الشيف مارغريتا فاموندي لـ"هي": جوهر الطهي التواصل وخلق الذكريات.. ويُلهمني التطور السريع لمجال الطهي في دبي
لماذا يختار البعض مهنة الطهي؟
الجواب الأول الذي سيأتي على البال: لأنهم يحبون الأكل؛ وهي إجابةٌ محقة، ومن منا لا يحب تناول أشهى الأطباق والأطعمة؟
لكن خيار أن تصبحي طاهيةً، لا يأتي من عبث؛ بل هو وليد ذكرياتٍ تعيشينها مع كل طبق، مع كل رائحة شهية تلتمسينها فور عودتكِ من المدرسة أو اللعب، ومع كل مكونٍ تحوَل بين يديكِ إلى تحفةٍ فنية، غنية بالحب والشغف والطعم الخلاب.
ضيفتنا اليوم من فنزويلا، شيف مفعمة بالأمل والأفكار الخلَاقة وجدت شغفها في المطبخ؛ فاجتهدت لتحويل هذا الشغف إلى مهنة، تُقدم من خلالها أحلى وأجمل الأطباق التي تُخلَف أثرًا بالغًا في كلَ من يتذوق أكلاتها. الشيف ماغريتا فاموندي، رئيسة الطهاة في مطعم Soul Kitchen ضيفة محررة تذوق على "هي".
مرحبًا بكِ مارغريتا معنا اليوم على موقع "هي"؛ أخبرينا المزيد عن نفسكِ: بداياتكِ، تعليمكِ، إلخ.

شكرًا جزيلًا على الاستضافة، ويسعدني التحدث معكم على "هي"..
أنا في الأصل من فنزويلا، حيث بدأتُ رحلتي كطاهية. درستُ الفنون الجميلة في الجامعة وتخرجت؛ ولكن في منتصف دراستي، دعتني صديقة، كانت تعلم مدى حبي للطبخ، لتجربة عملٍ في المطعم الذي كانت تعملُ فيه كطاهية حلويات. غيّرت تلك التجربة كل شيء؛ أدركتُ حينها فورًا أن هذا ما أستطيع ممارسته لبقية حياتي. أحببتُ ضغط العمل، حماس الخدمة، الفوضى المُنظَمة في المطبخ، وكيف يمكن للطاهية أن تُحوّل كل ذلك إلى نظام.
لطالما كان الطبخ جزءًا من حياتي، فقد كنتُ أمارسهُ في المنزل منذ صغري، ولكن في تلك اللحظة أدركتُ أنه مهنةً لي. أكملتُ دراستي، ثم كرستُ نفسي بالكامل للمطبخ؛ وبعد مضي عشرين عامًا، ما زلتُ أعشق مهنتي.
متى اكتشفتِ رغبتكِ في أن تصبحي طاهية؟
اكتشفتُ رغبتي في احتراف الطبخ في وقتٍ متأخر من حياتي، لكن حبي للطبخ كان متأصلاً فيّ منذ الصغر؛ كان جميع أفراد عائلتي يدركون ذلك ويشجعونني عليه.
من أجمل ذكرياتي تلك التي تعود إلى طفولتي المبكرة، قبل أن أبلغ الخامسة من عمري، حين كنتُ أطبخ مع والدتي وهي تُعدّ الغداء، أو مع والدي عندما كان يُحضّر طبقاً مميزاً في عطلات نهاية الأسبوع. كان أجدادي أيضاً شغوفين بالطعام، وبعض وصفات عائلتنا تعود لأكثر من قرن. نشأتُ وأنا أشاهد برامج الطبخ، بل وكنتُ أتخيل أن لديّ برنامجي الخاص في مطبخ جدتي. كان الطبخ حاضراً دائماً، لكنني احتجتُ لبعض الوقت لأدرك أن بإمكاني تحويل هذا الشغف إلى مهنة.
من أو ما الذي ألهمكِ، لتحوَلي هذا الحب إلى مهنة؟
لم يكن مصدر إلهامي الأكبر طاهياً واحداً، بل تجربة مشاركة الطعام. في طفولتي، كان الطبخ دائماً يؤدي إلى تلك اللحظة التي نجتمعُ فيها جميعاً حول المائدة. وبعد تناول الطعام، يأتي ما نسميه بالإسبانية "لا سوبرميسا"، ذلك الوقت الذي نقضيه في الحديث، الضحك، النقاش واستعادة الذكريات. كان الطعام هو سبب تجمع الناس، فهو ما يخلقُ الذكريات.
هذا، في رأيي، هو جوهر الطبخ، فهو يتجاوز مجرد التغذية، إنه يتعلق بالتواصل وخلق الذكريات.
كيف تصفين أسلوبكِ العام في الطبخ؟
أسلوبي في الطبخ قائمٌ على سرد القصص. الكثير من ذكرياتي منذ الصغر مرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بالطعام، وغالبًا ما أستلهمُ منها.
أستمتعُ بإيجاد طرقٍ مبتكرة للتعامل مع المكونات والتقنيات، ولكن دائمًا بهدف سرد قصة أو خلق ذكرياتٍ جديدة لمن يتناولون طعامي.
ما الذي يؤثر على طعامكِ، من حيث المكونات وطرق التحضير وغيرها؟
يتأثر طعامي بتجاربي، ليس فقط في فنزويلا، بل في كل مكانٍ عشتُ أو عملتُ فيه أو سافرتُ إليه.
عندما تكتشفين مكونًا أو أسلوبًا جديدًا يعجبكِ، فإنه يُلهمكِ الأفكار تلقائيًا. أميلُ بشدة إلى المكونات والمأكولات اللاتينية، وأحبُ أن أُري الناس مدى تنوع وروعة طعامنا.
هل أثبتت النساء وجودهنّ بالفعل في عالم الطهي وتناول الطعام، وما العقبات التي لا تزال تعترض طريقكنّ؟
لا تزال النساء تُثبتن وجودهنّ في عالم الطعام. نشهد ازدياداً في عدد الطاهيات كل عام، وهو أمرٌ مُشجع، ولكن عندما يتعلق الأمر بالجوائز الدولية والتقدير الكبير، لا يزال هذا القطاع يهيمن عليه الرجال إلى حدٍ كبير.
التغيير جارٍ، ولكنه بطيء. لذا، من الضروري أن تدعم النساء بعضهنّ بعضاً، وأن يخلقنَ بيئات عملٍ أكثر أماناً، وأن يشجعنَ بعضهنّ على التقدم. لا يزال على بعض الرجال أن يتقبلوا، لا أن يتسامحوا فقط، مع وجود النساء في هذا القطاع ومكانتهنّ فيه؛ ولا يزال الحد من السلوكيات السلبية والتحيَز أحد أكبر التحديات التي نواجهها.
العمل جنبًا إلى جنب مع طهاة عالميين، ما الذي أضافهُ إلى شخصيتكِ وخبرتكِ في الطبخ؟
لقد ساهم العمل مع طهاة عالميين في تشكيل شخصيتي الحالية. علَمني الانضباط والالتزام، وأهمية اتخاذ قرارات مدروسة يوميًا، حتى في أبسط المهام. كما دفعني ذلك إلى تطوير مهاراتي القيادية لأصبح القائد الذي يستحقهُ فريقي.
تتميز مطابخ أمريكا اللاتينية بتنوعها الغني؛ ما الذي يُميَزها تحديدًا، وكيف تصفين لنا المطبخ الفنزويلي؟
يتميز المطبخ اللاتيني بتنوعه المذهل، الذي تشكلَ بفعل حضاراتٍ عريقة كحضارات الإنكا، المايا والأزتيك، فضلاً عن التاريخ الاستعماري الإسباني والتأثيرات الأفريقية. يُقلَل الكثيرون من شأن مدى تجذَر المكونات والتقنيات والثقافة الأفريقية في الطعام اللاتيني، بل وفي الموسيقى والرقصات والطقوس والتقاليد. كما أننا ننعم بتنوعٍ بيولوجي استثنائي: بحار الكاريبي، جبال الأنديز، غابات الأمازون، والسهول الشاسعة. مكوناتٌ مثل الذرة، الطماطم، الشوكولاتة والبطاطس نشأت في منطقتنا وأصبحت اليوم عالمية.
يعكس المطبخ الفنزويلي كل هذا التنوع، بنكهاتٍ استوائية من ساحل الكاريبي، أطباق أنديزية دسمة، مكونات أمازونية من الجنوب، ونكهات غنية من السهول. إنه جريء، مريح، مُعبر، وصريح، تماماً كثقافتنا.
كيف تعرفتِ على دبي، وما الذي يلهمكِ في هذه المدينة؟
كنت أعملُ في الأرجنتين عندما عُيّن زميلٌ لي للانتقال إلى دبي. أصرّ على أن أتقدم بطلبٍ للعمل في الفندق نفسه؛ ورغم ترددي، أرسلتُ سيرتي الذاتية. بعد شهرٍ ونصف، كنت على متن طائرة متجهة إلى هنا، وكان ذلك في عام 2013.
ما يُلهمني في دبي هو مشاهدة التطور السريع الذي شهده مشهد الطهي، الفرص التي تُوفَرها المدينة، وطموحها الدائم للتحسين. غادرتُ لبضع سنوات للعمل في كاليفورنيا، لكنني سرعان ما عدتُ وبقيتُ هنا منذ ذلك الحين.

ما الذي تخبرينا به عن منصبكِ كرئيسة طهاة في مطعم سول كيتشن دبي وجميع مشاريع فاكتوري بيبول؟
انضممتُ إلى سول كيتشن وفاكتوري بيبول كرئيسة طهاة، وكُلِّفتُ بابتكار أول مشروع طهي للشركة وخارج بيروت. تعاونّا معًا في ابتكار الفكرة، ثمّ قمتُ بتطوير قائمة الطعام بالكامل، انطلاقًا من بحثٍ في التاريخ المشترك بين ثقافتي أمريكا اللاتينية ولبنان.
ما بدأ كفضولٍ تحوّل إلى استكشافٍ معمّق للهجرة، الصمود، وفكرة إيجاد وطنٍ بديل، وهو أمرٌ يُلامس الكثيرين في دبي. بعد رحلةٍ بحثية إلى بيروت، عدتُ إلى دبي وبدأتُ بتجربة مزج المطبخين؛ وكانت النتائج مُبهرة. اليوم، أعملُ على مستوى المجموعة كرئيسة طهاة، حيثُ أُطوّر مفاهيم جديدة وأُحيي مشاريع مُلهمة.
أُشارك حاليًا في تطوير العديد من المفاهيم ضمن مجموعة فاكتوري بيبول، لكلٍّ منها سردٌ قوي وهوية طهي مميزة. وينصبّ تركيزي على ابتكار مشاريع ذات مغزى ثقافي، أثر عاطفي، استدامة تشغيلية، ومفاهيم تنبض بالحياة، لا مجرّد مواكبة للموضة.
ما هي مشاريعكِ المستقبلية للعمل الحالي؟
تشمل مشاريعنا المستقبلية، إنشاء مطعم على السطح في فندق 25hr Hotel في One Central، وكذلك افتتاح Soul Kitchen في بيروت.
ما الذي يتوقعه روَاد مطعم Soul Kitchen عند زيارتهم المطعم؟
يُمكن لضيوفنا أن يجدوا الدفء والكرم، وأن يستمتعوا بقصصٍ تُروى من خلال مأكولاتنا ومشروباتنا.
لا يقتصر مطعم Soul Kitchen على مزج المأكولات فحسب، بل هو تجربةٌ تُجسّد التراث المشترك والحنين إلى الماضي والراحة. إنها تجربةٌ نابضةٌ بالحياة، مُرحّبة، ومتجذّرةٌ في الثقافة، حيث يبدو الطعام مألوفًا ومُفاجئًا في آنٍ واحد. يتميّز التصميم بالدفء والحيوية والبساطة، وهو مساحةٌ ثقافيةٌ تزخر بالموسيقى الرائعة والفنون المعروضة في أرجائها.
كيف تُصمَم مارغاريتا قوائم الطعام؟
يبدأ تصميم قوائم الطعام دائمًا بقصة. أبحثُ، أتأملُ وأبني سردًا أولًا، ثم أترجمهُ إلى نكهاتٍ وقوام وتقنيات. التوازن أساسي بين الإبداع وسهولة الوصول، وبين العاطفة والتنفيذ.
ما هي برأيكِ، الأدوات الأساسية للطاهي الناجح؟
الفضول، الانضباط، التواضع، والمثابرة. المهارات التقنية مهمة، لكن العقلية والقيادة لا تقلَ أهمية.
ما الشيء لا يمكنكِ الاستغناء عنه في المطبخ؟
فريق عمل موثوق؛ الطبخ ليس عملاً فردياً أبداً.
كيف تُديرين الصراع والمنافسة بين طاقم المطبخ؟
من خلال التواصل، الإنصاف والقدوة الحسنة. المنافسة الصحية أمرٌ جيد، لكن الاحترام والعمل الجماعي يأتيان دائمًا في المقام الأول. لا أشجعُ على بيئةٍ عدائية، فهذه المهنة صعبة ومُرهقة بطبيعتها، ولا داعي لتفاقم الوضع وجعله أمرًا طبيعيًا.
باتت التكنولوجيا اليوم عنصرًا أساسيًا في كل مجال عمل؛ كيف تؤثر، برأيك، على الطبخ إيجابًا وسلبًا؟
من الناحية الإيجابية، تُحسّن التكنولوجيا الكفاءة، الاتساق والتواصل؛ أما من ناحية سلبية، لا ينبغي لها أبدًا أن تحلَ محل الحرفية أو الحدس أو التواصل الإنساني. هناك جدلٌ واسع هذه الأيام حول الذكاء الاصطناعي ومستقبل دوره في صناعتنا، مع أنه غير مستدام بيئيًا. يجب تحقيق التوازن بين فهم استخداماته وحدوده، والحفاظ على العنصر البشري في المقام الأول.
ما هي طموحاتكِ المستقبلية كطاهية محترفة؟
أطمحُ لمواصلة بناء مفاهيم هادفة، توجيه الطهاة الشباب، ورواية القصص من خلال الطعام، مع الحفاظ على الفضول والرغبة في التطور.
في الختام؛ ماذا تنصحين الطهاة الجدد عبر موقع "هي"؟
تحلّوا بالصبر والتواضع، واطبخوا بإتقان. الموهبة مهمة، لكن المثابرة أهم.
أحيطوا أنفسكم بأشخاصٍ يُلهمونكم ويشاركون قيَمكم. وتذكروا أنه بإمكانكم التعلّم من أي شخص، في أي مرحلةٍ من مسيرتكم المهنية. وأخيرًا، لا تأخذوا الأمور على محملٍ شخصي، فهذه مهنةٌ صعبة، وقد تكون دروسها قاسية، لكنها تُصقل شخصيتكم.