رحيل الشاعرة السعودية ثريا قابل.. صوت نسائي خالد في الذاكرة الشعرية والغنائية
فقدت الساحة الثقافية السعودية، الشاعرة والكاتبة والإعلامية ثريا قابل، إحدى أبرز القامات الأدبية والنسائية في المملكة العربية السعودية والخليج، بعد مسيرة امتدت لعقود بين القصيدة الفصحى والكلمة الغنائية التي صنعت ذاكرة الطرب السعودي، والتي مثّلت صوتًا نسائيًا شكل وجدان الكلمة الغنائية والشعرية في المملكة، وخلّفت إرثاً أدبياً حاضراً في الذاكرة العربية.. فلنقف على أبرز ملامح مسيرتها كصوت نسائي خالد في الذاكرة الشعرية والغنائية، وفي عمق المشهد الثقافي السعودي.
نشأتها وبداية ملامح تجربتها الشعرية
وُلدت الراحلة ثريا قابل في مدينة جدة عام 1940، في بيت قابل بحارة المظلوم، إحدى أعرق حارات جدة التاريخية، ونشأت في بيئة حجازية عُرفت بالتجارة والانفتاح الثقافي، وفقدت والدها في سن مبكرة، في حين تولت عمتها عديلة رعايتها، وكان لها دور كبير في دعم ميولها الأدبية وصقل شخصيتها.
وتلقت تعليمها الابتدائي في جدة، ثم انتقلت إلى بيروت، إذ أكملت دراستها الثانوية في الكلية الأهلية، وهناك تشكلت ملامح تجربتها الشعرية، ونشرت قصائدها في عدة صحف عربية، لتبدأ رحلتها الأدبية خارج الإطار المحلي مبكرًا، وإلى جانب الشعر، كان للراحلة حضور بارز في الصحافة السعودية والعربية، حيث عملت محررة وكاتبة رأي في صحف كبرى، وكتبت مقالات اجتماعية وثقافية جريئة، تناولت قضايا المجتمع والمرأة.

الديوان الشعري الأول ولقب "خنساء القرن العشرين"
تُعد ثريا قابل واحدة من الوجوه المؤسسة لحضور المرأة في المشهد الأدبي السعودي، إذ ارتبط اسمها تاريخيًا بكونها من أوائل السعوديات اللواتي نشرن الشعر باسمهن الصريح، وبالذات مع إصدار ديوانها الشعري الأول "الأوزان الباكية" في بيروت عام 1963، وهو عمل مبكر شكّل محطة فارقة في مسار الكتابة النسوية بالمملكة، وهو الديوان الذي احتفى به الأديب السعودي الراحل محمد حسن عواد، وأسبغ على الشاعرة صفات من بينها "خنساء القرن العشرين".. وشكّل هذا الديوان محطة مفصلية في تاريخ الأدب السعودي، وفتح الباب أمام حضور المرأة في المشهد الشعري.
ثريا قابل وترسيخ حضور المرأة في المشهد الشعري
أسهمت ثريا قابل في ترسيخ حضور المرأة في المشهد الشعري، وتميّزت كتاباتها بصدقها العاطفي ولغتها السلسة وصورها الشعرية العميقة، كما جمعت في تجربتها بين الفصحى والعامية الحجازية، لا سيما في القصيدة الغنائية.
واشتهر شعرها بكلماته الحجازية المنمقة التي لامست قلوب الجمهور في المملكة العربية السعودية والعالم العربي، حيث تميز شعرها بالكلاسيكية من حب وغرام وشوق وعتاب وهجران، فشعرها رقيق عفوي بعيد عن التكلف والصنعة، فيما قدمت في الأوزان الباكية للوطن كثيراً، وللمجتمع قصيدة وللأم قصيدة، وللحبيب قصائد وكذلك لمن لهم عليها فضل قصائد أخرى.
"صوت جدة".. ثريا قابل والأغنية السعودية
ارتبط اسم ثريا قابل ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الأغنية السعودية، إذ تُعد من أوائل الأصوات النسائية التي أسست القصيدة الغنائية السعودية الحديثة، ووُصفت بأنها من أبرز من أثرى الأغنية السعودية بالشعر الغنائي ذي المفردة الحجازية، حتى لُقّبت بـ "صوت جدة"، فقد كتبت كلمات تحولت إلى أغانٍ راسخة، وغنّى من قصائدها كبار وعمالقة الفن السعودي، ومن بينهم طلال مداح ومحمد عبده وفوزي محسون وعتاب.
وقدمت إرثًا غنائيًا خالدًا وارتبط اسمها بالعديد من الأعمال الغنائية الخالدة من خلال قصائدها العامية التي تحولت إلى أغانٍ لا تزال حاضرة في الوجدان، من أبرزها: أديني عهد الهوى، من بعد مزح ولعب، جاني الأسمر، يا من بقلبي غلا، ولا وربي، وهي أغنيات تُستعاد اليوم بوصفها جزءًا من الزمن الذهبي للأغنية السعودية الحديثة.
تكريمات وجوائز
حظيت ثريا قابل بالعديد من الجوائز والألقاب والأوسمة في مسيرتها التي جاوزت الخمسين عاما، عن استحقاق وجدارة، ومن أبرزها: جائزة روّاد المجتمع السعوديّ سنة (2002م) مقابل دورها الرياديّ في تطوّر الحركة الشعريّة والثقافيّة النسائيّة في السعوديّة، وكرمها المهرجان الوطنيّ للتراث والثقافة (الجنادريّة) عام 2005م، وتسلَّمت وسام أرزة لبنان لإبداعاتها الشعريّة وعلاقاتها الاجتماعيّة والثقافيّة بلبنان.
ثريا قابل.. إرث ثقافي لا يغيب عن الذاكرة العربية
ورحلت ثريا قابل عن عمر ناهز 87 عاما، حيث كانت تقضي أيامها الأخيرة في مدينة جدة، التي ارتبطت بها وجدانيًا وإبداعيًا.. وبرحيل الشاعرة ثريا قابل، تخسر الساحة الأدبية والشعرية والفنية السعودية والعربية قامة سامقة، وصوتًا نسائيًا صادقًا امتد عطاؤه لأكثر من خمسين عامًا، وترك أثرًا خالدًا في وجدان الكلمة والشعر والأغنية، وتبقى أعمالها شاهدًا حيًا على مرحلة مهمة من تاريخ الأدب والفن في المملكة، وإرثًا ثقافيًا لا يغيب عن الذاكرة العربية.