إنغريد أول وريثة نرويجية للعرش منذ 600 عام
حين تولى الأمير هاكون العرش النرويجي خلفاً لوالده الملك هارالد الخامس، الذي رحل عن عالمنا عن 89 عاماً بعد 35 عاماً من الحكم، لم يكن التحول في قمة الهرم الملكي هو الحدث الأبرز فقط. فبين طيات هذا الانتقال، برزت محطة تاريخية أكثر ندرة: ابنته الأميرة إنغريد أليكساندرا، البالغة من العمر 22 عاماً، أصبحت الآن وريثة العرش النرويجي، لتكون بذلك أول امرأة تتصدر ترتيب ولاية العهد في المملكة منذ ستمائة عام كاملة، حين كانت الملكة مارغريت آخر امرأة تحكم النرويج قبل وفاتها عام 1412.
وأعلن البلاط الملكي النرويجي، في بيان مقتضب حمل نبرة حزن عميق، أن الملك "فارق الحياة بسلام في مستشفى ريكس هوسبيتاليت صباح يوم الجمعة 28 أغسطس، عند الساعة 06:35"، تاركاً خلفه زوجته الملكة سونيا البالغة من العمر 89 عاماً أيضاً، وولديه ولي العهد السابق هاكون البالغ من العمر 53 عاماً، والأميرة مارثا لويز البالغة 54 عاماً.
أيام أخيرة في المستشفى

لم تكن وفاة الملك مفاجئة تماماً لمن كان يتابع الحالة الصحية له عن كثب، فقد دخل هارالد المستشفى في السابع عشر من أغسطس بعد تشخيصه بفقر الدم الانحلالي، وهي حالة يتكسر فيها كريات الدم الحمراء بمعدل أسرع من قدرة الجسم على تعويضها، ما يؤدي إلى إرهاق شديد وضيق في التنفس. وفي الأيام التي سبقت وفاته، أصدر القصر بياناً وصف فيه حالته الصحية بأنها "بالغة الخطورة"، وهو ما دفع أفراد الأسرة، بمن فيهم ابنه هاكون وزوجته الملكة ميت ماريت وشقيقته الأميرة أستريد، إلى التوافد على المستشفى في ساعاته الأخيرة.
وممّا يزيد المشهد إيلاماً أن رحيله جاء قبل يوم واحد فقط من الذكرى الثامنة والخمسين لزواجه من الملكة سونيا، التي كانت من المفترض أن تحتفل بها الأسرة في التاسع والعشرين من أغسطس، ونشر البلاط الملكي، تخليداً لتلك المناسبة، صوراً قديمة للزوجين ترقص فيها العروسان يوم زفافهما، مرفقة بمقولة كان الملك قد رددها عام 2013: "لا أظن أن أحداً يستطيع أن يعيش حياته من دون حب".
قصة حب امتدت عبر تسعة أعوام من السرية

تحمل علاقة هارالد وسونيا في طياتها واحدة من أكثر قصص الحب رسوخاً في السجل الملكي الأوروبي الحديث، فقد التقى الاثنان في حفل عام 1959، لكنهما أبقيا علاقتهما طي الكتمان تسع سنوات كاملة، إذ رفض والده الملك أولاف الخامس في البداية أن يتزوج ابنه من امرأة من عامة الشعب، ولأن هارالد كان حينها الوريث الوحيد للعرش، فإن تنازله عن واجباته الملكية من أجل هذا الحب كان سيعني، من الناحية العملية، نهاية حكم أسرته بأكملها.

في النهاية، منح الملك أولاف بركته للعلاقة، وأُعلن الخطوبة في التاسع عشر من مارس 1968، ليتزوج الثنائي بعدها بخمسة أشهر في كاتدرائية أوسلو، حيث اصطحب الملك أولاف بنفسه العروس سونيا إلى المذبح في مشهد اعتبر تأييداً علنياً للزواج. وحين اعتلى هارالد العرش في يناير 1991 عقب وفاة والده، أصبحت سونيا أول ملكة قرينة من أصول غير ملكية تتوّج في النرويج منذ 68 عاماً.
الأميرة إنغريد أول وريثة للعرش منذ 600 عام

يحمل انتقال العرش في النرويج بُعداً تاريخياً يتجاوز شخص الملك الجديد، فابنته الأميرة إنغريد أليكساندرا، البالغة من العمر 22 عاماً، أصبحت الآن وريثة العرش، لتكون بذلك أول امرأة تتصدر ترتيب ولاية العهد النرويجية منذ ستمائة عام، حين كانت الملكة مارغريت آخر ملكة حكمت البلاد قبل وفاتها عام 1412. ويعود هذا التحول إلى أن النرويج تحولت عام 1990 من نظام الوراثة الذكورية الصرفة إلى نظام الأولوية المطلقة بغض النظر عن الجنس، لكن هذا التعديل لم يُطبق بأثر رجعي، وهو ما يفسر تقدم هاكون في الترتيب على شقيقته الكبرى الأميرة مارثا لويز رغم أنها الأكبر سناً.
ووفقاً للترتيب الجديد، يأتي بعد الأميرة إنغريد شقيقها الأمير سفيري ماغنوس، تليه عمتهما الأميرة مارثا لويز، ثم بناتها الثلاث مود وليا وإيما بالترتيب، ولو ظلت النرويج تعمل بنظام الوراثة الذكورية القديم، لكان سفيري هو الوريث الوحيد للعرش دون منازع.
هاكون الثامن يخلف والده رسمياً

بموجب أحكام الدستور النرويجي، انتقلت السلطة تلقائياً إلى ولي العهد هاكون فور إعلان الوفاة، وفي أول اجتماع له مع مجلس الدولة، صرح الملك الجديد بلهجة رسمية: "من واجبي أن أبلغ مجلس الدولة أن والدي العزيز، جلالة الملك هارالد الخامس، توفي اليوم الموافق 28 أغسطس 2026 عند الساعة 6:35 صباحاً، وأنني، وفقاً لأحكام الدستور، توليت الحكم ملكاً على النرويج". واختار هاكون الاحتفاظ باسمه ليصبح لقبه الرسمي "جلالة الملك هاكون الثامن"، كما اختار الإبقاء على الشعار الملكي ذاته الذي حمله والده وجده وجد والده من قبله: "كل شيء من أجل النرويج"، في إشارة إلى استمرارية أربعة أجيال من الحكم.
وفي أول خطاب علني له بصفته ملكاً، وجه هاكون كلمات مؤثرة إلى والده الراحل قال فيها: "أبي العزيز، شكراً لك لأنك كنت أباً صالحاً لي ولمارثا. دافئاً وآمناً. ثم كنت جداً دافئاً ومرحاً. زوجاً محباً وحنوناً. أخاً وعماً أحبه كثيرون. كنت رب الأسرة، وجمعتنا معاً بسلطة طبيعية ربما لم تكن أنت نفسك واعياً بها". واختتم كلمته بتوجيه رسالة إلى والدته بمناسبة ذكرى الزواج التي فاتت الأسرة بيوم واحد، قائلاً: "تهانينا بذكرى زواجك، أمي العزيزة".
أما زوجته ميت ماريت، فقد أصبحت لقبها الرسمي "جلالة الملكة"، لتنتقل بذلك من إمارة تكتنفها إرث من الجدل حول ماضيها قبل الزواج، وصولاً إلى تورط اسمها بفضيحة جيفري إبستين، وإدانة نجلها ماريوس بورغ هويبي بتهمة الاغتصاب، إلى أرفع موقع نسائي في المملكة، ويُذكر أن حماها الراحل كان قد دافع عنها علناً حين وقعت علاقتها بهاكون أول مرة، واصفاً إياها بـ"الفتاة الاستثنائية" التي تخوض "حياة استثنائية".
حداد وطني وطقوس عسكرية ودينية

دخلت النرويج فترة حداد وطني رسمي تمتد من يوم الوفاة حتى موعد الجنازة، على غرار ما شهدته المملكة المتحدة عقب وفاة الملكة إليزابيث الثانية عام 2022. وتم تنكيس الأعلام على المقار الملكية والمباني الحكومية والمنشآت العسكرية، بينما فتحت الكنيسة النرويجية أبوابها لإضاءة الشموع واستقبال المعزين في جميع الكاتدرائيات وعدد من الكنائس الأخرى. كما دقت أجراس الكنائس في عموم البلاد لمدة ساعة كاملة عند الظهيرة، بالتزامن مع إطلاق تحية عسكرية من تسع محطات مدفعية موزعة في أنحاء المملكة، تألفت من 21 طلقة بفاصل ثلاثين ثانية بين كل طلقة وأخرى.
وأكد رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره، في تصريحات لوكالة الأنباء النرويجية NTB، أن "أمة بأكملها في حالة حداد، وفي الوقت ذاته هناك شعب يشعر بالامتنان اليوم"، مضيفاً أن اليوم يحمل أيضاً دلالة الاستمرارية الملكية: "الملك مات، يحيا الملك".

أما بخصوص مراسم الوداع، فقد أعلنت كنيسة النرويج عن إقامة قداديس تذكارية، ليست الجنازة الرسمية، في عدة مواقع من البلاد. وستقام إحدى هذه المراسم في كنيسة أسكر، القريبة من قصر سكاوغوم، بحضور الملك هاكون ووالدته الملكة سونيا وولديه الأميرة إنغريد والأمير سفيري ماغنوس. ولم يُعلن بعد عن موعد الجنازة الرسمية للدولة، فيما يُتوقع أن يُدفن الملك الراحل في الضريح الملكي بقلعة أكرسهوس التاريخية في أوسلو، إلى جانب والدته الأميرة مارثا ووالده الملك أولاف وجدته الملكة مود وجده الملك هاكون.
ومن الغائبين المتوقعين عن بعض هذه المراسم الملكة ميت ماريت نفسها، إذ أوضح البلاط الملكي أنها "لا تزال تتعافى من عملية زراعة الرئة التي خضعت لها في يونيو الماضي، وتشارك بشكل محدود في الفعاليات الرسمية"، رغم أنها من المتوقع أن تحضر مناسبات أخرى مرتبطة برحيل الملك. كما لن يحضر زوج ابنته الشامان ديريك فيريت مراسم أسكر، كونه يتعافى من عملية زراعة كلى أُجريت له قبل أيام قليلة من وفاة الملك.
تعازٍ ملكية متدفقة من أوروبا وخارجها

انهالت رسائل التعزية على الأسرة المالكة النرويجية من عواصم أوروبية عدة، عاكسة الروابط التاريخية والعائلية التي تجمع بيوتاً ملكية عريقة. فقد وصف الملك تشارلز الثالث، الذي تربطه بهارالد قرابة من الدرجة الثانية عبر جدهما المشترك الملك إدوارد السابع، رحيل ابن عمه بأنه فقدان "قريب عزيز"، وقال في بيانه: "لثلاثة وثلاثين عاماً، خدم الملك هارالد شعبه بتفانٍ لا يتزعزع، موجهاً النرويج عبر أوقات تغير كبير بدفء وتواضع". كما أُمر بتنكيس العلم البريطاني عند قصر باكنغهام وقلعة وندسور وقصر هوليرود حتى الثامنة مساءً، إحياءً للذكرى.
وعبر ملك السويد كارل السادس عشر غوستاف، الذي يُعد هارالد "صديقاً جيداً" له ولأسرته، عن حزنه العميق، متمنياً لابن أخته بالمعمودية هاكون "النجاح والتوفيق" في مهامه الجديدة.

من جهتهما، أرسل ملك الدنمارك فريدريك العاشر والملكة ماري رسالة مطولة وشخصية إلى هاكون، وصفا فيها هارالد بأنه كان "حاضراً موحّداً" للشعب النرويجي طيلة خمسة وثلاثين عاماً، جمع بين "الواجب والمسؤولية من جهة، والحضور والإنسانية من جهة أخرى". كما أشادت الأسرة الملكية الهولندية بـ"الرحلات التي لا تُنسى" التي جمعتها بهارالد في أوسلو وأنحاء النرويج، فيما وصفته الأسرة الملكية الإسبانية بأنه "مثال للمسؤولية والكرامة والبساطة والتفاني الدؤوب". ولم تقتصر التعازي على البيوت الملكية، إذ أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني والرئيس السويسري غي بارملان عن مشاعر مماثلة، مثمّنين الدور الذي لعبه هارالد في توطيد العلاقات بين بلاده وبلدانهم.
الملكية بين الجدل والتأييد الشعبي
لم تكن السنوات الأخيرة من حكم هارالد خالية من الاختبارات؛ فقد شهدت الأسرة الملكية جدلاً واسعاً بسبب الروابط التي كُشف عنها بين الملكة ميت ماريت والممول الراحل جيفري إبستين، إضافة إلى إدانة نجلها من زواج سابق بتهمة الاغتصاب. ومع ذلك، وفي تصويت جرى داخل البرلمان النرويجي في فبراير الماضي، أيد 141 نائباً من أصل 169 استمرار النظام الملكي، مقابل 26 نائباً فقط صوتوا لصالح التحول إلى نظام جمهوري، وذلك رغم استطلاعات رأي أظهرت تراجعاً في شعبية الأسرة المالكة عقب هذه الفضائح. ويرى مؤيدو النظام الملكي أن المؤسسة توفر استقراراً بفضل موقعها فوق الصراعات الحزبية، وأنها خدمت النرويج جيداً منذ استقلالها عن السويد عام 1905.
هذا التصويت يمنح السياق الحقيقي للحظة انتقال العرش الحالية: فهاكون الثامن يتسلم مقاليد الحكم في وقت لا تزال فيه المؤسسة الملكية تحظى بتأييد برلماني وشعبي واسع، لكنها في الآن ذاته مطالبة بإثبات قدرتها على تجاوز إرث من الجدل العائلي الذي رافق العقد الأخير من حكم والده.
الصور من فيسبوك والانستغرام