مشهد من فيلم رسائل صفراء

مهرجان برلين 2026 ـ فيلم الدب الذهبي "رسائل صفراء".. عدة عصافير بفيلم واحد!

أندرو محسن
24 فبراير 2026

لم يتراجع الجدل المعتاد حول الجوائز في مهرجان برلين السينمائي الدولي هذا العام، بعض النقاد رأوا أن أفلامًا مهمة تم تجاهلها تمامًا في الجوائز، بينما اتفق بعضهم الآخر مع رأي لجنة التحكيم الدولية، التي رأسها هذا العام المخرج الألماني فيم فيندرز.

الدب الذهبي، أرفع جوائز المهرجان، ذهب للفيلم الألماني التركي "رسائل صفراء" (Yellow Letters) للمخرج إلكر تشاتاك، وهو من الأفلام التي لاقت استحسانًا منذ عرضه الأول في بداية المهرجان، ويمكن القول إنه من الأعمال القليلة المُنتظَرة في مسابقة هذا العام، فهو أحدث أفلام المخرج الذي رُشح فيلمه السابق "استراحة المعلمين" (The Teachers' Lounge) لأوسكار أفضل فيلم دولي مُمثلًا لألمانيا. ربما لا يرى كثيرون أن هذا الفيلم هو الأحق بالجائزة الذهبية، لكن من الصعب الاختلاف على أن طموحه لإصابة عدة أهداف، وربما كان هذا السبب تحديدًا هو ما دفع اللجنة لاختياره ليتوج بالدب الذهبي.

مشهد من الفيلم التركي الألماني رسائل صفراء

​​​​​

يتابع الفيلم الزوجين دريا (أوزغو نامال) الممثلة المسرحية الناجحة وعزيز (تانسو بيتشير) المؤلف المسرحي والدكتور الجامعي، اللذان يتعرضان للتضييق والإقصاء من عملهما نتيجة آراؤهما السياسية فيضطران للانتقال من أنقرة إلى اسطنبول مع ابنتهما المراهقة، في محاولة لبدء حياة جديدة في ضوء هذه الظروف الصعبة.

مصطلح "رسائل صفراء" يشير إلى الأوراق الرسمية التي ترسلها المحكمة، وهو عنوان شديد الارتباط بالأحداث إذ إن عزيز يضطر للمثول أمام المحكمة ليحاول أن يسترد عمله هو وزملائه الذين فصلوا بشكل تعسفي نتيجة آرائهم. بنظرة أولى يحمل الفيلم توجهًا سياسيًا واضحًا، عن مفهوم الديمقراطية والسلطة، وهو ما يبدأ به الفصل الأول بشكل واضح، يضيف ثِقلًا إلى الموضوع طبيعة عمل الشخصيتين الرئيسيتين، فهما بشكل أو بآخر من نجوم المجتمع، وخاصة ضمن عالمي الفن والثقافة، ولكن هذا لم يمنحهما أية حماية. يحاول السيناريو في الفصل الأول أن يركز على هذا الجانب وعلى تداعيات القرارات التي يأخذانها، قبل أن نشاهدهما في الفصل الثاني يحملان تبعات قرارهما.

لاحقًا يتراجع هذا التوجه نسبيًا إلى الخلف، ويركز الفيلم على الجانب الإنساني، ومسؤولية الإنسان أمام نفسه وأمام أسرته عندما يتخذ قرارًا كبيرًا، فإلى أي حد يمكن أن يتمادى ويستمر وهو يرى التبعات المؤلمة والصعبة لهذا القرار، وهو ما يضعه الفيلم بشكل ذكي على المستويين الشخصي أولًا والأسري ثانيًا، دون أن يحكم على شخصياته، ودون أن يقول إن هذه هي النهاية المثلى، بل على العكس تبدو في جميع الاختيارات مرارة بنسبة أو بأخرى.

يتماشى طرح الأسئلة المثيرة للتفكير، والتي تضع المشاهد في حيرة حقيقية أمام نفسه، مع ما قدمه المخرج في "استراحة المعلمين" وإن كان الفيلم السابق أكثر تكثيفًا سواء على مستوى الفكرة والشخصيات والمكان، فلم نخرج خلال الأحداث من أسوار المدرسة، بينما في الفيلم الأحدث ننتقل بين مدينتين كبيرتين، هما في اسطنبول وأنقرة. وفي الحقيقة يتلاعب المخرج بالمكان أيضًا ليقدم طرحًا شديد الذكاء، فلا أنقرة هي أنقرة ولا اسطنبول هي اسطنبول.

يبدأ الفيلم بكتابة على الشاشة "برلين هي أنقرة"، ولاحقًا عندما تقرر الشخصيات الانتقال إلى اسطنبول يُكتب "هامبورغ هي اسطنبول". هذا الاختيار ربما وراءه عدة أسباب، وقد شاهدنا الكثير من الأفلام التي تُصور في بلاد أخرى لأسباب إنتاجية أو لوجستية، لكن عادة ما يحرص صناع الأفلام على مداراة هذا الاختلاف عن أعين المشاهد، بينما نجد أن إلكر تشاتاك اتجه للعكس تمامًا، إذ أوضح منذ البداية أنه يصور في مُدينتين ألمانيتين، لكنك كمشاهد عليك أن تتعامل معهما كأنهما في تركيا. لا يكون الأمر صعبًا بالنسبة لشخص لم يعش في تركيا أو ألمانيا، إذ أن الشخصيات جميعها تتحدث اللغة التركية، لكن هذا لا يمنع أن تظهر على الشاشة من وقت لآخر عبارة باللغة الألمانية على أحد المباني، يستغلها المخرج في الأحداث.

في هذه الحالة يحول المخرج هذا الاختيار إلى الجانب الفني بقوة، مُطوعًا إياه لخدمة موضوع الفيلم، فبينما يبدو أننا أمام مناقشة حادة للحريات في تركيا، يشتبك الفيلم أيضًا مع النظام الألماني حتى وإن كان بشكل غير مباشر، وبالتأكيد يترك المخرج للمشاهد حرية أن يتخيل بنفسه مسرح الأحداث المناسب.

فيلم رسائل صفراء الحائز على الدب الذهبي بمهرجان برلين 2026

"رسائل صفراء" هو فيلم عابر للمكان، ليس فقط لما يُكتب على الشاشة داخل أحداثه، بل لأن أفكاره بالذات في الوقت الحالي تجعله فيلم مثير للتفكير، حتى وإن كانت بعض الخيارات الفنية غير موفقة، خاصة في فصل الفيلم الأخير الذي اهتم فيه المخرج بجانب الأسرة أكبر من القضية نفسها التي بدأ الفيلم منها، وإن كان هذا لم يقلل من التأثير الذي يتركه الفيلم في النهاية.