محمد رمضان في فيلم أسد

ثورة سينمائية حقيقية وقعت في فخ التاريخ.. كيف ضل فيلم "أسد" طريقه؟

15 مايو 2026

نراهن دائماً كعشاق لفن السينما على وعي صانعيها قبل أن نتذوق الفن ونمدح ونُمجد الحرفة وتفوق اللغة السينمائية وجودة الصورة. يبقى نصب العين دائماً وأبداً ما يثيره الفنان من أسئلة وسجالات، وما الذي يرغب في أن يشتبك معه الجمهور. عشرات الأفلام تُنتج سنوياً، قليل منها ما يبقى في الأذهان، وأقل يعبر حاجز الزمن والأجيال ويستمر تأثيره. اليوم نقف أمام مئات الأفلام التي صنعها أصحابها ورحلوا، وتكفلت هذه الأفلام وحدها بتخليد أسماء مبدعيها. ربما وقتها لم يكن بعضهم يعي لهذا، ولكن اليوم أصبحت هذه القاعدة واقعاً وحقيقة لا جدال عليها، حتى مع الأفلام التي يصنعها أصحابها لتصدر شباك التذاكر بصبغتها التجارية الصرفة، أو التي تجمع بين الصبغتين التجارية والفنية.

فيلم "أسد" أحدث أعمال المخرج محمد دياب، والذي شارك أيضاً في كتابة السيناريو الخاص به مع خالد وشيرين دياب، والذي يعود من خلاله كمخرج للسينما بعد فيلم "أميرة" عام 2021. وهو الفيلم الرابع في مسيرته التي بدأت عام 2010 بفيلم "678"، والتي على الرغم من قلة أعماله عددياً مقارنة بالسنوات، لكنها حافلة ومثيرة للجدل بما تتصدى له من قضايا وأفكار وأسلوبية مختلفة ومميزة ببصمته.

"أسد" أحدث أعمال المخرج محمد دياب
"أسد" أحدث أعمال المخرج محمد دياب

أحدث أفلام دياب يعد امتداداً لملامح هذه المسيرة، بتفوقه البصري واشتباكه مع قضية شائكة وهي العبودية في مصر أواخر القرن التاسع عشر. المؤكد أننا أمام فيلم مبهر بصرياً وجيد جداً في نصفه الأول، ومخيب للآمال في نصفه الثاني. فبعد التأسيس لعمل ملحمي بشكل يرفع الآمال لمتابعة فيلم تاريخي متفرد يشتبك مع أشخاص وقضية ومرحلة زمنية لم يتم التطرق لها من هذه الزاوية من قبل باستثناء إشارات عابرة أو ظهور شخصيات العبيد في الأعمال التي تناولت هذه الفترة، تنهار هذه الآمال تحت وطأة السيناريو في النصف الثاني، الذي ترك الدراما والشخصيات والمنطق الخاص بها يدخل في دوائر مفرغة، وينتهي بليّ عنق الدراما عنوة لتسير في اتجاه غير منطقي ولا مشبع كخاتمة للتأسيس المبهر.

أننا أمام فيلم مبهر بصرياً وجيد جداً في نصفه الأول
أننا أمام فيلم مبهر بصرياً وجيد جداً في نصفه الأول

يمكن المقارنة بسهولة بين شخصية أسد (محمد رمضان) في النصف الأول وقراره في خاتمة الفيلم الذي يتعارض كلياً مع طبيعة شخصيته الثائرة المطالبة بالحرية من الرق بالمقاومة المسلحة، لخيار المقاومة السلمية واللاعنف دون أي تمهيد أو منطق، هذا بخلاف أن النصف الثاني استُهلك درامياً فكرة المقاومة المسلحة ضد النخاسين بالتردد بين الهجوم والاستسلام لحياة الجبل من المجموعة خاصة مع دعم الأمير ولي العهد (أحمد داش) للمجموعة بالمال والسلاح، وعلى امتداد الخط يمكن القياس على كل الشخصيات الأخرى التي كان لها شكل محدد في النصف الأول وتحولت في النصف الثاني لشخصيات أخرى.

محمد رمضان بشخصية ثائرة في "أسد"
محمد رمضان بشخصية ثائرة في "أسد"

المؤكد أيضاً أننا أمام فيلم مولود بصفة النجاح لوجود اسمي محمد دياب ومحمد رمضان في الصدارة، ومعهم فريق كبير من الفنانين المحترفين أمام وخلف الكاميرا، هذا بخلاف امتداد الفيلم جغرافياً في منطقة إقليمية واسعة ليجمع شركاء فنانين ومنتجين من السودان وفلسطين ولبنان والمملكة العربية السعودية، بشكل عابر للدول داعم للنطاق الإقليمي، وهو أمر مطلوب بقوة طالما اقتضته الدراما. وربما يكون هذا الشكل التعاوني هو الصيغة الأفضل ملائمة للأفلام الضخمة ذات الطبيعة الإنتاجية الكبيرة، والتي يجتمع فيها الشركاء لمواجهة تحديات الصناعة الحالية، وإدارة عمل عملاق بهذا الشكل وهو في الحقيقة تحدٍ يحسب لدياب.

أسد مولود بصفة النجاح لوجود اسمي محمد دياب ومحمد رمضان
أسد مولود بصفة النجاح لوجود اسمي محمد دياب ومحمد رمضان

من هذا المنطلق تحديداً يأتي التأكيد على تفوق الفيلم حتى على الرغم من تراجع مستوى جودة السيناريو درامياً في النصف الثاني، ففي مقابل هذا العنصر، هناك عناصر أخرى تؤكد على الصنعة في الأقسام خلف الكاميرا خاصة أحمد فايز في الإشراف الفني والديكور وأحمد حافظ في المونتاج وكلاهما من الأسماء المتفوقة في مجالاتهم وبسجل مشرف من الأعمال الفنية، والعودة إلى قاهرة 1860 مبهرة ومتقنة من الناحية البصرية والمونتاج كعنصر ساعد كثيراً في ضبط إيقاع النصف الثاني من الفيلم والتقليل من الشعور بالملل وغرابة تصرفات الشخصيات مع وجود المعارك وجودة تنفيذها مع الخدع البصرية والمؤثرات الرقمية التي عابها فقط مشهد غرق الأطفال في النصف الثاني بتنفيذه الضعيف والذي تسبب في أثر عكسي.

رزان جمال ومحمد رمضان
رزان جمال ومحمد رمضان

ولا يمكن أن تكتمل جودة هذه العناصر دون جودة عنصر التصوير ومديره أحمد البشاري وموسيقى هشام نزيه، وأمام الكاميرا تأتي الأداءات الأكثر من جيدة لمحمد رمضان بجاهزيته فنياً وحركياً لتقديم الشخصية، ونفس الشيء مع اختيار باقي أبطال العمل وفي مقدمتهم علي قاسم بقدراته على تقديم الشخصيات المركبة بكل مستويات الانفعال بها بالإضافة لمشاهد الحركة والمعارك، ونفس الحال مع أصحاب الخبرات والموهبة كامل الباشا، وإسلام مبارك وإيمان يوسف اللتين قدمتا شخصيتين أكبر من عمريهما ولم نشعر بهذا الفارق، وبالطبع رزان جمال التي تعد تسكيناً جيداً جداً للشخصية يعيبه فقط اللهجة غير المبررة لطفلة تركت مع عائلتها بلدها الأم وتوفيت والدتها وعاشت عمرها في مصر وما زالت تتحدث بلهجتها الأصلية على الرغم من أن والدها نفسه يتحدث باللهجة المصرية.

محمد رمضان
محمد رمضان في عرض فيلم "أسد

مصطفى شحاتة قدم أداءً ملتبساً بعض الشيء لشخصية عوض وشاركه في هذا كلٌ من ماجد الكدواني وأحمد داش، لكن لأسباب مختلفة، فعوض مبرر له تماماً أداؤه الميلودرامي والانفعال الزائد بسبب طبيعة الشخصية وإن لم يتمكن بشكل متقن من التعبير بالوجه لكن في النهاية إدارة الممثل هي من مسؤولية المخرج، وتقديم الشخصية بهذا الشكل والأداء هو جزء من رؤية محمد دياب خاصة مع قدرة وموهبة مصطفى التي سبق وأثبتها بقوة في فيلمه الأول "ستموت في العشرين".

لكن ماجد الكدواني وأحمد داش التباس أداءاتهما بسبب الغموض والتورية الشديدة على من هم في الحقيقة، فعلى الرغم من وجود زمن ومكان شديدي الوضوح وهما القاهرة بين عامي 1840 (حكم الوالي محمد علي باشا) و1860 (حكم الوالي محمد سعيد باشا) إلا أن الإشارات والشخصيات بما فيهم الملامح والملابس تؤكد أننا أمام الخديوي إسماعيل الذي تسلم مقاليد الحكم عام 1863 وولي عهده ابنه الخديوي توفيق، فقبل توفيق لم يكن تولي الحكم بالبنوة بل بأكبر أبناء الأسرة العلوية وهو السبب المباشر في تولي الخديوي إسماعيل مقاليد الحكم من عمه سعيد باشا لأنه كان الأكبر سناً في خط خلافة العرش.

ملامح شخصيات فيلم "أسد"
ملامح شخصيات فيلم "أسد"

هذا الالتباس الواضح والأخطاء التاريخية هي صلب نقطة الضعف الأكبر والأهم في الفيلم وغير المفهومة تحت أي ظرف منطقي، فليس هناك أي مبرر لهذا التشويه التاريخي، وتمييع الشخصيات بهذا الشكل لم يطمس معالم الزمان والمكان اللذين تم ذكرهما بالاسم والسنة في لوحات واضحة مع ظهور معلم رئيسي في القاهرة وقتها وهو قلعة الجبل بخلاف مشهد لقاء الوالي/الخديوي (ماجد الكدواني) مع ولي عهده/ الأمير (أحمد داش) في دار الأوبرا الخديوية التي افتتحت في 1869.

اشتباك الفيلم مع قضية العبودية في مصر بدوره غير دقيق، فالصورة تدين المصريين بإظهارهم جميعاً كتجار عبيد نخاسين جميعهم بحاكمهم قساة يمارسون القتل السادي والمجاني، ولا يوجد نموذج مصري واحد إيجابي على الرغم من أن دور العبيد والجواري في مصر في ذلك الوقت معروف ومعظمهم كان مخصصاً للخدمات اليومية في منازل وقصور الأثرياء، أو في قوات الهجانة أو حرس الحدود بالمصطلح الحالي، وفي المقابل استخدم المستعمر الأجنبي وقتها المصريين أنفسهم بنظام السخرة، مع أشكال أخرى لاستعباد المصريين على أرضهم للعمل في حفر قناة السويس أو العمل في الإقطاعيات الزراعية، الأمر الذي شكل الحركات الوطنية المناهضة لتقويض المصريين وفرنجة مصر في سنوات لاحقة.

اشتباك الفيلم مع قضية العبودية في مصر
اشتباك الفيلم مع قضية العبودية في مصر

التعامل مع هذه القضية -العبودية- بالشكل الذي ظهر في "أسد" هو بدوره فرنجة لتاريخ مصر يعكس تعامل النموذج الأمريكي الشمالي مع العبيد على مصر، فالتفاصيل تتطابق، الأمر الذي خلق فجوة في المجتمع الأمريكي الحديث آثاره الاجتماعية ما زالت أصداؤها تدوي في ولاياته حتى الآن، لكن في مصر الأمر كان مختلفاً كلياً ومعاناة المصريين مع الاستعباد تفوق بكثير وجود عبيد من الوسط والجنوب الأفريقي في مصر وكلاهما بشكل عام عاني من المستعمر على اختلاف اوضعاهم الاجتماعية، رؤية المخرج محمد دياب في الفيلم تضرب بشكل غير مباشر حركة التحرر الوطني المصري في مهدها وتكونها أواخر القرن التاسع عشر، والإسقاط على الخديوي إسماعيل بعدم الوطنية والقتل بدم بارد يخالف كل الحقائق التاريخية والتي لا يعفي منها أو يموهها تاريخ حكم الوالي سعيد باشا وعكس الآية ما بين وطنية إسماعيل ورغبته في تطوير مصر واستقلالها واستقلاله بحكمها وفي المقابل خنوع ولي عهده توفيق للمحتلين والتآمر على الزعيم أحمد عرابي وتمكين البريطانيين من حكم مصر ووأد الثورة العرابية ثم تشويه عرابي بعد عودته من المنفى بمساعدة مصطفى كامل هو شيء آخر، فالمطالبة بالحرية والتمكين المصري مثبت تاريخياً لعرابي لا لأسد القادم من دولة أخرى مستعبداً في مصر ليدافع عن الحرية فيها.

صناع فيلم "أسد"
صناع فيلم أسد

 

 

ما يزيد من الحيرة في التعامل مع هذه الرؤية هو اختيار المخرج للفانتازيا التاريخية كنوعية لفيلمه وفى الوقت ذاته يربط الأحداث بزمن ومكان ومزج حكام تاريخيين ببعضهم البعض، عدم سلوك الخط الطبيعي وهو الالتزام التاريخي بما أن المكان والزمان محددان، خاصة مع ثراء الحدث نفسه ومروره بـ 3 أجيال من الحكام، بداية من مرسوم إلغاء الاتجار بالعبيد في 1856 في عهد الوالي سعيد، مروراً بتجريم التجارة في عهد الخديوي إسماعيل وصولاً للقضاء عليها تماماً في عهد الخديوي توفيق، ولرفع مستوى الحيرة أكثر يأتي المشهد الختامي في الفيلم منفصلاً تماماً عن الدراما الخاصة بأحداثه، وهو عودة الطفل المحرر بعد ثورة "أسد" إلى القلب الأفريقي حيث عائلته التي خطف من وسطها، واضح تمامًا أن المشهد هو ختام سعيد يمنح الأمل في الوصول للحرية، وأن تضحية أسد لم تذهب هباءً.. لكن على الجانب الأخر يمكن تفسير هذا المشهد كأنه مقحم! ووسط صخب دعاوى معتنقي المركزية الأفريقية (الأفروسنتريك) ومحاولات السطو الدائم على تراث الحضارة المصرية القديمة من قبل تلك الحركات النشطة حاليا بتبنيها خطط دعائية مزيفة تاريخيًا بشهادة المتخصصين العالميين، عندها لا يصبح مبدع الفيلم صانعا فقط، وإنما يصبح في موضع مسئولية من البداية عند تطبيق رؤيته ودراسة كل الظروف المحيطة حتى لا يخرج الفيلم عن طبيعته ويتورط فريق العمل باكمله في دائرة مفرغة وبشكل يؤثر سلبًا على الرؤية الخاصة بالمخرج.

طبيعة الفيلم نفسها تجعله اقرب للفيلم التجاري الهوليوودي ذا الإنتاج الضخم، وهذه الطبيعة أيضًا تفتح الطريق لتفسير آخر غريب عن المجتمع المصري يربط أحداثه بصورة معاناة الأفارقة في القارة الأمريكية لتتحول هذه الصورة في هذه الحالة لكونها مقحمة على مصر وتاريخها في في الفيلم وتغربه بشكل أكبر خاصة مع غياب وجود معادلات مصرية تعكس الواقع التاريخي وقتها، بينما الحقيقة أننا أمام فيلم تجاري جيد الصنع تحميله بأكثر مما يحتمل يضر به وبالصناعة وفى الوقت ذاته هو تأكيد على أهمية أن يضع الصانع نصب عينيه طبيعة جمهوره المستهدف وتأثير قضايا فيلمه على مجتمعه في الوقت الحالى.

في النهاية الإجابة على هذه التفسيرات أياً كانت ترجع للمخرج وكتاب السيناريو وحدهم مع حريتهم الكاملة في تقديم إبداعاتهم وحريتهم حتى أيضاً في عدم تفسيرها فهو ليس دورهم، وبلا شك أن السينما المصرية فازت بفيلم مبهر على المستوى الفني والتقني لمخرج مبدع، لكن هذا على حساب حقائق تاريخية شديدة الحساسية لا سيما في هذا الوقت.

 

رامي المتولي – ناقد سينمائي وسكرتير عام جمعية نقاد السينما المصريين، بدأ العمل في المجال عام 2010 متخصصاً في السينما العالمية، وانتقل بعدها للكتابة في عدة صحف ومواقع إلكترونية.