الشيف روبرتا دي ساريو لـ"هي": بدأتُ رحلتي كطاهية بيتزا في سنٍ مبكرة.. ودبي منصةٌ للنمو والإلهام
بينما تُعتبر روما قلب إيطاليا النابض، فإن نابولي هي روحها فهذه المدينة الساحرة هي مهد البيتزا، الطعام المُفضّل لدى العالم، ومسقط رأس الشيف الشابة والطموحة روبرتا دي ساريو.
بشغفها وحبها العميقين لمدينتها الأم وتقاليدها الطهوية، أمضت الشيف روبرتا أكثر من عقدٍ من الزمان بصقل مهاراتها في بعضٍ من أبرز مدن الطعام في العالم، من نابولي إلى باريس، والآن دبي.
تحدثت إلينا روبرتا عن بداياتها، إلهامها في المطبخ، والأشياء التي تطمح بعد لتحقيقها في مجال الطهي؛ إليكِ المقابلة الجميلة كاملةً على موقع "هي"..
أهلًا وسهلًا بكِ روبرتا على موقع "هي" اليوم؛ أخبرينا المزيد عنكِ: بداياتكِ، تعليمكِ، إلخ.
شكراً على الإستضافة؛ بدأتُ رحلتي كطاهية بيتزا في سنٍ مبكرة؛ في الخامسة عشرة من عمري، كنتُ أذهبُ للمدرسة صباحًا، أعملُ بعد الظهر، وأدرسُ حتى وقتٍ متأخر من الليل. لطالما أحببتُ الأرقام والكيمياء - فهما دقيقان ولا يخطئان أبدًا.
متى أدركتِ أنكِ تريدين أن تصبحي طاهية؟

في اللحظة التي وطأت فيها قدمي مطعم بيتزا لأول مرة، شعرتُ بانجذابٍ شديد - كنتُ أعرفُ ذلك فورًا. في ذلك الوقت، لم يكن مسموحًا لي بدخول المطبخ (كان يُعتبر مكانًا للرجال)؛ لذلك بدأتُ كغاسلة أطباق. كان عليّ أن أتعلم كيف أتحرك وأعمل مثلهم؛ كنتُ أراقب كل حركةٍ يقوم بها الطهاة وأدوّن الملاحظات، لكن الأمر لم يكن سهلًا. قالوا لي إن المرأة لا تستطيع القيام بعمل الرجل؛ لذلك راقبتُ عن كثب، وكنتُ أطرح الأسئلة من حين لآخر.
من/ما الذي كان مصدر إلهامكِ الرئيسي لتصبحي طاهية؟
نحن سكان نابولي، نُولد طهاةً صغار. وبوجود الجدات والأمهات والعمات في المطبخ باستمرار، تمتلئ منازلنا بروائح شهية. لكنني أؤمن أن الإلهام الحقيقي ينبع من متعة تناول الطعام، من متعة التذوق. في نابولي، نعتبرُ إن أفضل طريقةٍ للتعبير عن الحب هي الطبخ.
كيف تصفين أسلوبكِ في الطبخ بشكلٍ عام؟
أطبخُ كما تُروى القصص: بأيدٍ ثابتة، قلبٍ مفتوح، واحترامٍ عميق لجذوري النابولية. أسلوبي نابع من التقاليد؛ إنه مطبخٌ ينبض بالبساطة - لا يحتاج إلى مؤثرات خاصة ليؤثر فيكِ. العجين يحكي قصة وقتٍ، عناية وكرم متوارث عبر الأجيال؛ وكل مكون يتم اختياره بعناية.
لا تسعى البيتزا التي أقدمها إلى الإبهار بالإسراف، بل بالتوازن؛ إنها نابولي تلتقي بالعالم. أريدُ أن أجمع بين تقنيات كبار الطهاة ودفء الطبخ المنزلي في كل طبق.
ما الذي يؤثر في طعامكِ، من حيث المكونات والأساليب وغيرها؟
وُلدتُ في نابولي، قلب إيطاليا ومهد البيتزا، ونشأتُ مُحاطةً بثقافتها الغذائية الغنية. وقد شكّل هذا نهجي بالكامل في اختيار المكونات، تشكيل العجين، وفلسفتي في الطهي.
تدربتُ على يد أشهر طهاة البيتزا؛ علّمني أساتذتي فلسفة البساطة: استخدام عددٍ قليل من المكونات عالية الجودة لخلق نكهاتٍ نقية وأساسية، والاعتماد على الطرق التقليدية دون أي إضافاتٍ غير ضرورية.
بفضل خبرتي، أركَزُ على التخمير الطويل، الترطيب المناسب، والخبز على درجات حرارة تتراوح بين المتوسطة والعالية، وتقنيات نابولي الكلاسيكية والحديثة. منحتني خبرتي الدولية، وخاصةً عملي في هونغ كونغ (في مطعمي موتورينو وفالكوني) حساسيةً تجاه الأذواق العالمية، القدرة على تكييف التقاليد مع السياقات الجديدة، ورؤيةً أوسع في فنون الطهي.

هل أثبتت النساء وجودهنّ فعلاً في عالم المطابخ والمطاعم، وما العقبات التي لا تزال تعترض طريقكنّ؟
نعم أثبتت النساء وجودهنّ بكل تأكيد؛ ليس فقط من خلال الموهبة، بل أيضاً من خلال الصمود. فعلى مرّ الأجيال، حملت النساء ثقافة الطعام على عاتقهنّ، وغالباً دون تقدير. اليوم، تتزايد أعداد النساء اللاتي يفرضنَ وجودهنَ في عالم الطهي؛ فيقُدن المطابخ، يفتتحن المطاعم، ويُساهمن في تشكيل فن الطهي بأصواتهنَ الخاصة.
لكن لا تزال هناك عقبات. ما زلنا نواجه الصور النمطية، ونضطر لبذل جهدٍ مضاعف لنُؤخذ على محمل الجد، وما زلنا نُحارب فكرة أن قيادة المطابخ حكرٌ على الرجال. يُضاف إلى ذلك تحدي الموازنة بين الحياة الشخصية ومهنةٌ تتطلب كل شيء: الوقت، الطاقة، والعاطفة.
بالنسبة لي، هذه العقبات لا تُثني عزيمتي، بل تُقوّيني. كل طبقٌ أُبدعه، وكل مشروعٌ أُنجزه، هو وسيلةٌ لفرض وجودي، ليس فقط لنفسي، بل أيضًا للنساء اللاتي سيأتينَ بعدي. نحن هنا، نحن قويات، ولن نرحل.
فتاةٌ إيطالية وُلدت في نابولي: سمتان مميزتان. كيف تصفين بلدكِ، ومدينتكِ تحديدًا، من حيث الطعام؟
نابولي أجمل مدينة في العالم، وطعامها... العالم أجمع يتحدث عنه. إذا لم تسمعي بمطبخنا من قبل، أنصحكِ بحجز رحلة إلى نابولي!
بصفتكِ خبَازة بيتزا في مسقط رأسكِ، ما الذي أضافتهُ لكِ هذه التجربة؟
يستحقُ كل شخص في العالم بعض الحب، ومشاركته مجانية. الابتسامات، والفرح الذي يُقدم على طبق ويستمتع به الضيوف - هذا ما يملأُ قلبي سعادةً كل يوم.
لماذا، برأيك، يُحب الناس حول العالم البيتزا؟
البيتزا تجمعُ الناس؛ كل قضمةٍ منها هي جرعة من الإندورفين تملأكِ بالسعادة!
بانتقالك من مدينةٍ إلى أخرى، ما الذي أضافتهُ لك تلك الرحلة؟ وكيف وظَفتِ هذه الخبرة المتراكمة في طهيكِ؟
أثرتني رحلاتي بين المدن بمجموعةٍ واسعة من التأثيرات: نكهات جديدة، تقنيات مختلفة، وطرق لفهم الناس من خلال الطعام. قدمَ لي كل مكان شيئًا فريدًا - درسًا، أو تقليدًا، أو قصة.
أوظفُ هذه التجربة في طهيّ، من خلال مزج كل ما اكتشفتهُ مع جذوري النابولية، لأبتكرَ أطباقًا مألوفة وفي الوقت نفسهُ، نابضةً بالحياة بشكلٍ غير متوقع. أصبح طعامي انعكاساً لرحلتي: متعدد الطبقات، معبر، ومتأثر بكل مدينة ألهمتني.
الآن وقد وصلتِ دبي؛ كيف وجدتِ المدينة، وما خططكِ لها؟
أُعجبتُ بدبي فورًا، فهي مدينةٌ نابضة بالحياة، طموحة، ومفعمة بالتنوع الثقافي. إنها مدينةٌ تحتفي بالتنوع، ترحبُ بالأفكار الجديدة، وتعتبرُ الطعام لغةً عالمية - بيئةٌ مثالية لشخصٍ يزدهر بالإبداع والتواصل الإنساني.
خططي طموحة، لكنها متجذرة في شخصيتي. أريدُ أن أشارك تراثي النابولي مع مزجه بالتأثيرات العالمية التي تقدمها هذه المدينة. ومن خلال التعاون والتدريس، أهدفُ لتقديم بيتزا أصيلة وشهية لمدينةٍ تعشقُ الابتكار. بالنسبة لي، دبي ليست مجرد فصلٍ جديد في حياتي؛ إنها منصةٌ للنمو والإلهام وترك بصمتي.
كيف تُصمّمين قوائم الطعام؟
أُفعلُ ذلك بالانطلاق من شعور، وليس من مُكوّن. أسألُ نفسي: ما القصة التي أريدُ سردها؟ ما الذكرى التي أرغب باستحضارها؟ وكيف أريدُ أن يشعر الناس مع اللقمة الأولى؟ من هنا، أُصمّمُ كل طبق وفقًا للموسمية، البساطة والأصالة، مع الالتزام دومًا بجذوري.
بالنسبة لي، قائمة الطعام هي حكاية، رحلة، ووسيلة للتواصل مع الناس من خلال النكهة، الملمس والدفء.
ما هي برأيكِ، الأدوات الأساسية للطاهي الناجح؟
أهم أدواتي هي الشغف والتواضع. الشغف يُبقي جذوة الإبداع متقدة، والتواضع يُبقيني مُتعلمة. ومعًا، يُشكّلان الطاهي الذي أسعى لأكونهُ كل يوم.
ما الشيء لا تستغني عنه روبرتا في المطبخ؟
يديّ، قلبي... وبالطبع، زيت الزيتون، الطماطم والريحان.
كيف تُديرين الخلافات والمنافسة بين فريق المطبخ؟
أُذكّرُ فريقي بأن المنافسة صحية، ولكن فقط عندما تدفعنا للتطور، لا عندما تُحبطنا. أُشجعُ التعاون، أقدّرُ نقاط القوة الفردية، وأحرصُ على أن يشعر كل فردٍ بالتقدير. عندما يشعرُ الناس بالتقدير، يُبدعون في عملهم ويقلّ الخلاف بينهم.
جميعنا هنا لنفس الهدف: أن نطبخ بقلوبنا ونقدم ما نفخرُ به؛ عندما يدركُ الفريق ذلك، يعمل المطبخ كفريقٍ واحد.
أصبحت التكنولوجيا ركيزةً أساسية في مجال كل عمل؛ كيف تؤثر، برأيكِ، على الطبخ؛ إيجابًا وسلبًا؟
تساعدني التكنولوجيا على العمل بدقةٍ وكفاءة أكبر، وتربطني بأشخاصٍ يُحبّون طعامي. لكن إذا اعتمدنا عليها بشكلٍ مفرط، فإننا نخاطرُ بفقدان اللمسة الإنسانية - الأيدي، الحدس، والروح التي تجعلُ الطبخ حقيقيًا. بالنسبة لي، التكنولوجيا مفيدة، لكن التقاليد والحدس يبقيان دائمًا في المقام الأول.
ما هي طموحاتكِ المستقبلية كطاهية محترفة؟
طموحاتي بسيطة: الاستمرارُ في النمو، التعلم ومشاركة شغفي مع العالم. أحلمُ بإنشاء مكانٍ يعكس هويتي تمامًا، حيث تجتمع جذوري النابولية، أسفاري وخبراتي في كل طبق.
أريدُ الاستمرار في توجيه الطهاة الشباب، التعاون مع طهاةٍ من ثقافاتٍ مختلفة، واستكشافُ كيف يربط الطعام بين الناس. أحلمُ بترك بصمةٍ من خلال الطبخ الصادق والنابع من القلب. إذا استطعتُ أن أُلهم ولو شخصًا واحدًا ليشعر بشيءٍ ما من خلال طعامي، فأنا أسيرُ على الطريق الصحيح.
في الختام؛ ما هي نصائحكِ للطهاة الجدد عبر موقع "هي"؟
للطهاة الشباب، أقول: لا تنسوا أبدًا سبب بدايتكم. الطبخٌ جهدٌ وصبرٌ وشغفٌ كبير. ادرسوا، ارتكبوا الأخطاء، تذوقوا كل شيء، ولا تخافوا من البدء من جديد. حافظوا على تواضعكم، فهذه الحرفة تُكتسب بالوقت والممارسة، لا بالتسرع. راقبوا من هم أكثر خبرةً منكم، تعلموا بالملاحظة، ودعوا أنفسكم تسترشدون دون غرور.
وقبل كل شيء، ضعوا قلوبكم في الطبخ؛ الطبخ حب، قد يكون الطبق مثاليًا، لكن بدون مشاعر، لن يصل لأحد. إذا لم يُحرَك مشاعركم، فاعلموا أنه غير صحيح.