الشيف باسكوالي روفينو لـ"هي": الطهو كان نداءًا وليس خيارًا.. وأسلوبي إيطالي حديث بروح نابوليتانية
قلةٌ هم الناس الذين يستطيعون تحديد مستقبلهم المهني منذ عمرٍ صغير، إلا في بعض المهن التي تظهر بوادرها الأولى في سنٍ مبكرة، مثل تصميم الأزياء والطهو.
ويُعدَ الطهي أحد أبرز الخيارات الجميلة المرتبطة عادةً بالعائلة؛ حيث يتنشق الصغار رائحة أشهى الأطباق المحبَبة إلى قلوبهم، يتعلمون سحر إعداد الأكلات الشهية من أمهاتهم وجداتهم، ويبدأون تطبيق وصايا الطهي الجيد منذ نعومة أظفارهم.
الشيف باسكوالي روفينو هو واحدٌ من هؤلاء الأشخاص، الذين وجدوا شغفهم وحبهم للطهي في مطبخ العائلة؛ ومع التعلَم والخبرة، بات اليوم يتبوأ أعلى المناصب في العديد من المطاعم الراقية، آخرها منصب الطاهي التنفيذي لمطعم نوفيسينتو، دبي.
كان ل "هي" هذا اللقاء الممتع مع الشيف روفينو، حيث أخذنا معهُ في رحلةٍ إلى مدينته نابولي، سحر البيتزا وغيرها من الأسرار التي اختزنها طيلة سنوات عمله في الطهي..

أهلًا بكَ شيف روفينو على موقع "هي"؛ حدثنا عن بدايتكَ، طفولتكَ، تعليمكَ ومن أثرَ في نشأتكَ.
ولدتُ في نابولي ونشأتُ في بيتٍ كان الإبداع فيه جزءًا من الحياة اليومية. عائلتي خليطٌ من فنانين، مطربين وبنائين؛ أناس يصنعون إبداعاتٍ بقلوبهم قبل أيديهم. في بيتنا كان الطعام محور كل شيء، الأحد يعني مائدة ممتدة، وقصصٌ تتوارث مع الوصفات.
بينما كان الأطفال يلعبون في الخارج، كنتُ أقفُ في المطبخ إلى جوار أمي وجدتي، أراقبُ الراغو وهو يُطبخ على مهل، أساعدُ في صنع كرات اللحم والمعكرونة بالفرن وصدف البحر بالثوم وزيت الزيتون. هناك بدأتُ علاقتي بالطعام، لا كمهنة، بل كلغة للدفء والحب.
في سن الرابعة عشرة، غادرتُ المنزل إلى روما للدراسة في مدرسة مهنية للطهي. طوال الأسبوع كنتُ غارقاً في الدراسات التقنية والنظرية، وفي عطلة نهاية الأسبوع أعودُ إلى البيت لأجرب، أخطئ، وأكرر. تلك السنوات صنعت احترامي للتقاليد وفضولي لتطويرها.
متى اكتشفتَ أنك تريدَ أن تصبح طاهياً؟
مبكراً جداً، تقريباً بالفطرة. لم أشعر أن الطبخ خيارٌ بل نداء؛ أحببتُ فكرة أن الطعام قادرٌ على جعل الناس أكثر طمأنينة، سعادة وقرباً. حتى عندما لم تكن أطباقي مثالية، كان الشغف موجوداً، وكنت أعرفُ أن هذا هو طريقي.
ما، أو من، مثّل الإلهام في رحلتكَ؟
عائلتي، أمي وجدتي تحديداً. منهما تعلمتُ أن الطعام كرمٌ، صبر واحترام للمكون. مهنياً، كانت التجارب في مطابخ حاصلة على نجوم ميشلان هي التي صقلت الانضباط ورفعت معاييري، لكن الأساس العاطفي يأتي من المنزل.
كيف تصف أسلوبكَ في الطهي اليوم؟
إيطالي حديث بروح نابوليتانية. أسلوبي قائم على الجذور، تقنيات كلاسيكية، مكونات نظيفة، ونكهات مألوفة؛ لكن بلمسة متوازنة، دقيقة وأنيقة. لا أطبخُ لأُبهر، بل لأتواصل. الراحةٌ مهمة، لكن الرقي كذلك؛ يجب على كل طبق أن يكون دافئاً، مقصوداً ولا يُنسى.
تمتلك إيطاليا واحدة من أغنى الثقافات الغذائية في العالم. كيف ساعدتكَ هذه الثقافة في صياغة فن الطهي لديك؟
المطبخ الإيطالي يُعلَمكِ التواضع، ويُعلَمكِ أن البساطة قوةٌ حين تُحترم المكونات. في نابولي، أدركتُ أن الطعام ليس بحاجة للتعقيد ليكون عظيماً، بل يحتاج إلى مزيدٍ من الصدق.
رافقني هذا المبدأ في كل مكان، جعلني أحترم المنتج، أفهم طبيعة الموسم، وأدعَ النكهات تتكلم بوضوح. إيطاليا منحتني الأساس؛ في حين أن السفر والخبرة جعلا الصورة أكثر دقة.

نابولي هي مهد البيتزا. ماذا تعني لكَ البيتزا؟
البيتزا هوية، في نابولي البيتزا ليست موضة بل ثقافة، تاريخ وحياة. قواعدها مقدسة، تخمير العجين، الحرارة، التوازن، والاقتصاد في التفاصيل. حين تُصنع كما يجب، تصبحُ واحدةً من أنقى تجليات المطبخ الإيطالي. في نوفيسينتو، نسعى لاحترام هذا الإرث مع مواءمته لذائقة ضيوفنا وبيئتنا، دون أن يفقد روحه المميزة.
عملتَ في مطابخ تحمل نجوم ميشلان. ماذا أضافت لكَ هذه التجربة؟
مطابخ ميشلان تُعلَم الانضباط، الثبات والتواضع؛ إنها تشحذُ مهارة الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة وتجعلكِ ترين أن التميَز فعلٌ يومي، وليس مناسبة استثنائية، لكنها علَمتني أيضاً أن الدقة لا يجب أن تنتزع الدفء. أجمل الأطباق هي تلك التي تحمل شعوراً دافئاً ومألوفاً خلفها.
تقودُ اليوم مطبخ نوفيسينتو. ما الذي يحمَسكَ في هذه المرحلة؟
نوفيسينتو مميز لأنه يسمحُ لي أن أقدم المطبخ الإيطالي كما يُفترض أن يُعاش: مشاركة، حميمية، وحياة مليئة بالتفاصيل.
هنا؛ لا أعدَ أطباقاً فقط، بل أصنعُ تجربةً كاملة لتحكي قائمة الطعام ذكريات ولحظات، وتُعبَر عن تقاليد أصيلة، من غداء العمل إلى عشاء العائلة، ومن ساعة الأبيريتيفو (6-8 مساءً) إلى الاحتفالات. نوفيسينتو هو لمسة من الأناقة اليومية، وهذا ينسجم تماماً مع فلسفتي.
كيف تبدأ عملية تصميم قائمة الطعام في نوفيسينتو؟
أبدأُ من الشعور، ثم أبني الهيكل.
كل قائمة طعام أصنعُها تبدأُ بهذه الأسئلة: من هو الضيف؟ لماذا هو هنا اليوم؟ وما اللحظة التي نصنعها؟ بعدها أوازنُ بين الخفيف والغني، الكلاسيكي والموسمي، المألوف والمفاجئ.
القائمة الجيدة تقودُ الضيف بلا جهد، ويجب أن تكون كريمة، واضحة وواثقة، دون إزعاج.
ما هي برأيكَ، أدوات الطاهي الناجح اليوم؟
الانضباط، الفضول والقيادة.
المهارة التقنية مهمة، لكن العقلية أهم. على الطاهي أن يُلهم فريقه، يدير الضغط، يحافظ على الهدوء، ولا يتوقف عن التعلَم. الاحترامُ في المطبخ ينعكسُ على الطبق.
ما الذي لا يمكنكَ الاستغناء عنه في المطبخ؟
زيت زيتون جيد، سكاكين حادة، وفريق يجيد التركيز؛ الباقي يمكن تدبيره.
كيف تديرُ الضغط والخلاف في المطبخ؟
بالوضوح والاحترام. المطابخ من الأماكن المشحونة وهذا طبيعي، لكن التوتر لا يجب أن يصبح ساماً. التواصل، التنظيم والقيادة، مع وجود قدوةٍ يُحتذى بها، هي الأساس. حين يشعرُ الفريق بالدعم، تأتي النتيجة إيجابية.
كيف ترى دور التكنولوجيا في الطهي الحديث؟
التكنولوجيا أداةٌ من ضمن الأدوات وليست بديلًا عن الحدس والشعور الداخلي. إنها تُسهَل الثبات، الكفاءة والتنظيم، لكن روح الطهي ستبقى بشرية. الذوق والحدس والخبرة لا يمكن أتمتتها.
ما هي طموحاتكَ المستقبلية كطاهي؟
أن أستمرَ في النمو دون أن أفقدَ صلتي بالجذور. أن أعمقَ حرفتي، أوجهَ الطهاة الشباب، وأصنعَ طعاماً صادقاً وقادراً على لمس الناس. النجاح بالنسبة لي هو الاستمرار بنزاهة.
ما النصيحة التي يمكنكَ إعطائها للطهاة الشباب ممن بدأوا رحلتهم للتو، عبر موقع "هي"؟
الصبر واحترام الرحلة. تعلَموا الأساسيات قبل محاولة تجديدها؛ اعملوا بجد، ابقوا متواضعين، ولا تنسوا لماذا بدأتم الطهي في المقام الأول، فالطبخ ليس تمحوراً حول الذات، إنما حول العطاء والسخاء.