مسلسل "Hijack ".. ليس كل موسم ثانِ ضعيف بالضرورة
في العادة، لا أثق في المواسم الثانية من المسلسلات، خاصة تلك التي تنتهي بشكل حاسم لا يترك مساحة حقيقية لإضافة مزيد من الدراما.
وهكذا كان الموسم الأول من مسلسل التشويق والإثارة Hijack، من بطولة إدريس ألبا، الذي يجد نفسه وسط عملية اختطاف طائرة تنتهي بفشل العملية وتحرير الركاب في الحلقة الأخيرة.
حين شاهدت تريلر الموسم الثاني — حيث يعود سام نيلسون (إدريس ألبا)، ولكن هذه المرة داخل قطار مختطف — بدا الأمر أقرب إلى مفارقة ساخرة:
ما الذي يمكن إضافته دراميًا، بخلاف تغيير وسيلة المواصلات؟
التجربة علمتنا أن النجاح الأول غالبًا ما يتحول إلى وصفة جاهزة: نفس الفكرة، نفس الإيقاع، نفس المفاجآت… لكن بدرجة أقل إقناعًا.
من الطائرة إلى القطار
كان من المنطقي إذن أن يأتي الموسم الثاني أضعف، أكثر تكرارًا، وأقل توترًا.
لكن ما يحدث هنا هو العكس.
الموسم الثاني لا يكرر التجربة، بل يعيد تفكيكها، ويوسّعها، ويكتشف مساحات جديدة للتشويق، مستفيدًا من أدوات كواليس الحبكة التي رسّخها الموسم الأول.

تدور الأحداث هذه المرة حول قطار، لكنه ليس سوى نقطة ارتكاز داخل شبكة أوسع من الخيوط المتشابكة. داخل العربات، يستمر التوتر اللحظي بين الركاب والخاطفين، حيث يتحول كل تحرك إلى احتمال مفتوح للخطر. في الوقت نفسه، يعمل مركز متابعة حركة القطار كعقل إداري للأزمة، يحاول قراءة ما يحدث من الخارج واتخاذ قرارات سريعة تحت ضغط معلومات ناقصة.
وعلى خط موازٍ، يتحرك مسار مارشا (كريستين آدامز)، زوجة سام، المحاطة بتهديد غامض في كوخ معزول، ليمنح الحكاية بعدًا شخصيًا لا يقل توترًا. وفي الخلفية، تتكشف خيوط التحقيقات وعمليات التخابر على الأراضي الألمانية، كطبقة أعمق لا تكتفي بتفسير ما يحدث، بل تعيد صياغته.
يظهر سام نيلسون (إدريس ألبا)، المحامي والمفاوض الاقتصادي، في البداية كرجل عادي داخل القطار: يراقب، يشك، ويحاول فهم ما يحدث. يبدو متورطًا بشكل ما، كأنه يسعى للانتقام لمقتل ابنه، لكن الحكاية سرعان ما تتشعب، كاشفة طبقات متتالية من الغموض:
هل هو من يدير اللعبة؟ أم مجرد أداة داخلها؟

حين يصبح الذكاء أداة للبقاء
هذا التحول في الحبكة ينعكس مباشرة على بناء الشخصيات، وعلى رأسها سام نيلسون.
لم يعد البطل الذي يسيطر على الموقف، بل رجل يحاول النجاة داخله، مستخدمًا مهاراته التفاوضية كوسيلة للمراوغة وتأجيل الاصطدام، لا السيطرة عليه.
إدريس ألبا يقدم أداءً يعتمد على الهدوء المشحون بالقلق، ونظرات تحمل أكثر مما تقوله الجمل، مع إحساس دائم بأن الشخصية تتحرك فوق أرض غير ثابتة.
في المقابل، تتسع خريطة الشخصيات بشكل واضح:
من ركاب القطار الذين لم يعودوا مجرد ضحايا، إلى فريق مركز المتابعة الذي يتحول إلى عقل يحاول فهم ما يحدث في الزمن الحقيقي، مرورًا بالخط الخارجي المرتبط بالزوجة والمطاردين، وصولًا إلى الأجهزة الأمنية والتحقيقات التي تسابق الزمن.
تبرز بعض الأدوار الصغيرة في منح العمل بعدًا إنسانيًا واضحًا.
سائق القطار أوتو (كريستيان ناثي) يعيش توترًا عصبيًا خانقًا، وكلارا (ليزا فيكاري)، الموظفة الجديدة في مركز التحكم، تجد نفسها فجأة في قلب أزمة أكبر من خبرتها، بينما تعكس مارشا حالة من الثبات الانفعالي الحزين داخل عزلتها.
هذه الشخصيات الهشة — رغم بعدها عن مركز الحدث أحيانًا — تضيف طبقة إنسانية مهمة، تجعل الخطر أكثر واقعية، وأقل تجريدًا.
توتر يُبنى دون استعراض
ما يميز الموسم الثاني بصريًا ليس فقط تنوع الأماكن، بل طريقة الانتقال بينها.
الإخراج لا يتعامل مع الخطوط الدرامية كجزر منفصلة، بل كنبض واحد ينتقل من موقع إلى آخر دون أن يفقد إيقاعه. الكاميرا داخل القطار تلتقط الضيق والاحتباس، بينما تمنحنا لقطات مركز المتابعة إحساسًا بالاتساع المشوب بالعجز، في حين تأتي الخطوط الخارجية — خصوصًا على الأراضي الألمانية — كامتداد بارد ومنظم للفوضى التي نشهدها في الداخل.

المونتاج يلعب هنا دورًا حاسمًا.
لا يعتمد فقط على القطع السريع، بل على توقيت الانتقال بين المسارات: لحظة صمت داخل القطار تُستكمل بقرار في غرفة المتابعة، أو مشهد مطاردة خارجي ينعكس أثره فورًا على الركاب.
هذا الترابط يمنح المشاهد إحساسًا بأن كل شيء يحدث داخل منظومة واحدة، لا في حكايات متجاورة.
حتى في مشاهد الذروة، لا يندفع الإخراج نحو الاستعراض، بل يحافظ على توتر متصاعد، كأنه يذكّرنا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في احتمال انفجار القطار المفخخ أو الأحداث… بل في اقترابه المستمر.

لعبة الالتواءات الذكية
التحسن الأكبر في الموسم الثاني يظهر بوضوح في طريقة بناء التشويق. العمل لا يكتفي بسؤال: ماذا سيحدث؟ بل يضيف سؤالًا أكثر أهمية: ماذا نعرف بالفعل؟ وهل ما نعرفه صحيح؟.
الالتواءات الدرامية هنا لا تأتي كصدمات مفاجئة بقدر ما تأتي كإعادة ترتيب للمعلومات. كل كشف جديد لا يلغي ما قبله، بل يعيد تفسيره، وهو ما يمنح السرد نوعًا من الذكاء التراكمي. المشاهد لا يُخدع بقدر ما يُعاد توجيهه، وهذه نقطة فارقة بين التشويق الرخيص والتشويق المبني على كتابة واعية.

لكن هذا البناء الذكي لا يخلو من تعثرات. في بعض اللحظات، تُمنح الشخصيات فرصًا غير مبررة منطقيًا، مثل تردد الركاب في استغلال فرص واضحة للنجاة، أو عملية قتل ضابط المخابرات الألماني بحيلة ساذجة، وهو ما يخلق فجوة مؤقتة بين التوتر والمنطق. كذلك، تبدو بعض خطوط التحقيق، خاصة تلك المرتبطة بالأجهزة الأمنية، أقل إحكامًا مما يفترض، سواء في التحقق من خلفيات بعض العناصر أو غياب المؤسسات السياسية الكبرى عن إدارة أزمة كبرى مثل هذه.
هذه ليست أخطاء قاتلة، لكنها كافية لتذكيرنا بأن الحبكة، رغم قوتها، ليست محصّنة بالكامل. ومع ذلك، ينجح المسلسل في تجاوز هذه العثرات بسرعة، لأنه لا يسمح لها بأن تعطل إيقاعه العام أو تقلل من متعة المشاهدة

لماذا تفوق الموسم الثاني؟
لا يعتمد هذا الموسم على حضور إدريس البا وحده، فهو دون قصة متماسكة وتصميم ذكي للتشويق لن ينجح في تجاوز نجاج الموسم الأول.
الموسم الأول كان تجربة مركزة، تقوم على شد الحبل إلى أقصى درجة داخل إطار واحد.
أما الموسم الثاني، فيعيد توزيع هذا الشد على مساحات متعددة، ويخاطر بتفكيك النموذج… ثم يعيد تركيبه بشكل أكثر تعقيدًا.
صحيح أن هذا التوسّع جاء على حساب بعض الدقة المنطقية في لحظات معينة، وأن بعض الخطوط كان يمكن إحكامها أكثر، سواء على مستوى سلوك الشخصيات أو أداء المؤسسات، لكن النتيجة النهائية تظل واضحة:

التجربة أصبحت أغنى، وأكثر تنوعًا، وأشد قدرة على الحفاظ على اهتمام المشاهد.
النجاح الحقيقي للموسم الثاني لا يكمن في كونه أكثر إثارة فقط، بل في كونه أكثر وعيًا بما يمكن أن يفعله بفكرته الأساسية.
ورغم العثرات، ورغم بعض التنازلات المنطقية، يظل العمل قادرًا على تقديم تجربة مشوقة، متماسكة بما يكفي، وممتعة دون أن تكون ساذجة.
الجزء الثاني، في العادة، يعيش في ظل الأول.
لكن هنا… ينجح في الخروج من هذا الظل.

الصور من حساب منصة Apple TV.