية وإلى دورها في تأسيس منصة Qantara، فتقول: "عندما أنظر إلى الفن اليوم أرى العمل الفني ذاته، لأنني أيضاً فنانة ممارِسة وأفهم ما يتطلبه إنتاج العمل الفني. لكن في الوقت نفسه أرى الواقع المالي المحيط به. هل هذا العمل تم تسعيره بشكل عادل؟ هل يمكن تأمينه؟ ماذا سيحدث لهذه القطعة بعد عشرين عاماً إذا لم يتم توثيقها؟"
وتضيف: "معظم العاملين في عالم الفن يأتون من أحد جانبين: إما يفهمون الثقافة، أو يفهمون المال. أنا نشأت داخل الاثنين معاً. لهذا أسست Qantara. ليس لأنني أردت تحويل الفن إلى أداة مالية، بل لأنني كنت أرى عائلات تقتني أعمالاً جميلة من دون أي حماية حولها. لا توثيق، لا تأمين، ولا خطة للمستقبل."
من الجمع إلى بناء المحفظة
ولا تقتصر طبيعة العمل في Qantara على بيع الأعمال الفنية، بل تمتد إلى بناء استراتيجيات اقتناء طويلة الأمد، إذ توضح: "كل محفظة تبدأ بالجمع. تدخل إلى صالة عرض، يلفتك عمل ما، فتشتريه. لكن التحول يحدث عندما تمتلك عدة أعمال وتبدأ بطرح أسئلة جديدة: هل هذا العمل يستحق ما دفعته؟ هل ينبغي أن أؤمنه؟ هل أنا أشتري بذكاء أم أشتري ما هو متاح أمامي فقط؟ عندها يبدأ الجمع بالتحول إلى ممارسة أكثر وعياً.
تؤكد البيز أن في السعودية اليوم يتجاوز الاقتناء الذوق الشخصي أو العائد المالي. السوق يُبنى الآن، والفنانون الذين سيعرفون هذا الجيل يعرضون أعمالهم اليوم. وأن من يجمع بوعي في هذه المرحلة لا يبني محفظة فنية فقط، بل يبني إرثاً ثقافياً.
متى يصبح العمل الفني أصلاً؟
لكن متى يتحول العمل الفني إلى أصل حقيقي؟ تشير البيز إلى أن المسألة تتعلق بالبنية التي تحيط بالعمل:
"عندما يمكن تقييمه وحمايته وتداوله بشفافية نسبية. لوحة على جدارك تحبها شيء جميل، لكن إذا لم يكن لديها توثيق للملكية، ولا تأمين، ولا تقييم رسمي، ولا قناة موثوقة يمكن بيعها عبرها، فهي مقتنى شخصي وليست أصلاً."
وتوضح أن في الأسواق المتقدمة هذا النظام موجود تلقائياً: سجلات مزادات، مثمّنون معتمدون، منتجات تأمين واضحة، وقنوات سوق ثانوي معروفة. وهذا في جوهر ما تقوم به Qantara: تحويل المجموعات إلى أصول عبر التقييم، والتأمين بالشراكة مع Marsh، والتوثيق الصحيح، ومعلومات السوق عبر Qantara Brief حتى يفهم المقتني السوق الذي يدخل إليه.
الذوق أولاً
وفي تعاملها مع المقتنين تؤكد أن الذوق الشخصي يبقى نقطة البداية دائماً: "الذوق يأتي أولاً. دائماً إذا لم ترغب في العيش مع العمل الفني، فلا شيء آخر مهم. دوري ليس أن ألغي ما يحبه العميل، بل أن أشاركه ما أعرفه عن السوق. أحياناً يكون العمل مدعوم مؤسسيا والسعر عادلاً، وهنا يكون القرار سهلاً. وأحياناً تكون الصورة أكثر تعقيداً: السعر متقدم على مرحلة الفنان، أو التوثيق ضعيف، أو لا يوجد سوق ثانوي."
سوق يتشكل الآن
ومع التطور السريع للسوق الفني في المملكة ترى أن الفرص والمضاربات يحدثان معاً: "الاثنان يحدثان في الوقت نفسه. هناك زخم حقيقي: بينالي الدرعية، مشاريع المتاحف، واستثمارات رؤية 2030 الثقافية. الميزة الأكبر في جمع الفن السعودي الآن ليست ارتفاع الأسعار بل التوقيت. نحن في مرحلة تُكتب فيها السردية الثقافية. العائلات التي تجمع بجدية اليوم هي التي ستشكل مرجع هذا المشهد خلال عشرين عاماً."
ما الذي يحدد قرار الاقتناء؟
وفي ما يتعلق بمعاييرها قبل التوصية بأي عمل فني تقول: "أنظر أولاً إلى الأساسيات: تاريخ المعارض، الاهتمام المؤسسي، والتسعير. بعد ذلك أنظر إلى الحالة والتوثيق وتاريخ الملكية وإمكانية التأمين. لكن هذا المستوى من البحث ليس شرطاً للدخول إلى عالم الفن. تشتري ما تحبه أولاً، وإذا أردت لاحقاً أن تفهم ما تملك وتحميه فهنا يأتي دوري."
وأخيراً القيمة الثقافية قبل كل شيء
وتختتم بالتأكيد على أن القيمة الثقافية للفن يجب أن تبقى في مركز عملية الاقتناء: "البداية دائماً بسيطة: أن يعجبك العمل. ترى عملاً يلامسك وتأخذه إلى منزلك. الأرقام تأتي لاحقاً لحماية ما تهتم به. في السعودية السؤال ليس هل نحول الفن إلى أرقام، بل هل ندرك القيمة الكاملة للاقتناء؟ القيمة ليست مالية فقط، بل ثقافية وعابرة للأجيال. الحوار الذي أريده مع عملائي ليس فقط ماذا نشتري، بل ماذا نبني، ولمن، وكيف نجعله يدوم."