من الإفيه إلى الكآبة.. لماذا أصبح نجوم الكوميديا أكثر حزنًا؟
في لحظة ما، توقف الجمهور عن الضحك… أو ربما بدأ يضحك بطريقة مختلفة. لم يعد غريبًا اليوم أن تكون أكثر المسلسلات كآبة في السنوات الأخيرة من بطولة ممثلين قضوا نصف حياتهم في إطلاق الإفيهات أو أداء شخصيات خفيفة مهمتها الأساسية أن تجعل الجمهور يضحك. فجأة، أصبح الرجل الذي كان يملأ الشاشة بالطاقة الكوميدية الصاخبة يبدو مرهقًا، مكتئبًا، أو حتى مخيفًا أحيانًا. آدم سكوت، أحد الوجوه المرتبطة بالكوميديا الأمريكية الهادئة، تحول إلى رمز للاكتئاب الوظيفي في مسلسل Severance.
آدم سكوت، أحد الوجوه المرتبطة بالكوميديا الأمريكية الهادئة، تحول إلى رمز للاكتئاب الوظيفي في Severance، بينما أصبح جيسون بيتمان، صاحب الحضور الساخر والخفيف، رجلًا يعيش وسط غسيل الأموال والجثث في Ozark. أما بيل هادر، نجم الاسكتشات الكوميدية، فصنع واحدًا من أكثر المسلسلات قلقًا واكتئابًا في التلفزيون الحديث. وحتى بن ستيلر، الذي ارتبط طويلًا بكوميديا الألفينات العبثية، أخرج عالمًا خانقًا وباردًا عن سحق الهوية الإنسانية داخل المكاتب المعقمة.

خلف قناع المهرج
في الظاهر، تبدو هذه مجرد تحولات تمثيلية طبيعية تحدث مع نضج الفنانين، لكن التكرار الملفت لهذه الظاهرة خلال السنوات الأخيرة يجعلها تبدو أقرب إلى شيء أعمق. كأن الكوميديا نفسها بدأت تفقد قدرتها القديمة على إخفاء القلق. أو ربما لأن الجيل الجديد من الكوميديين لم يعد يرى الضحك كنقيض للحزن، بل كطريقة مؤقتة للتعايش معه. ولهذا تبدو كثير من هذه التحولات الدرامية مؤثرة بهذا الشكل؛ لأنها لا تكشف فقط عن ممثل يمتلك أدوات جديدة، بل عن إنسان ظل لسنوات طويلة مختبئًا خلف القناع الكوميدي نفسه.

في حالة مسلسل Severance تحديدًا، يبدو الأمر كأن بن ستيلر وآدم سكوت لم يغادرا الكوميديا أصلًا… بل نزعا منها الضحك فقط. المسلسل، الذي يدور حول موظفين تُفصل ذاكرتهم المهنية عن حياتهم الشخصية، لا يعتمد على الكآبة التقليدية أو الانهيارات العاطفية المباشرة، بل على شيء أكثر هدوءًا وإزعاجًا: الشعور بالفراغ. آدم سكوت لا يؤدي شخصية درامية صاخبة، بل رجلًا يبدو وكأنه فقد قدرته على الإحساس تدريجيًا. المدهش أن أدواته الكوميدية القديمة ما تزال موجودة بالكامل؛ الصمت المحرج، النظرات المترددة، والإحساس بأن الشخصية غير مرتاحة داخل المكان الموجود فيه. لكن داخل عالم Severance، لم تعد هذه الصفات مضحكة، بل أصبحت تعبيرًا عن العزلة والاغتراب. حتى بن ستيلر نفسه، الذي أخرج أفلامًا مثل Zoolander وTropic Thunder، يبدو هنا كأنه يراجع سنوات الكوميديا الصاخبة عبر عالم بصري بارد ومعقم يشبه كوابيس الشركات الحديثة. Severance ليس عملًا ضد الكوميديا… بل عمل اكتشف أن الكوميديا الحديثة كانت حزينة أصلًا.

الضحك والجريمة
شيء مشابه يحدث مع جيسون بيتمان في Ozark، لكن داخل عالم أكثر اختناقًا وواقعية. بيتمان لم يكن ممثلًا يعتمد على الأداء الكاريكاتيري أصلًا، بل على صورة الرجل الأمريكي العادي: ساخر، عملي، ومرهق دائمًا من الحياة. هذه الطاقة نفسها تحولت داخل Ozark إلى طاقة قلقة ومضغوطة باستمرار. مع شخصية مارتي بيرد، لا يبدو كبطل جريمة تقليدي، بل كشخص يحاول النجاة كل يوم داخل عالم ينهار من حوله. حتى طريقته الساخرة في الحديث تبدو أحيانًا كآلية دفاع أخيرة قبل الانهيار. المثير هنا أن بيتمان لم يحتج إلى تغيير نفسه بالكامل كممثل، بل احتاج فقط إلى وضع نفس الشخصية داخل جحيم أخلاقي حقيقي. وهذا ما يجعل التحول مقنعًا؛ لأن المشاهد يشعر أن الكوميديا لم تختفِ تمامًا، بل بدت وكأنها فقدت خفتها القديمة. بعض التحولات الدرامية لا تأتي عبر تغيير الممثل لشخصيته… بل عبر تغيير العالم المحيط بها.

لكن ربما لا توجد حالة معاصرة توضح العلاقة الملتبسة بين الكوميديا والقتامة مثل بيل هادر في Barry. المسلسل يبدأ تقريبًا كفكرة عبثية صالحة لكوميديا سوداء: قاتل مأجور مكتئب يكتشف فجأة أنه يريد أن يصبح ممثلًا. في البداية، يبدو العمل وكأنه يسخر من عالم التمثيل ومن الشخصيات التائهة في لوس أنجلوس، لكن شيئًا ما يبدأ بالتغير ببطء داخل الحكاية. الكوميديا تصبح أكثر توترًا، العنف أكثر قسوة، والضحك نفسه يتحول إلى شعور بعدم الراحة. بيل هادر، القادم من Saturday Night Live، لا يتعامل مع الدراما كاستعراض للجدية، بل كامتداد طبيعي للقلق الموجود أصلًا داخل الكوميديا. Barry ليس مسلسلًا عن رجل قاتل يريد أن يصبح فنانًا، بل عن شخص فقد أي قدرة على فهم نفسه، ويحاول استخدام الأداء التمثيلي كوسيلة للاختباء من نفسه. وكلما تقدم العمل، بدا وكأن الكوميديا نفسها تنهار أمام الكاميرا. بيل هادر لا يهرب من صورته الكوميدية، بل يتركها تتآكل ببطء حتى تصبح مخيفة.

بدايات منسية
ورغم أن هذه التحولات الحديثة تبدو اليوم جزءًا من موجة كاملة، فإن برايان كرانستون يبقى النموذج الأشهر والأكثر تأثيرًا لهذا التحول. قبل Breaking Bad، كان بالنسبة لكثير من المشاهدين مجرد الأب العصبي اللطيف في Malcolm in the Middle، شخصية كوميدية تعتمد على الانفعال والفوضى والطاقة المرتبكة. ثم ظهر والتر وايت، وتحول الأمر فجأة إلى صدمة جماعية. ليس فقط لأن الدور مظلم، بل لأن المشاهد اكتشف أن كل ما كان يضحكه سابقًا يمكن أن يصبح مرعبًا إذا اختفى الإيقاع الكوميدي من المشهد. العصبية نفسها، الإحباط نفسه، والرغبة المكبوتة في السيطرة، كلها كانت موجودة من قبل، لكن Breaking Bad كشفها تحت ضوء أكثر قسوة. والأهم أن التحول لم يكن مؤقتًا. كرانستون لم يعد بعدها إلى دور الأب الكوميدي، بل واصل العمل داخل مناطق أكثر ظلامًا في أعمال مثل Your Honor وعدد من أدواره السينمائية اللاحقة، كأنه اكتشف أخيرًا المساحة التي تسمح له باستخدام هذه الطاقة المكبوتة بالكامل. والتر وايت لم يكن نقيض شخصياته الكوميدية القديمة، بل نسختها التي توقفت عن الضحك.

أما أوليفيا كولمان، فتمثل حالة مختلفة تمامًا؛ حالة التحول الناجح لدرجة أن الجمهور نسي أصلًا أن بدايتها كانت كوميدية. ظهورها في برامج الـsketch comedy البريطانية وأعمال مثل Peep Show كان قائمًا على أداء كوميدي مرتبك وعفوي ومليء بالطاقة الغريبة. لكن هذه الأدوات نفسها تحولت لاحقًا إلى مصدر قوة درامية هائلة في Broadchurch وThe Crown وThe Favourite. كولمان لا تبدو كممثلة تحولت إلى الدراما، بل كممثلة فهمت مبكرًا أن الكوميديا والدراما مصنوعتان من نفس المادة الخام: الهشاشة الإنسانية. شخصياتها تبكي وتتردد وتخاف بطريقة تبدو حقيقية جدًا، ربما لأنها لا تخشى الظهور بمظهر ضعيف أو غير متماسك. وهذا ما يميز كثيرًا من الكوميديين حين يدخلون الدراما: هم أقل خوفًا من القبح الإنساني، لأن الكوميديا أصلًا مبنية على كشفه.

تراجيديا شارلي شابلن
لكن ليست كل محاولات الهروب من القناع الكوميدي تنتهي بهذا النجاح الكامل. هنا تحديدًا تصبح حالة روان أتكينسون واحدة من أكثر الحالات حزنًا وإنسانية. الرجل الذي تحول وجهه إلى أيقونة عالمية للضحك الصامتفي حلقات "مستر بين" حاول في شخصية Maigret أن يقدم نفسه بصورة مختلفة تمامًا: محقق فرنسي مرهق، قليل الكلام، يتحرك ببطء ويبدو كأنه يحمل ثقل العالم فوق كتفيه. أتكينسون لم يقدم أداءً سيئًا أبدًا، بل على العكس، كان هادئًا ودقيقًا بشكل مفاجئ. لكن المشكلة كانت أعمق من جودة الأداء نفسه. الجمهور، ببساطة، لم يكن مستعدًا لرؤية وجه مستر بين داخل عالم قاتم وصامت إلى هذا الحد. حتى الصمت الذي صنع مجده الكوميدي عاد هنا بصورة مختلفة؛ لم يعد صمتًا مضحكًا، بل صمت رجل متعب من البشر. ومع ذلك، لم ينجح هذا التحول جماهيريًا بنفس القوة التي نجحت بها الحالات الأخرى، وكأن أتكينسون اكتشف متأخرًا أن بعض الأقنعة تلتصق بالوجه إلى الأبد. وربما لهذا عاد لاحقًا إلى شخصيات تستلهم روح مستر بين نفسها مثل Man vs. Bee، كأن الدائرة أغلقت مرة أخرى حول صورته القديمة.

وقبل روان أتكينسون بسنوات طويلة، كان شارلي شابلن قد خاض هذا التحول بصورة أكثر مرارة ونضجًا في أفلامه المتأخرة. الرجل الذي صنع أشهر شخصية كوميدية صامتة في تاريخ السينما بدأ تدريجيًا في نزع الضحك من عالمه، أو على الأقل جعله أكثر حزنًا وتأملًا. في Monsieur Verdoux لم يعد شابلن ذلك المتشرد البريء، بل رجلًا يقتل الأرامل الثريات ليسرق أموالهن ويعيل أسرته، بينما بدا Limelight أقرب إلى وداع طويل لكوميديان عجوز يراقب شهرته وهي تتآكل ببطء. وحتى في A King in New York ظهر شابلن كملك معزول وضائع داخل عالم حديث لا يفهمه. لم يكن شابلن يحاول إثبات قدرته على الدراما بقدر ما كان يبدو كفنان اكتشف متأخرًا أن التقدم في العمر يجعل الضحك نفسه أكثر كآبة.

الجمهور يحب الكوميديان طالما يخفف عنه ثقل الحياة، لكنه يشعر بالارتباك حين يقرر هذا الشخص نفسه أن يتحدث عن حزنه أو وحدته أو خوفه من العالم. ومع ذلك، تبدو أفضل هذه التحولات الدرامية مؤثرة إلى هذا الحد لأنها تكشف شيئًا كان موجودًا منذ البداية. فالكوميديا ليست نقيض القتامة كما نتخيل، بل إحدى طرق التعايش معها.
الصور من حسابات شركات الإنتاج والنجوم.