خاص "هي": هل يمكن لخاتم ذكي التنبؤ بالولادة المبكرة؟ مشروع وشراكة في أبوظبي تستكشفان الإمكانات المتاحة لصحة الأمهات والأطفال
هل يمكن أن تكشف التغيرات في معدل ضربات القلب أو أنماط النوم عن مؤشرات تحذيرية تسبق الولادة المبكرة؟ سؤال تسعى دائرة الصحة – أبوظبي وشركة أورا ŌURA إلى الإجابة عنه من خلال مشروع كرادل CRADLE، الذي يوظّف التقنيات القابلة للارتداء لدراسة التغيرات الفسيولوجية التي تمر بها المرأة خلال الحمل. وفي حديث خاص إلى "هي"، يوضح الدكتور كريس كوري، المدير السريري لصحة المرأة لدى شركة أورا، الإمكانات التي تتيحها هذه التقنيات، وما يمكن أن تعنيه مستقبلاً لصحة الأمهات والأطفال، في خطوة بحثية تستكشف الانتقال من متابعة الحمل عبر الزيارات الطبية الدورية إلى فهم أكثر استمرارية للتغيرات التي تطرأ على جسم المرأة.
تمر المرأة خلال الحمل بتغيرات جسدية متواصلة، بعضها واضح وملموس، فيما تحدث تغيرات أخرى على مستوى المؤشرات الحيوية التي قد لا تشعر بها بصورة مباشرة. وبين الزيارات الطبية الدورية، تتواصل هذه التحولات يوماً بعد يوم، حاملةً معلومات يسعى الباحثون إلى فهمها بصورة أعمق.
ومع التطور المتسارع في التقنيات الصحية القابلة للارتداء، يبرز سؤال جديد: هل يمكن للبيانات التي تجمعها الأجهزة الذكية باستمرار أن تساعد الأطباء يوماً ما على اكتشاف بعض المخاطر المرتبطة بالحمل قبل ظهور أعراضها؟
هذا هو السؤال الذي يقف وراء مشروع كرادل CRADLE، الذي أطلقته دائرة الصحة – أبوظبي بالتعاون مع شركة أورا، المتخصصة في التقنيات الذكية لمتابعة المؤشرات الصحية، ضمن شراكة بحثية تهدف إلى استكشاف إمكانية رصد العلامات التحذيرية المبكرة للولادة المبكرة التلقائية.
وتأتي أهمية المشروع في ضوء التحديات المرتبطة بالتنبؤ بالولادة المبكرة، التي تحدث قبل إتمام الأسبوع السابع والثلاثين من الحمل، وتشير تقديرات بحثية إلى أنها تقع في نحو حالة واحدة من كل عشر ولادات عالمياً.
ورغم التقدم الطبي في رعاية الأمومة، لا يزال تحديد موعد حدوث الولادة المبكرة التلقائية والتنبؤ بها بدقة من المسائل المعقدة، خصوصاً أن الأطباء يعتمدون حالياً بدرجة كبيرة على الأعراض والتاريخ الطبي وعوامل الخطر المعروفة لتقييم احتمالات حدوثها.

من خاتم صغير إلى بيانات قد تساعد في فهم الحمل
تعتمد فكرة مشروع كرادل على الاستفادة من خاتم أورا الذكي، الذي يمكنه متابعة مجموعة من المؤشرات الحيوية بصورة مستمرة، من بينها معدل ضربات القلب، وتباين معدل ضربات القلب، والنوم، والنشاط البدني.
وعلى خلاف القياسات التي تُجرى خلال المواعيد الطبية، تتيح الأجهزة القابلة للارتداء جمع بيانات متتابعة خلال الأنشطة اليومية، ما قد يساعد الباحثين على تتبّع أنماط التغيرات التي يمر بها الجسم على امتداد فترة الحمل.
وفي إجابته عن سؤال هي حول ما يميّز هذه الدراسة عن أساليب متابعة الحمل التقليدية، يوضح الدكتور كريس كوري، المدير السريري لصحة المرأة لدى شركة أورا، أن دراسة الحمل على نطاق واسع شكّلت تحدياً للباحثين، نظراً إلى محدودية مشاركة النساء الحوامل في بعض الدراسات السريرية، وما يرتبط بذلك من اعتبارات أخلاقية وعملية.
وقد أدى ذلك إلى وجود فجوات في البيانات الصحية المستمرة وطويلة الأمد، وهي الفجوات التي يمكن للتقنيات القابلة للارتداء أن تسهم في تقليصها.
ويشير كوري إلى أبحاث سابقة أجرتها أورا بمشاركة 118 امرأة استخدمن خاتمها الذكي، أظهرت أن البيانات المستمرة قد تساعد في التنبؤ بما إذا كان المخاض سيبدأ قبل موعد الولادة المتوقع أو بعده. وفي دراسة لاحقة شملت بيانات 10,318 حالة حمل، عمل الباحثون على تحليل التغيرات الفسيولوجية منذ مرحلة ما قبل الحمل وحتى ما بعد الولادة.
وقد وفّرت هذه الدراسات معطيات عن أنماط التغيرات المرتبطة بالحمل والمخاض، لكنها لا تعني أن الخاتم أصبح قادراً على التنبؤ بالولادة المبكرة التلقائية. وهذا تحديداً ما يسعى مشروع كرادل إلى استكشافه والتحقق منه علمياً.
كيف ستُجرى الدراسة في أبوظبي؟
يمتد مشروع كرادل على مدى 24 شهراً، ومن المقرر أن تشارك فيه نساء مقيمات في أبوظبي لديهن حالات حمل مرتفعة الخطورة، ويخترن التطوع للدراسة وارتداء خاتم أورا منذ المراحل المبكرة من الحمل وحتى الولادة.
وخلال هذه الفترة، سيجمع الخاتم البيانات المتعلقة بالمؤشرات الحيوية بصورة مستمرة، ثم يربط الباحثون هذه القياسات بالنتائج السريرية لكل مشاركة.
والهدف هو معرفة ما إذا كانت هناك تغيرات فسيولوجية محددة يمكن رصدها بصورة موثوقة قبل حدوث المخاض المبكر التلقائي، وما إذا كان من الممكن مستقبلاً الاستفادة منها في تطوير مؤشرات تساعد الفرق الطبية على التدخل في الوقت المناسب.
ويوضح الدكتور كريس كوري لـ"هي" أن المشروع سيجمع أيضاً بين البيانات التي يوفرها الخاتم والبيانات السريرية والجينومية المتاحة في أبوظبي، بما يسمح بدراسة عوامل الخطر من زوايا متعددة. وسيكون مستشفى الكورنيش ومستشفى ميديكلينيك شارع المطار من أوائل المؤسسات الصحية المشاركة في تنفيذ الدراسة.
ووفقاً لتفاصيل المشروع التي أعلنتها دائرة الصحة – أبوظبي وشركة أورا، سيُجرى البحث وفق أطر معتمدة لحوكمة البيانات، وبعد الحصول على الموافقات الأخلاقية اللازمة والموافقة المستنيرة من المشاركات، مع استمرار حصولهن على الرعاية الطبية المعتادة طوال فترة الدراسة.

هل يمكن اكتشاف المخاطر قبل ظهور الأعراض؟
تُعد هذه المسألة من أهم الأسئلة التي يسعى الباحثون إلى الإجابة عنها. فقد أظهرت أبحاث سابقة وجود تغيرات في بعض المؤشرات الحيوية، مثل معدل ضربات القلب وتباينه، خلال الأسابيع التي تسبق الولادة. إلا أن التحدي يكمن في تحديد ما إذا كان بالإمكان رصد أنماط موثوقة لدى كل امرأة على حدة، وليس فقط على مستوى مجموعات كبيرة من المشاركات.
ويوضح كوري في حديثه إلى "هي" أن المشروع سيبحث في إمكانية تحديد هذه التغيرات قبل بدء المخاض المبكر التلقائي، ومن ثم دراسة ما إذا كان بالإمكان الاستفادة منها لتطوير أساليب جديدة لتقييم المخاطر.
وقد تتيح هذه المعلومات، إذا أثبتت الدراسات المستقبلية فاعليتها وأصبحت قابلة للاستخدام السريري، فرصاً للتدخل الطبي المبكر، سواء من خلال تقديم علاجات مناسبة لتحسين بعض النتائج الصحية للمواليد، ولا سيما المتعلقة بالرئتين والدماغ، أو الاستعداد لنقل الحالات التي تحتاج إلى رعاية متخصصة لحديثي الولادة.
لكن من المهم التمييز بين الإمكانات التي يبحثها المشروع والنتائج المثبتة علمياً؛ فالدراسة لا تزال في مرحلة البحث، ولم تثبت بعد قدرة الخاتم على اكتشاف الولادة المبكرة أو التنبؤ بها بصورة موثوقة.
توسيع المعرفة العلمية بصحة المرأة
في سؤالنا عن النتائج التي يأمل فريق أورا تحقيقها، والموعد الذي يمكن أن تصبح فيه هذه التكنولوجيا جزءاً من رعاية الحمل، يؤكد الدكتور كريس كوري أن المشروع يمثّل خطوة نحو فهم الدور الذي قد تؤديه البيانات الحيوية المستمرة في دعم صحة الأمومة.
ويشير إلى أن الدراسة ستبحث في إمكانية تحديد أنماط فسيولوجية تسبق المخاض المبكر التلقائي، بما يساعد على تعميق المعرفة العلمية بهذه الحالة، وقد يفتح المجال مستقبلاً أمام تطوير أساليب الرعاية السريرية.
واللافت أن قيمة الدراسة، بحسب كوري، لا تقتصر على احتمال العثور على مؤشر حيوي يمكن الاعتماد عليه للتنبؤ بالولادة المبكرة. فحتى في حال عدم التوصل إلى مثل هذا المؤشر، ستسهم البيانات التي يجمعها الباحثون في توسيع المعرفة العلمية في أحد المجالات التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الأبحاث في صحة المرأة.
أما الانتقال إلى الاستخدام الطبي الفعلي، فيبقى مرتبطاً بنتائج الدراسة ومدى موثوقيتها، وما قد يتبعها من مراحل للتحقق العلمي والحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة.
ومن المتوقع نشر نتائج مشروع كرادل في عام 2028، ما يعني أن الحديث عن اعتماد هذه التقنية ضمن المتابعة الطبية الروتينية للحمل لا يزال مبكراً.

صحة المرأة تتجاوز الزيارات الطبية
لا تقتصر رؤية أورا على مرحلة الحمل وحدها، بل تشمل مختلف المراحل التي تمر بها المرأة، وما يصاحبها من تغيرات فسيولوجية. وفي حديث خاص إلى "هي" حول موقع مشروع كرادل ضمن رؤية الشركة الأوسع لمستقبل صحة المرأة، يوضح الدكتور كريس كوري أن هدف أورا يتمحور حول تمكين النساء من فهم أجسامهن بصورة أعمق، بدءاً من الدورة الشهرية والخصوبة، مروراً بالحمل وما بعد الولادة، وصولاً إلى مرحلة انقطاع الطمث.
ويؤكد أن البيانات الصحية المستمرة قد تمنح المرأة صورة أشمل عن التغيرات التي تطرأ على جسمها بمرور الوقت، خصوصاً تلك التي تحدث بين المواعيد الطبية.
وهنا لا يرتبط دور التكنولوجيا باستبدال الطبيب أو الفحوصات الطبية، بل بإتاحة معلومات إضافية يمكن أن تساعد المرأة على إجراء نقاشات أكثر وعياً مع فريق الرعاية الصحية.
ويأتي كرادل بوصفه أول مشروع بحثي يدخل حيّز التنفيذ ضمن الشراكة الاستراتيجية بين أورا ودائرة الصحة – أبوظبي، والتي تشمل ثلاثة مشاريع تجريبية تركز على الصحة الوقائية، مع اهتمام خاص بصحة المرأة وصحة القلب والأيض.
ويرى كوري في هذه الشراكة فرصة لاستكشاف الدور الذي يمكن أن تؤديه الأجهزة القابلة للارتداء في دعم البحوث العلمية، وإمكانية دمجها مستقبلاً ضمن أطر الرعاية السريرية، ليس في مجال صحة المرأة فحسب، بل في مجالات صحية أخرى أيضاً.

الرعاية الصحية الاستباقية
أُعلن عن مشروع كرادل خلال قمة مستقبل الصحة في أبوظبي، في إطار توجه الإمارة نحو تعزيز دور البيانات والتقنيات الحديثة في تطوير منظومة للرعاية الصحية تعتمد على الوقاية والكشف المبكر عن المخاطر.
وفي هذا السياق، أكدت سعادة الدكتورة نورة خميس الغيثي، وكيل دائرة الصحة – أبوظبي، أن المشروع يجسّد التوجه نحو الانتقال من الرعاية التي تستجيب للمشكلات الصحية بعد حدوثها إلى نهج استباقي يسعى إلى فهم المخاطر والتدخل في الوقت المناسب.
ومن جانبه، شدّد توم هيل، الرئيس التنفيذي لشركة أورا، على أهمية الجمع بين التميز السريري والمراقبة المستمرة للمؤشرات الصحية، معتبراً أن الشراكة مع أبوظبي تتيح فرصاً مهمة لتطوير البحوث المتعلقة بالصحة الوقائية.
ويعكس المشروع توجهاً أوسع نحو الاستفادة من البيانات الصحية والجينومية والتقنيات القابلة للارتداء في فهم الحالة الصحية للأفراد، مع إخضاع أي تطبيقات مستقبلية للبحث والتحقق العلمي والضوابط التنظيمية اللازمة.
هل تصبح التكنولوجيا شريكاً للمرأة في رحلة الأمومة؟
بالنسبة إلى المرأة، قد يكون أكثر ما يلفت الانتباه في مشروع كرادل هو الفكرة التي يقوم عليها: أن المعلومات التي يجمعها جهاز صغير ترتديه في حياتها اليومية قد تساعد الباحثين على فهم التغيرات التي يمر بها جسمها خلال واحدة من أكثر مراحل حياتها حساسية.
لكن أهمية هذه الفكرة لا تكمن في الوعود التكنولوجية وحدها، بل في إمكانية تحويل البيانات إلى معرفة علمية دقيقة، ثم إلى أدوات تدعم الأطباء والنساء في اتخاذ قرارات صحية أفضل.
ومع ذلك، يفتح مشروع كرادل باباً مهماً للنقاش حول مستقبل صحة المرأة، ودور التكنولوجيا في جعل الرعاية الصحية أكثر ارتباطاً باحتياجاتها الفردية. فربما لا تكون الخطوة التالية في تطور رعاية الأمومة مرتبطة بفحوصات جديدة فحسب، بل أيضاً بفهم أعمق للمعلومات التي يمكن أن يكشفها الجسم يوماً بعد يوم.