طفولة تحت التصوير.. هل نستأذن أطفالنا قبل نشر صورهم؟
وسط كل التقدم التكنولوجي والانفتاح الرقمي الذي نعيش فيه، أصبح نشر صور الأطفال على الإنترنت أمرًا مقلقًا يستحق التوقف عنده؛ لأنه لا يخصنا وحدنا كأمهات وآباء، بل يتعلق بخصوصية أطفالنا وسلامتهم النفسية والجسدية. فقد بات هذا الأمر عاديًا بالنسبة لكثير من الأسر، بدءًا من الصور التي ينشرها البعض لتوثيق مراحل نمو أطفالهم، وصولًا إلى لقطات من الأحاديث العائلية معهم. حتى الطفل النائم على سريره، والطالب الذي يستذكر دروسه، وذلك الذي يستعد للذهاب إلى المدرسة، لم يسلموا من اقتحام حياتهم الخاصة ونشر صورهم على الإنترنت. فهل يُعقل ذلك؟
الحقيقة أن توثيق طفولة أبنائنا وفرحتنا بكل ما يفعلونه أمر مشروع، ولكن حقهم في الخصوصية والحفاظ عليهم حق مؤكد لهم. ولذلك علينا جميعًا أن نفهم مشاعرهم حيال مشاركة هذه اللحظات في العلن، وأن نمنحهم حق الموافقة أو الرفض أولًا وأخيرًا.
ما المقصود بالمشاركة الأبوية أو Sharenting؟
يُستخدم مصطلح "Sharenting" لوصف مشاركة الأهل صور أبنائهم ومقاطعهم وتفاصيل حياتهم عبر الإنترنت. وقد تشمل المشاركة صورة على حساب اجتماعي، أو قصة عن موقف شخصي، أو مقطعًا يُرسل عبر تطبيق للمراسلة.
هل نستأذن أطفالنا قبل نشر صورهم؟
نعم، فمن منظور تربوي، وبحسب "داليا شيحة" مستشارة الإرشاد النفسي والأسري، يُستحسن إشراك الطفل القادر على الفهم في قرار نشر صورته على الإنترنت، وشرح الصورة التي نريد نشرها ومن سيشاهدها. ولا يكون الاستئذان حقيقيًا إذا تبعه إلحاح أو سخرية من الرفض. يمكن لطفلكِ أن يحب الصورة ويختار الاحتفاظ بها لنفسه، أو يوافق على إرسالها إلى المقربين دون النشر في العلن على مواقع التواصل الإجتماعي.
وهنا تشير شيحة إلى أمر مهم للغاية، وهو أن موافقة طفلك على نشر صوره لا تُعفيكِ من تقدير المخاطر التي تتربص به خصوصًا مع تزايد مخاطر الإنترنت على الأطفال، والابتزاز الإلكتروني وغير ذلك.
لماذا قد يرفض الطفل صورة نراها جميلة؟
هذا أمر طبيعي ولا يحدث من الطفل فقط ولكن نحن أيضًا. تخيلي أن شخصًا اختار لكِ صورة لا تحبينها، ثم نشرها لأنه يراكِ جميلة فيها. هل يكفي حسن قصده لتشعري بالراحة؟ نفس الشي مع الطفل. ربما لا يحب تعبير وجهه، أو لا يريد أن يعرف زملاؤه تفاصيل احتفاله، أو يرى أن اللحظة تخصه. لذا يجب احترام خصوصيته وتحقيق شعوره بالراحة والأمان باستئذانه في كل أمر.
ما الذي قد تكشفه الصورة دون أن ننتبه؟
قد تكشف الصورة دون أن ننتبه عن معلومات مثل موقع الطفل وروتينه اليومي وبعض التفاصيل الخاصة التي تتعلق بسلامة الطفل. كما أن أدوات الذكاء الاصطناعي تسمح بتعديل الصور وإعادة استخدامها، وهذا الأمر خطير للغاية.
وقد تم ذكر ذلك في موضوع سابق عن "الابتزاز الالكتروني"، إذ كشفت "شرطة دبي" عن أهم شروط السلامة لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت، وكان من بينها عدم نشر صور الأطفال على الإنترنت وكذلك أي معلومات خاصة عنهم.
لذلك توصي شيحة بضرورة مراجعة التفاصيل المحيطة بالطفل في أي صورة له، مثل: هل يظهر اسم المدرسة؟ هل يكشف التعليق موعدًا ثابتًا لنشاطه؟ وهل تتضمن الصورة معلومات شخصية لا حاجة لمشاركتها؟
وما يجب التأكيد عليه، هو أن وجود هذه المخاطر لا يعني أن كل صورة ستُساء الاستفادة منها، لكنه سبب للتوقف قليلًا قبل الضغط على زر النشر، التريث مطلوب جدًا في مثل هذه الأمور وبخاصة عندما يتعلق الأمر بسلامة أطفالنا.
لحظات في حياة الطفل لا تحتاج إلى جمهور
أولًا: الصور
على سبيل المثال وليس الحصر:
- صور العري والاستحمام والتفاصيل شديدة الخصوصية.
- المواقف التي تُحرج الطفل أو تنتقص من كرامته.
- بكاء الطفل أو لحظات شعوره بالضعف أو الخوف.
- تعنيف الطفل أو السخرية منه أو توبيخه.
- صورة بإطلالة غير منظمة في طفولته.
ثانيًا: المواقف
ويشمل ذلك احترام الخصوصية في ما يُكتب أيضًا؛ فقد تكشف حكاية عن مشكلة مدرسية أو تفصيل صحي أكثر مما تكشفه صورة واضحة للوجه.
كيف توازنين بين توثيق الذكريات واحترام الخصوصية؟
ابدئي بالفصل بين قرارين: التقاط الصورة، ونشرها. يمكنكِ الاحتفاظ بعشرات اللقطات الجميلة دون أن يكون لكل واحدة جمهور. وللمشاركة بوعي مع تطبيق النصائح التالية:
- حددي الجمهور، اختاري من يحتاج إلى رؤية الصورة، بدل مشاركتها تلقائيًا مع جميع المتابعين.
- راجعي التفاصيل، انتبهي إلى الموقع واسم المدرسة والمعلومات الظاهرة في الخلفية أو التعليق.
- اسألي طفلكِ: اعرضي الصورة والتعليق على الطفل القادر على الفهم قبل النشر.
- اتفقي مع الأقارب: وضحي رغبتكِ في الرجوع إليكِ قبل إعادة مشاركة الصور.
- راجعي المنشورات السابقة: أشركي طفلكِ في مراجعتها عندما يصبح مستعدًا لذلك.
ماذا لو طلب طفلكِ حذف صورة قديمة؟
ابدئي بالاستماع، دون الدفاع فورًا عن نيتكِ ثم احذفي المنشور، واطلبي ممن أعاد نشره إزالته إن أمكن. الحذف يقلل بقاء المحتوى متاحًا، لكنه لا يضمن اختفاء النسخ التي سبق حفظها.
وهنا يجب أن ينتهي الأمر بالاستجابة إلى رغبة الطفل مع وضع حدود في المستقبل ، هذه الحدود مثل: نسأل قبل النشر، ونحترم الرفض، ونعود إلى القرار إذا تغير شعور الطفل. فالموافقة على صورة سابقة ليست موافقة مفتوحة على كل الصور.
هل يمكن للأم الحديث عن تجربتها دون كشف تفاصيل طفلها؟
بالتأكيد. يمكنكِ الكتابة عن تعبكِ مع تنظيم الوقت، أو مشاعركِ في أول يوم دراسي، أو احتياجكِ إلى الدعم، مع الاكتفاء بما يخص تجربتكِ وتجنب التفاصيل التي تكشف أسرار طفلكِ.
هل الحساب الخاص يجعل نشر صور الأطفال آمنًا تمامًا؟
الحساب الخاص يحد من الجمهور، لكنه لا يمنع حفظ الصور أو إعادة إرسالها. لذلك، يظل اختيار المحتوى مهمًا.
هل إخفاء وجه الطفل يكفي لحماية خصوصيته؟
كثير من الفنانين والفنانات والشخصيات المعروفة يفعلون ذلك، وبعض من الآباء والأمهات بهدف تقليل التعرف على أطفالهم، وتجنبًا للكشف عن ملامحهم، لكنه لا يخفي بالضرورة اسمه أو مدرسته أو المعلومات الواردة وأي معلومات أخرى. لذلك ينبغي مراجعة المنشور كله.
هل نحتاج إلى استئذان الطفل في كل مرة؟
الأفضل سؤال الطفل القادر على الفهم قبل كل منشور يخصه؛ فقد يرتاح إلى صورة ويرفض أخرى، أو يختلف رأيه بحسب الجمهور.

ماذا عن الرضع الذين لا يستطيعون التعبير؟
يبقى القرار مسؤولية الأهل، مع تقليل المعلومات المنشورة، وتجنب المحتوى الحميم أو المحرج، والتفكير في مشاعر الطفل واحتياجاته المستقبلية.
ختامًا، من الطبيعي أن تفرحي بطفلكِ عزيزتي الأم، وأن ترغبي في الاحتفاظ بكل تفصيل صغير من عمره. امنحي هذه الذكريات مكانًا يليق بها، وامنحيه هو أيضًا مساحة ليقول ما يحب مشاركته وما يفضّل الاحتفاظ به. فقد تصبح الصورة أجمل في ألبوم العائلة، وتبقى اللحظة أدفأ حين يعيشها دون انتظار الكاميرا.

