Mercy

بين الذكاء الاصطناعي والعدالة الرقمية.. فيلم "Mercy" و90 دقيقة من الإثارة الكسولة!

22 مارس 2026

فيلم Mercy من انتاج أمازون واخراج تيمور بيكمامبيتوف يعرف كيف يبدأ. يملك فكرة كبيرة وواعدة كتبها ماركو فان بل، بدأها على الشاشة بثقة… ثم فقد الذاكرة في المنتصف، ولم يعد يتذكر لماذا بدأ.

منذ الدقائق الأولى، يبدو كل شيء واعدًا: عالم قريب من الحاضر، نظام عدالة مُعاد تصميمه، حكم بالإعدام يُنفَّذ بإشراف ذكاء اصطناعي يحمل صورة قاضية على شاشة كبيرة، وبطل يجد نفسه أمام آلة لا تتعاطف، لا تتردد، ولا تُخطئ — أو هكذا يُفترض.

الفكرة، مثالية لفيلم يتأمل العدالة في زمن الخوارزميات، والإنسان حين يصبح ملفًا رقميًا ينتظر التنفيذ.

القاضية الروبوت

الفكرة المركزية — العدالة حين تُسلَّم إلى ذكاء اصطناعي يقوم بدور القاضي — تقوم على نظام مزوّد بملفات الإدانة، يواجه فيه المتهم، المقيَّد بأصفاد إلكترونية، أدلته خلال 90 دقيقة فقط، قبل أن تصدر القاضية الرقمية — التي تتجسّد في صورة وصوت على الشاشة — حكمها النهائي.

الفيلم يطرح أسئلة أخلاقية حقيقية: هل يمكن لخوارزمية أن تحكم بالموت؟
من يحاسب الآلة لو أخطأت؟ هل القاضي الرقمي أعدل لأنه بلا عاطفة، أم أكثر قسوة لأنه بلا رحمة؟

فيلم Mercy من انتاج أمازون
فيلم Mercy من انتاج أمازون

لكن بدل أن يترك هذه الأسئلة تنضج، يهرب سريعًا إلى مطاردة جديدة، ومشهد أكشن آخر، ومبالغة درامية تُضعف كل ما سبقها.

المشكلة ليست في أن الفيلم يريد أن يكون تجاريًا، بل في أنه لا يثق في فكرته بما يكفي.

يتعامل Mercy مع الذكاء الاصطناعي بوصفه خلفية درامية جذابة، لا بوصفه مأزقًا فلسفيًا حقيقيًا. المشاهد التي كان يمكن أن تتحول إلى مواجهة فكرية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي تتحول إلى سباق ضد الوقت، حيث يعتمد البطل على توقعات ذكية مبالغ فيها، وخطط إنقاذ تبدو أحيانًا أقرب إلى لعبة فيديو منها إلى واقع درامي مقنع.

يتعامل Mercy مع الذكاء الاصطناعي بوصفه خلفية درامية جذابة
يتعامل Mercy مع الذكاء الاصطناعي بوصفه خلفية درامية جذابة

الفكرة أكبر من الفيلم

فيلم Mercy لا يعاني من فقر في الأفكار، بل من سوء إدارتها.
الفكرة المركزية كانت قادرة على حمل فيلم أكثر عمقًا وتوترًا مما شاهدناه؛ نظام عدالة تديره خوارزمية، حكم بالإعدام يصدر عن عقل اصطناعي بارد، وبطل يحاول كسر المنظومة قبل أن تكسره.

في عالم يزداد فيه الاعتماد على أنظمة المراقبة والتحليل التنبؤي، كان يمكن للفيلم أن يطرح سؤالًا موجعًا:
ماذا يحدث حين تتحول العدالة إلى معادلة؟ أو كيف يصبح الخطأ البشري ميزة لا عيبًا، لأنه يترك مساحة للرحمة.

فيلم Mercy لا يعاني من فقر في الأفكار
فيلم Mercy لا يعاني من فقر في الأفكار

لكن السيناريو يتعامل مع هذه الفكرة كما يتعامل مبدع متردد بين المضمون والإيرادات: يذكر كل النقاط بسرعة… ثم ينتقل إلى ما يظنه أكثر إثارة.

لا يمنح الفيلم الوقت الكافي لتأمل العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، ولا يمنح الصراع بين القاضي الآلي والمتهم فرصة حقيقية للتشكل. ذلك المتهم الذي يحاول إثبات أنه أكثر من مجرد بيانات.

بدلًا من تعميق الصراع الفلسفي، يكتفي بتلميحات سطحية عن فساد المنظومة… ثم يهرع إلى مشهد أكشن جديد.

الأسوأ أن حبكة الهروب نفسها تعتمد على مبالغات واضحة. استخدام البطل لتوقعات النظام، ومحاولاته التلاعب بالخوارزمية، يُقدَّم أحيانًا بثقة مفرطة لا يبررها البناء الدرامي.

يبدو كأنه يسبق النظام بخطوتين دائمًا، لا لأن ذكاءه مقنع، بل لأن السيناريو قرر أن يمنحه الأفضلية.

الفكرة أكبر من الفيلم
الفكرة أكبر من الفيلم

ريبيكا وكريس: الكاريزما والتكرار

في وسط هذا الارتباك السردي، يقف أداء ريبيكا فيرجسون بثبات يمنح الفيلم قيمة درامية كان يفتقدها. أداؤها لشخصية القاضية ذات الواجهة البشرية والجوهر الاصطناعي يمنح العمل ثقلًا غائبًا عن بقية عناصره. حضور فيرجسون هادئًا، محسوبًا، يجعل الشخصية مخيفة بقدر ما هي مقنعة.

كل ذلك يخلق إحساسًا بأن العدالة هنا ليست شريرة، بل غير مبالية… لأنها صُممت هكذا.

واللافت أن أفضل مشاهد الفيلم هي تلك التي تجمعها بالبطل في حوارات قصيرة مكثفة، حيث يتقاطع المنطق مع الرجاء، والنظام مع الغريزة. الفيلم كاد أن يكون دراما نفسية عن مواجهة الإنسان لنسخة أكثر برودًا وقسوة من نفسه.

في المقابل، يقدّم كريس برات أداءً مألوفًا ونمطيًا أكثر مما يحتمل الفيلم.

ريبيكا وكريس: الكاريزما والتكرار
ريبيكا وكريس: الكاريزما والتكرار

الشخصية — رجل محاصر بنظام لا يثق به، يحاول النجاة بعقله وحدسه — كانت فرصة لتوسيع نطاقه الدرامي. لكن ما نراه هو نسخة معدلة قليلًا من أدوار سابقة: الرجل الواثق الساخر تحت الضغط، الذي يملك تعليقًا ذكيًا جاهزًا حتى في أقسى اللحظات.

برات يؤدي ما هو مطلوب، لكنه لا يغامر. وربما لا يملك السيناريو ما يسمح له بالمغامرة أصلًا.

وحين يقف أمام فيرجسون، يظهر الفارق بوضوح:
هي ثابتة، محسوبة، مشحونة بالصمت، وهو متحرك، سريع، يعتمد على الحضور السطحي.

يبدو هذا التباين أحيانًا غير متكافئ. وكأن الفيلم يمنح ثقل الفكرة لشخصية الذكاء الاصطناعي، ويترك البطل البشري يدور في مسارات أكشن تقليدية.

فيلم Mercy لا يعاني من فقر في الأفكار
فيلم Mercy 

إخراج بلا روح

بصريًا، فيلم Mercy مصنوع باحترافية. الإضاءة متقنة، الكادرات مرتبة، الإيقاع محسوب في النصف الأول. لا أخطاء فادحة، لا مشاهد تبدو مرتجلة أو رديئة الصنع. لكن هذا الاتقان الشكلي يكشف مشكلة أعمق: غياب الروح.

الإخراج يتعامل مع عالم الفيلم كمساحة وظيفية. السجون المستقبلية، غرف المراقبة، الواجهات الرقمية — كلها تبدو كأنها صُممت لتؤدي دورها… لا لتخلق عالمًا يُعاش. لا يوجد إحساس حقيقي بأننا داخل منظومة خانقة، ولا ملمس بصري يميز الفيلم عن عشرات الأعمال الأخرى التي تناولت موضوع المراقبة والذكاء الاصطناعي.

حتى مشاهد الأكشن، رغم كثافتها، تعاني من فوضى محسوبة.
حركة كاميرا سريعة، مونتاج متقطع، موسيقى تضغط بقوة على زر التوتر. لكن التوتر الحقيقي لا يتولد من السرعة، بل من الإحساس بالخطر. وفي Mercy، يبدو الخطر أحيانًا مصممًا بعناية أكثر مما ينبغي، كأنه عرض تقني… لا أزمة وجودية.

كان يمكن للإخراج أن يعكس برودة النظام مقابل هشاشة الإنسان، أن يخلق تناقضًا بصريًا واضحًا بين عالم الخوارزمية وعالم الجسد. لكنه يختار المسار الآمن، يلتزم بالمعايير السائدة، ويخرج بفيلم صحيح شكليًا…
لكنه لا يترك أثرًا.

إخراج بلا روح في فيلم Mercy
إخراج بلا روح في فيلم Mercy

المناورات الذكية

يمتلك العمل كل عناصر فيلم الإثارة: عدّ تنازلي، نظام مراقبة شامل، بطل محاصر، اختراقات، مطاردات، مفاجآت.
لكنه يفتقد العنصر الأهم: القلق الحقيقي.

الفيلم يتحرك بسرعة، لكنه لا يجعلنا نشعر بأن شيئًا قد ينكسر فعلًا. كل أزمة تبدو قابلة للحل، كل مأزق يفتح بابًا جانبيًا للهروب، كل خطة محكمة للنظام تقابلها خطة أذكى من البطل.

ومع تكرار هذا النمط، يتحول التوتر إلى روتين. السيناريو يعتمد على تصعيد متواصل… دون تصاعد داخلي.
لا لحظة صمت طويلة تُشعرنا بأن الكارثة تقترب، لا انهيار مفاجئ، لا قرار مستحيل.

بدلًا من ذلك، نحصل على سلسلة من المناورات الذكية — والمبالغ فيها أحيانًا — تجعل الذكاء الاصطناعي يبدو أقل خطورة مما يُفترض. وحين يستطيع الفرد أن يربك منظومة رقمية معقدة بخطوتين متوقعتين، يفقد النظام هيبته… ويفقد الفيلم رهانه.

حتى مشاهد المواجهة النهائية — التي كان يمكن أن تكون ذروة فلسفية: الإنسان في مواجهة خوارزمية تحكم بالموت — تنزلق إلى حوار مباشر، وموعظة مبسطة.

بدل أن يتركنا الفيلم أمام سؤال مفتوح… يشرح لنا ما ينبغي أن نفكر فيه.

المناورات الذكية
المناورات الذكية

فكرة مخيفة

يملك الفيلم فكرة متميزة ومثيرة، لكنه لم يمنحها السيناريو الذي تستحقه، ولا الإخراج الذي يحتمل ثقلها.

ريبيكا فيرجسون كانت العنصر الأكثر اتزانًا وعمقًا، ومنحت شخصية الذكاء الاصطناعي حضورًا يتجاوز حدود السيناريو.
كريس برات بقي في منطقة آمنة، بأداء كاريزمي… لكنه مكرر.
مساحة الأكشن كبيرة، لكنه سطحي. التوتر حاضر صوتيًا… وغائب دراميًا، والنهاية تُرضي الضمير… أكثر مما تُقلق الفكر.

فيلم Mercy  خائف من فكرته، من تعقيدها، من أن يتركها تتنفس دون شروحات، ومن أن يسمح للذكاء الاصطناعي أن يكون خصمًا فلسفيًا… لا مجرد جهاز يمكن تعطيله في اللحظة المناسبة.

كان يمكن لـ Mercy أن يكون دراما عميقة وجريئة، لكنه اكتفى بأن يكون 90  دقيقة من الإثارة الكسولة.

الصور من حساب سوني الشركة الموزعة.

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.