نادية وهند واصف مؤسستا مكتبة "ديوان".. قصة البداية الملهمة لشقيقتين أعادتا صياغة المشهد الثقافي
في وقت كانت فيه فكرة تأسيس متجر لبيع الكتب نوعا من الرفاهية الاقتصادية المحكوم عليها بالتعثر، اختارت لشقيقتان هند ونادية واصف السير وراء حلم طازج. الفتاتان اللتان كانتا قد شقتا طريقهما المهني بالفعل في عالم المؤسسات الأهلية بعد دراسة الأدب الإنجليزي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ومن ثم الماجستير، اختارتا أن تتوقفا في المنتصف، لتتبعا الضوء الذي لاح في خيالهما، وتضعا نقطة لبداية تجربة غيّرت المشهد الثقافي كليا في المنطقة، وصنعتا مساحة تشبه في تأسيسها وبنيانها أيضا مكتبات لندن وباريس تجذب الكبار والصغار لصنع ذكريات فريدة، ولكنها في منطقة الزمالك العريقة في وسط العاصمة المصرية، التي تبدو كمتحف مفتوح لمنازل كبار نجوم الفن والأدب، حيث سكنت أم كلثوم وسعاد حسني وفاتن حمامة وعبد الحليم حافظ وعشرات غيرهم.
أسست رائدتا الأعمال هند ونادية واصف، ومعهن شريكتهن الثالثة السيدة نيهال شوقي بيتا جديدا للقراءة والقهوة، وهو أسلوب نقل فكرة اقتصاد بيع الكتب لمنطقة مغايرة تماما سارت على خطاها فيما بعد مشروعات أخرى. ولكن بقيت "ديوان" التي انطلقت عام 2002 أول مكان اعتنى بمحبي الاطلاع على الكتب بلغات متعددة، مع الاستمتاع برشفات المشروب المفضل وقطعة من الكيك في جلسة ودودة خلفيتها عناوين وأغلفة إبداعية، ومن ثم باتت المكتبة ملتقى كبار صناع الثقافة في العالم العربي، ومقصدا لكبرى حفلات التوقيع، والندوات والورش الإبداعية، ومن ثم مجال نشر الكتاب وصناعته وليس فقط الترويج لها.
تلك البداية الطامحة التي تبدو مثالية تماما لهذا العدد الذي نحتفي فيه بالبدايات الجديدة الملهمة، قد مر عليها ما يقرب من 25 عاما التي سردت نادية واصف جانبا منها في كتابها "تحكي نادية واصف في مذكراتها "عمر افتراضي: سجلات بائع كتب في القاهرة"، شكلت مرحلة مفصلية في صناعة النشر في المنطقة، وهي الصناعة التي من النادر أن تحقق فيها النساء هذا الحضور على هذا المستوى، لتتوسع المكتبة وتصل إلى 12 فرعا في مصر، ومع حلمهما بافتتاح فرع المكتبة الأول في المملكة العربية السعودية، تتحدث هند ونادية واصف في حوارهما مع مجلة "هي" عن قصتهما التي تتجدد فصولها بالمزيد من الأمنيات.

بدايتكما جاءت تقريبا في هذا الصرح المعرفي قبل نحو ربع قرن، حيث كنتما في منتصف الحياة المهنية، وقررتما التغيير بشكل مفاجئ، واقتحام عالم الكتب، فكيف جاءت الفكرة الحلم؟
شغفنا بالقراءة والثقافة بدأ في سن صغيرة من خلال حب والدينا للقراءة والفن والموسيقى، وحرصهما على زيارة المتاحف، والمعارض والمسرح والسينما محليا ودوليا.
حياتنا المهنية بدأت بمجموعة تجارب في العمل الأهلي والأبحاث الاجتماعية المعنية بوضع وحقوق المرأة في مصر، وبعد العمل في القطاع الأهلي، أردنا أن نخلق كيانا خاصا بنا يمنح محبي الكتب والثقافة البهجة والغوص في عالم الفكر، ويطرح في الوقت نفسه رؤية جديدة للفكرة التقليدية للمكتبة تجمع هُويات مصر المختلفة وتعدد لغاتها الثقافية مثل الإنجليزية، والفرنسية، إضافة إلى اللغة العربية، وأيضا الموسيقى العربية من كل الأجيال، وكذلك الأفلام الروائية والتسجيلية التي كانت متاحة في هذا العصر على CD وDVD، فالتقينا مع ثلاث من صديقاتنا، وأسسنا شركة كانت بداية لتحقيق الحلم.
وجود المرأة عموما في عالم نشر الثقافة ومن ثم نشر الكتب، وتحقيقها نجاحا بهذا الحجم ليس أمرا هينا، كيف واجهتما التحديات والتشكيك؟
نعتقد أن المرأة كان دائما لها دور ومكانة في العلم والثقافة، وما نحن إلا محاولة للسير على خطى السيدات اللاتي خضن هذا المشوار بكل صعوباته وتحدياته. ألم تؤسس جامعة القاهرة الأميرة فاطمة إسماعيل إحدى بنات الخديوي إسماعيل؟ ألم تكن الدكتورة سهير القلماوي أول امرأة تحصل على دكتوراه من هذه الجامعة ذاتها؟ ثم كانت المؤسِّسة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب والتي أشرفت على أول دورة منه عام 1969، وهو المعرض العريق الذي يشرفنا في مكتبة "ديوان" و"ديوان للنشر" أن نشارك في دورته الـ57 في يناير 2026.
ونحن نرى أن أي مجال فيه تحديات، وهو ما يخلق للنجاح مذاقه الخاص، وأن أهم شيء أن تكون المرأة محصنة بالصبر والإصرار، وأن تخلق حولها شبكة ممن يوفرون لها الدعم المستمر.

هند ونادية واصف بصحبة السيدة نيهال شوقي، تمثلن ثلاث نساء شغوفات بالمجال، فما دور كل منكن في هذه الصرح الثقافي؟
منذ البداية انجذبت كل واحدة منا إلى جانب معين من العمل في المكتبة، إذ كانت نادية مهتمة بالكتب الأجنبية، وهند بالكتب العربية، في حين أشرفت نيهال على الكافيه ومختلف أنواع المنتجات الثقافية والفنية الأخرى بعيدا عن الكتب. ومع مرور الوقت توسعت اهتماماتنا لتشمل المشروعات الثقافية بكل أنواعها، ومن هنا جاءت فكرة بودكاست في الديوان الذي يسلط الضوء على نماذج الاقتصاد الإبداعي الموجودة في مصر والعالم العربي في قطاع السينما والمسرح والفن والنشر.
مؤخرا اقتحمت "ديوان" عالم النشر بقوة، على ما يبدو أنكن تضعن خططا على المدى البعيد، فما رسالتكن بشكل عام في هذا المجال؟
جمهور المكتبة دائما ينتظر مستوى عاليا من الخدمة ومستوى رفيعا من الأنشطة الثقافية التي تخلق من المكتبة نقطة التقاء لكل محبي القراءة والنقاش الفكري والأدبي. رسالة "ديوان" المكتبة و"ديوان للنشر" هي انتشار الثقافة وتبادل وجهات النظر والمعرفة التاريخية الصحيحة التي تكوِّن هُويتنا وتسلحنا لمواجهة المستقبل بكل تحدياته. وينعكس ذلك في برنامج الندوات وحفلات التوقيع الذي نقدمه. كما ينعكس أيضا في إصدارات النشر، لأنها تجمع بين أعمال فطاحل الكتابة، مثل نجيب محفوظ، وأحمد بهجت، ويوسف السباعي، ومصطفى محمود، والكُتّاب المعاصرين الجدد.
ما الذي ينتظر جمهور المكتبة قريبا؟ وماذا عن خطط التوسع عربيا؟
نعم، بالتأكيد. طموحنا أن ننتشر في كل أنحاء العالم العربي. ونأمل أن نفتتح أول فرع لنا في المملكة العربية السعودية قريبا إن شاء الله. كذلك نؤمن تماما بأهمية الشراكات الحقيقية، والتي تضيف قيمة لكل الأطراف، وأن نحقق من خلالها تأثيرا حقيقيا ومستداما في دعم الفنون بكل أشكالها.
وبما أن الكتب تغوص في عوالم مختلفة مثل عالم المتاحف على سبيل المثال، فقد حرصنا على أن يكون الفرع القادم لنا في المتحف المصري الكبير لنقدم فيه كتب التاريخ التي يمكن من خلالها للزائرين القادمين من كل أنحاء العالم التعرف إلى هذه الحقبة التاريخية الخصبة والعريقة من تاريخ مصر والتي أضافت لثقافات العالم بأكمله.
وتدعم الكتب أيضا فن الموسيقى العربية، ولذا أصدر "ديوان للنشر" كتاب أم كلثوم، لنتذكر هذه السيدة العظيمة من خلال خمسين صورة لم تنشر بعد، وتصحبها خمسون حكاية في ذكرى مرور نصف قرن على رحيل كوكب الشرق.

ما نصيحتكما لقارئات مجلة "هي" خصوصا من يترددن في بدء مشروعاتهن غير التقليدية أو التي تبدو ضخمة الحجم أو التي يهيمن عليها الرجال؟
أولا، من المهم للغاية أن يدركن سبب التردد، ويواجهنه. ثانيا عليهن الإنصات لمشاعرهن وإحساسهن نحو المشروع، وكذلك تبادل النقاش مع من يثقون فيهم، ووضع آرائهن وملاحظاتهن في عين الاعتبار، فالإحساس الداخلي في حد ذاته نوع مهم جدا من المعرفة. وأخيرا لو كان هناك مجال معين يتمتع بسيطرة رجالية تامّة ولا تقدم عليه النساء، فإن السبب هو أنه لم تحدث رغبة حقيقية منهن في المنافسة بصورة جادة وقوية. ونحن نرى أننا نحن النساء من خلال شبكات الدعم التي بيننا، ومن خلال رؤيتنا، يمكننا تشكيل قوة لا يمكن إيقافها.
الصور من تصوير سامح أبو حسن