عودة "أتيلييه فيرساتشي" تضع "بيتر مولييه" أمام اختبار يجمع دقة البناء بإرث من الجرأة والإفراط
تملك “فيرساتشي” إرثاً يصعب تخيله في حالة من الهدوء. فمنذ تأسيسها، ارتبط اسم الدار الإيطالية بالجرأة التي تحتفي بالجسد، وبجماليات تتعمد المبالغة حتى تصبح جزءاً من هويتها. واليوم، مع التحضير لعودة “أتيلييه فيرساتشي” إلى منصات الأزياء الراقية تحت الإدارة الإبداعية لـ”بيتر مولييه”، يبرز سؤال يتجاوز أهمية العودة نفسها: ماذا سيحدث حين تلتقي فلسفة مصمم يؤمن بدقة البناء والانضباط الشكلي مع دار جعلت من الإفراط لغة فنية؟

يحمل هذا القرار أهمية خاصة في مرحلة تعيد خلالها مجموعة “برادا” ترتيب مستقبل “فيرساتشي” بعد استحواذها عليها في ديسمبر 2025. فقد أعلنت المجموعة في فبراير 2026 تعيين المصمم البلجيكي “بيتر مولييه” رئيساً للإبداع، ليتولى منصبه رسمياً في الأول من يوليو، ثم كشفت في مارس عن خطط لإحياء “أتيلييه فيرساتشي”، ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز مكانة الدار في قطاع الرفاهية.
ويأتي ذلك بعد غياب عروض “أتيلييه فيرساتشي” عن منصات الأزياء الراقية في باريس منذ الثالث من يوليو 2016، حين قُدمت مجموعة خريف وشتاء 2016–2017. وقد واصلت الدار تقديم مجموعات الكوتور بصيغ أكثر خصوصية خلال عام 2017، بعيداً عن العروض التقليدية. وتشير التقارير الصحفية إلى عودة مرتقبة إلى المنصة في يناير 2027، لتصبح الأزياء الراقية إحدى المحطات الكبرى التي ستكشف عن رؤية “مولييه” للدار.

ويبدو اختيار الكوتور مدخلاً لهذه المرحلة محمّلاً بالدلالات، فهو يعيد الدار إلى أحد أكثر المجالات ارتباطاً بطموح مؤسسها “جياني فيرساتشي”، ويمنح مديرها الإبداعي الجديد مساحة لاختبار قدرته على تحويل الإرث إلى رؤية معاصرة.
بين مسرحية “فيرساتشي” وهندسة “مولييه”
حين أسس “جياني فيرساتشي” خط الأزياء الراقية عام 1989، كان يمتلك تصوراً متكاملاً عن المرأة التي يصمم لها. امرأة تتعامل مع حضورها الجسدي بثقة، وتجد في الأزياء امتداداً لقوتها ورغبتها في لفت الأنظار. وقد ترجم هذه الفلسفة عبر الأقمشة المعدنية المتلألئة، والجلود، والتطريزات الغنية، والقصات التي تكشف الجسد وتعيد رسمه. وفي عروضه الباريسية، ومن بينها مجموعة ربيع وصيف 1995 التي قدمها في فندق “ريتز”، بلغ هذا التصور مستويات استثنائية من الحرفية والإغواء البصري.

واستمرت “دوناتيلا فيرساتشي” في تطوير هذه الهوية عبر عقود من التحولات الثقافية، محافظة على العلاقة بين الأنوثة الجريئة والترف الاستعراضي، وموسعة حضور الدار في الثقافة الشعبية وعالم المشاهير.
تلك هي اللغة التي يرثها “مولييه”، ومعها اختلاف جوهري في فلسفة التصميم. فقد تعاملت “فيرساتشي” مع الجسد بوصفه مساحة للاستعراض والإغواء، وجعلت من البريق والزخرفة والجرأة وسائل لتأكيد حضوره. أما “مولييه”، فقد انطلق من الجسد نفسه بوصفه أساس البناء، مستكشفاً قدرته على تحديد حجم القطعة وحركتها ونسبها. وبين فلسفة تضاعف التأثير البصري وأخرى تستخرج القوة من دقة التكوين، يتشكل التحدي الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة.
وتصل هذه المقارنة إلى سؤال يتعلق بمستقبل هوية الدار: كيف يستطيع مصمم اشتهر بقدرته على ضبط الشكل أن يتعامل مع إرث جعل من الإفراط قيمة إبداعية؟ وكيف سيترجم حسية “فيرساتشي” إلى لغة معاصرة تحتفظ بشخصيتها وقدرتها على إثارة الرغبة؟
تمنح تجربة “مولييه” في “ألايا” هذا السؤال أهمية إضافية. فقد أثبت قدرته على التعامل مع إرث إبداعي شديد الخصوصية، وتطوير مفرداته من خلال البحث في البناء والحركة والتناسب. وتضعه “فيرساتشي” أمام اختبار مختلف، فهويتها قامت على قوة الصورة بقدر ما قامت على براعة التصميم، وعلى الثقة المطلقة بحضور المرأة ورغبتها في لفت الأنظار.
وقد ظهرت قدرة “مولييه” على التجريب بوضوح في مجموعة “ألايا” لخريف وشتاء 2025، حين قدم أحجاماً دائرية ومبطنة تطوق الوركين والوجه، وتكوينات تضخم الخطوط الخارجية للملابس. كانت تلك التجارب تعبيراً عن استعداد المصمم للمخاطرة بالشكل، وعن اهتمامه المستمر بالعلاقة بين الأزياء والنحت، وصولاً إلى اختبار الحدود التي يمكن أن يبلغها البناء حول الجسد.



وفي مجموعته الوداعية لـ”ألايا” لخريف وشتاء 2026، اتجه إلى نقاء أكثر وضوحاً. فساتين من الجيرسيه تلتصق بالجسد، وخياطة دقيقة، ومعاطف تعتمد على قوة القصّة والتناسب. كانت الحرفية تحتل مركز المشهد، وتكتسب القطعة شخصيتها من الطريقة التي صُنعت بها.



هذا التفاوت بين التجريب والانضباط يجعل انتقاله إلى “فيرساتشي” مثيراً للاهتمام. فهو يمتلك الأدوات التي تسمح له بفهم تعقيدات إرث الدار، ومعها ميل واضح إلى اختزال التفاصيل حتى يصل إلى الشكل الذي يراه ضرورياً.
وسيكون نجاحه مرهوناً بقدرته على فهم القيمة الإبداعية للمبالغة، وتطويرها إلى مستوى جديد من التعقيد والحرفية. فالدقة التي ميزت تجربته السابقة قد تمنح “فيرساتشي” عمقاً تحتاج إليه، فيما قد تدفعه جرأة الدار إلى استكشاف جانب أكثر تحرراً من موهبته.
حين تصبح الأزياء الراقية قراراً استراتيجياً
تحمل عودة الكوتور أيضاً أبعاداً تجارية وثقافية تتجاوز حدود المنصة.
فقد أعلنت مجموعة “برادا” خططاً للحد من اعتماد “فيرساتشي” على قنوات البيع المخفضة، وإيقاف الخطوط الثانوية، ومنها “فيرساتشي جينز كوتور”، مع التركيز على المجموعات الأساسية والتوزيع الأكثر انتقائية. ووفقاً لتقديرات “مورغان ستانلي” التي نقلتها “رويترز” في مارس 2026، كانت منافذ البيع المخفضة تمثل أكثر من 30% من مبيعات الدار. وسجلت “فيرساتشي” إيرادات بلغت 684 مليون يورو خلال عام 2025، إلى جانب خسائر تشغيلية.
وتوضح هذه المعطيات حجم المهمة التي تواجه الإدارة الجديدة. فدار تمتلك شهرة عالمية واسعة تسعى اليوم إلى تعزيز مكانتها في أعلى مستويات سوق الرفاهية، وإعادة بناء العلاقة بين صورتها الثقافية وقيمتها التجارية.
ومن هذه الزاوية، يكتسب قرار إحياء “أتيلييه فيرساتشي” أهميته. حيث تمثل الأزياء الراقية أحد أكثر أشكال الرفاهية ارتباطاً بالندرة والحرفية والتفرد، وتمنح الدار فرصة لاستعراض المهارات التي صنعت إرثها، وتقديم تصور أكثر خصوصية عن المرأة التي تسعى إلى مخاطبتها.
لكن قيمة هذا القرار ستُختبر أيضاً خارج صالونات الكوتور. فاستعادة الرغبة تتطلب هوية إبداعية متماسكة، وسياسة توزيع تحافظ على قيمة المنتج، وقدرة على تحويل التفوق الحرفي إلى علاقة طويلة الأمد مع العميلات.
ولهذا يبدو الكوتور اختباراً مزدوجاً لـ”مولييه” ومجموعة “برادا”. الأول مطالب بتأسيس لغة إبداعية مقنعة، والثانية مطالبة بتوفير البيئة التجارية التي تمنح تلك اللغة قيمتها واستمراريتها.
ويثير هذا التوجه مسألة أكثر عمقاً تتعلق بموقع “فيرساتشي” داخل مشهد الرفاهية المعاصر. فقد قامت شهرة الدار تاريخياً على صورة شديدة الوضوح، وعلى رموز يمكن التعرف إليها فوراً، فيما تسعى استراتيجيتها الجديدة إلى رفع قيمة الندرة والانتقائية. وسيكون التحدي في إدارة العلاقة بين انتشار الصورة وخصوصية المنتج، وبين شهرة واسعة صنعتها عقود من الحضور الثقافي وطموح جديد إلى استعادة المكانة في قمة السوق.
أول إشارة إلى “فيرساتشي” الجديدة
قدم “مولييه” لمحة أولية عن توجهه في 31 أغسطس 2026، حين ظهرت الممثلة “نيكول كيدمان” في العرض الأول لفيلم Practical Magic 2 بمدينة لوس أنجلوس، مرتدية فستاناً أسود من “أتيلييه فيرساتشي” صُمم تحت إشرافه.
جاء الفستان بتنورة غير متماثلة الأطوال، منفذاً من الدانتيل بتقنية الإنتارسيا اليدوية، مع تفاصيل تعزز حضور الجسد من خلال الشفافية والخطوط المحددة.

كانت إشارة محدودة، لكنها حملت اهتماماً واضحاً بالحرفية والبناء والإغواء البصري. فالدانتيل الذي يحتضن القوام، والتفاوت المقصود في طول التنورة، والشفافية التي تكشف عن الجسد، كلها عناصر تتصل بتاريخ “فيرساتشي”، فيما تبدو طريقة تنظيمها أقرب إلى الحس المعماري الذي طوره “مولييه” خلال تجربته السابقة.
يبقى هذا التصميم مدخلاً مبكراً لقراءة المصمم، بينما ستكشف المجموعة الكاملة عن مدى استعداده للتعامل مع الألوان والزخارف والرموز التي شكلت شخصية “فيرساتشي” عبر تاريخها.
ومن هذه الزاوية، تبدو العودة المرتقبة إلى الكوتور أكثر إثارة من مجرد استعادة موقع قديم على جدول العروض الباريسي. إنها مواجهة إبداعية بين مصمم بلغ درجة عالية من النضج الفني، ودار تحتاج إلى استعادة قوة شخصيتها في لحظة تغيرت فيها مفاهيم الرغبة والترف.
ستكون الحرفية جزءاً أساسياً من الإجابة، أما الجزء الأكثر أهمية فيتعلق بالشخصية التي ستخرج بها “فيرساتشي” من هذه التجربة، وبالحرية التي سيمنحها “مولييه” لنفسه لاستكشاف جانب أكثر اندفاعاً من موهبته.
فقد أثبت خلال تجربته مع “ألايا” قدرته على صون إرث مصمم استثنائي وتطويره. وأمام “فيرساتشي”، تتغير طبيعة التحدي: إرث يحتفي بالمبالغة، وتاريخ يتعامل مع الجرأة بوصفها غريزة إبداعية، وجمهور ينتظر أن يرى كيف ستبدو هذه الشخصية تحت قيادة جديدة.
سيُقاس نجاح “مولييه” بقدرته على منح جرأة “فيرساتشي” معنى يستحق الاستمرار. فالدار التي صنعت أسطورتها من قوة حضورها تحتاج اليوم إلى رؤية تجعل ذلك الحضور مرغوباً من جديد.