البداية كانت مع HUMAIN AI PC.. كيف أصبحت السعودية تبني أدوات الذكاء الاصطناعي التي نستخدمها؟

البداية كانت مع HUMAIN AI PC.. كيف أصبحت السعودية تبني أدوات الذكاء الاصطناعي التي نستخدمها؟

11 سبتمبر 2026

ربما تبدو صورة حاسوب محمول جديد أقل إثارة من مراكز البيانات العملاقة أو نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتصدر الأخبار، لكن HUMAIN Horizon Pro قدّم طريقة أبسط لفهم التحول الذي تشهده السعودية في هذا المجال.

فعندما كشفت شركة "هيوماين" عن الجهاز في سبتمبر 2025، لم تكن الفكرة مجرد إضافة اسم سعودي إلى سوق الحواسيب، بقدر ما كانت محاولة لوضع أجزاء منظومة الذكاء الاصطناعي المختلفة في منتج واحد يصل مباشرة إلى المستخدم.

ومن هنا تصبح القصة أكبر من جهاز جديد. فخلال فترة قصيرة، بدأت تتضح ملامح توجه سعودي ينتقل تدريجيًا من استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي العالمية إلى تطوير النماذج والمنصات والبرمجيات والبنية التحتية التي تعمل عليها هذه التقنيات.

وهو تحول لا يعني أن كل شريحة إلكترونية أو مكوّن في هذه المنتجات أصبح سعودي الصنع؛ فالشراكات مع شركات عالمية مثل Qualcomm وAMD وCisco وMicrosoft تظل جزءًا أساسيًا من الصورة. الجديد هو أن السعودية بدأت تبني طبقات متزايدة من التقنية نفسها: من النموذج اللغوي إلى التطبيق، ومن نظام العمل إلى الحاسوب ومركز البيانات.

من الأجهزة الذكية إلى النماذج اللغوية، تتوسع المنظومة السعودية لتشمل أكثر من طبقة داخل صناعة الذكاء الاصطناعي
من الأجهزة الذكية إلى النماذج اللغوية، تتوسع المنظومة السعودية لتشمل أكثر من طبقة داخل صناعة الذكاء الاصطناعي

حاسوب سعودي التصميم... لكن الأهم ما يحدث داخله

ظهر HUMAIN Horizon Pro للمرة الأولى خلال قمة Snapdragon في هاواي، بمعالج من عائلة Snapdragon X Elite من Qualcomm، مع قدرات لمعالجة تطبيقات الذكاء الاصطناعي محليًا على الجهاز. وقدمت «هيوماين» الجهاز باعتباره مصممًا بذكاء في السعودية بالتعاون الهندسي مع Qualcomm، وليس مجرد حاسوب تقليدي أضيف إليه شعار جديد.

الفكرة التي تستحق التوقف عندها هنا ليست المواصفات وحدها، بل مكان تنفيذ الذكاء الاصطناعي.

فجزء من المهام يمكن أن يجري على الجهاز نفسه، مثل التعامل مع المستندات وبعض عمليات البحث والتلخيص، بدلاً من إرسال كل شيء إلى خوادم بعيدة. أما المهام الأكثر تعقيدًا، فيمكن تحويلها إلى الحوسبة السحابية عند الحاجة. هذه البنية الهجينة أصبحت أحد الاتجاهات الرئيسية في الحوسبة الحديثة، لأنها تجمع بين السرعة والخصوصية من جهة، والقوة الحاسوبية السحابية من جهة أخرى.

وتطورت عائلة الأجهزة لاحقًا لتشمل HUMAIN Horizon وHorizon Ultra الموجهين بصورة أساسية إلى المؤسسات والجهات الحكومية، وكلاهما مصمم في السعودية، مع اعتماد الجيل الحالي على Windows 11 Pro وقدرات مخصصة لمعالجة الذكاء الاصطناعي داخل الجهاز.

HUMAIN Horizon يقدم مثالًا على الانتقال من استهلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى المشاركة في تصميم الأدوات التي تعمل بها.
HUMAIN Horizon يقدم مثالًا على الانتقال من استهلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى المشاركة في تصميم الأدوات التي تعمل بها.

من الحاسوب إلى طريقة مختلفة للتعامل معه

لكن "هيوماين" لم تتوقف عند الجهاز.

في أكتوبر 2025 كشفت الشركة عن HUMAIN ONE، وهي منصة تعتمد على وكلاء الذكاء الاصطناعي لتنفيذ مهام العمل المؤسسية. الفكرة هنا مختلفة قليلًا عن استخدام روبوت محادثة نسأله سؤالًا ثم ننتظر الإجابة؛ إذ يمكن للمستخدم أن يطلب تنفيذ مهمة مرتبطة بالرواتب أو الملفات أو المعرفة المؤسسية، بينما تتولى المنصة الانتقال بين الأنظمة والخطوات اللازمة لتنفيذها.

وبالتوازي، تطور المفهوم إلى HUMAIN OS، الذي تصفه الشركة اليوم بأنه نظام تشغيل قائم على الذكاء الاصطناعي، حيث تصبح «النية» نقطة البداية بدل التنقل المستمر بين التطبيقات والقوائم.

فيمكن للمستخدم أن يكتب ما يريد أو يقوله بالعربية أو الإنجليزية، ثم يحاول النظام تحديد الأدوات والخطوات المناسبة لتنفيذ المهمة. وتقول «هيوماين» إن عددًا من العمليات اليومية يمكن أن يحدث محليًا على الجهاز، مع إمكانية تعطيل المعالجة السحابية في البيئات التي تحتاج إلى ضوابط أكثر صرامة للبيانات.

وربما هنا يظهر أحد أكثر التحولات إثارة للاهتمام في علاقة المستخدم بالحاسوب: بدل أن نتعلم نحن أين يوجد كل أمر داخل كل تطبيق، يحاول الحاسوب أن يفهم ما نريد الوصول إليه أولًا.

نموذج «علّام» يضع اللغة العربية في قلب تجربة الذكاء الاصطناعي، مع دعم أوسع للسياق واللهجات المحلية.
نموذج «علّام» يضع اللغة العربية في قلب تجربة الذكاء الاصطناعي، مع دعم أوسع للسياق واللهجات المحلية.

"علّام".. عندما تصبح العربية جزءًا من بنية الذكاء الاصطناعي

جانب آخر من القصة بدأ بعيدًا عن الأجهزة، مع نموذج"ALLAM علّام".

في أغسطس 2025 أطلقت "هيوماين" تطبيق HUMAIN Chat المدعوم بنموذج ALLAM 34B، وهو نموذج لغوي صُمم أساسًا للتعامل مع العربية، مع دعم الإنجليزية أيضًا. ويتعامل التطبيق مع عدد من اللهجات العربية ويتيح الإدخال الصوتي والبحث على الإنترنت والتحول بين العربية والإنجليزية داخل المحادثة الواحدة.

وهذه النقطة تحديدًا مهمة للمستخدم العربي.

فجزء كبير من سباق الذكاء الاصطناعي في السنوات الماضية دار حول جعل النماذج العالمية أكثر قدرة على فهم العربية بعد تطويرها أساسًا بلغات أخرى. أما «علّام»، فيحاول الانطلاق من الاتجاه المعاكس: العربية أولًا، ثم الانتقال منها إلى تجربة أوسع.

وبحسب البيانات المنشورة عند إطلاق النموذج، شارك في تطويره أكثر من 120 متخصصًا في الذكاء الاصطناعي، كما جرى تحسينه بمساهمات مئات الخبراء والمقيّمين في مجالات مختلفة.

HUMAIN توسع حضورها في مشهد الذكاء الاصطناعي السعودي من البنية التحتية إلى الأجهزة التي تصل مباشرة إلى المستخدم.
HUMAIN توسع حضورها في مشهد الذكاء الاصطناعي السعودي من البنية التحتية إلى الأجهزة التي تصل مباشرة إلى المستخدم.

عندما يدخل النموذج السعودي إلى الأدوات العالمية

الأكثر دلالة ربما لا يكون وجود تطبيق سعودي مستقل، وإنما وصول التقنية نفسها إلى منصات اعتاد المستخدمون العمل عليها بالفعل.

في أغسطس 2026 أعلنت Microsoft و«هيوماين» تعاونًا طويل المدى يتضمن العمل على إدخال نماذج ALLAM إلى منظومة Microsoft للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك Microsoft Foundry ومنظومة Microsoft 365 Copilot.

معنى ذلك عمليًا أن نموذجًا عربيًا جرى تطويره في السعودية يمكن أن يصبح جزءًا من بيئات العمل التي تستخدمها شركات ومؤسسات حول العالم، بدل أن يبقى محصورًا في تطبيق منفصل.

وهذه ربما إحدى العلامات الأكثر وضوحًا على تغير المرحلة: التقنية السعودية لم تعد بالضرورة منتجًا يقف إلى جوار المنتجات العالمية، وإنما يمكن أن تصبح طبقة تعمل داخلها أيضًا.

من «علّام» إلى الحواسيب الذكية ومراكز البيانات، تتشكل تدريجيًا ملامح حضور سعودي أوسع داخل صناعة الذكاء الاصطناعي.
من «علّام» إلى الحواسيب الذكية ومراكز البيانات، تتشكل تدريجيًا ملامح حضور سعودي أوسع داخل صناعة الذكاء الاصطناعي.

خلف كل تطبيق... بنية تحتية لا يراها المستخدم

الذكاء الاصطناعي الذي نراه على الشاشة يحتاج في الخلفية إلى شيء أقل جاذبية بصريًا لكنه أكثر أهمية: مراكز البيانات والرقائق والشبكات والطاقة.

منذ تأسيس "هيوماين" في مايو 2025، كان هدف الشركة المعلن هو العمل عبر كامل سلسلة الذكاء الاصطناعي، من مراكز البيانات والحوسبة السحابية إلى النماذج والتطبيقات.

وفي أغسطس 2026 أعلنت AMD وCisco وHUMAIN بدء تشغيل بنية حوسبة للذكاء الاصطناعي داخل السعودية تعتمد على معالجات AMD وشبكات Cisco، مع خطط لتوسعة القدرات في السنوات المقبلة.

وفي الشهر نفسه أصبحت Adobe أول شركة برمجيات عالمية تعلن نقل بعض أعباء عملها الإقليمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى بنية HUMAIN داخل المملكة، وتحديدًا أعمال توصيف البيانات بالذكاء الاصطناعي.

قد تبدو هذه أخبارًا شديدة التقنية، لكنها تشرح ببساطة المرحلة التالية: أن تصبح السعودية مكانًا لا تُستهلك فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي فقط، بل تُشغّل فيه أيضًا أجزاء من الخدمات التي تستخدمها الشركات والمستخدمون.

«Designed in the Kingdom of Saudi Arabia».. عبارة تختصر البعد السعودي في قصة تطوير حاسوب HUMAIN.
«Designed in the Kingdom of Saudi Arabia».. عبارة تختصر البعد السعودي في قصة تطوير حاسوب HUMAIN.

إذن.. هل أصبحت السعودية تصنع الذكاء الاصطناعي؟

الإجابة الأدق هي أنها بدأت تبني منظومة تستطيع من خلالها امتلاك حصة أكبر من مراحل إنتاجه.

فالرقائق في حواسيب HUMAIN تأتي حاليًا من شركات عالمية مثل Qualcomm، وهناك تقنيات Microsoft وAMD وCisco وغيرها داخل المنظومة. لكن في المقابل نجد تصميم الأجهزة في السعودية، ونموذجًا لغويًا عربيًا محليًا، وتطبيقات ووكلاء ذكاء اصطناعي، ومنصات مؤسسية، وبنية حوسبة ومراكز بيانات يجري تشغيلها داخل المملكة.

وهذا النموذج في حد ذاته يعكس طبيعة صناعة التكنولوجيا الحديثة؛ فحتى أكبر الشركات العالمية لا تصنع جميع مكونات منتجاتها منفردة. القيمة الحقيقية تصبح في اختيار ما يجب تطويره محليًا، وما يمكن بناؤه بالشراكة، ثم القدرة على ربط هذه العناصر في منتج قابل للاستخدام.

لهذا ربما كان HUMAIN AI PC مدخلًا مناسبًا لفهم القصة، لا لأنه أول مشروع سعودي في الذكاء الاصطناعي، بل لأنه جعل هذه المنظومة ملموسة أمام المستخدم: جهاز أمامنا، ونموذج عربي داخله، وذكاء يعمل جزئيًا على الجهاز، ومنصة في الخلفية، ومراكز بيانات تمتد وراء كل ذلك.

وبهدوء، تتغير بذلك زاوية السؤال من «كيف ستستخدم السعودية الذكاء الاصطناعي؟» إلى سؤال أكثر ارتباطًا بالمرحلة الحالية: أي أجزاء من الذكاء الاصطناعي الذي نستخدمه غدًا ستُبنى وتُطور من السعودية؟

 

محرر وصحفي متخصص في المواضيع الخاصة بالسعودية والإمارات خصوصًا في مجالات السياحة والترفيه وتغطية آخر الأخبار والاتجاهات.