أفلام مهرجان الجونة السينمائي 2026

خاص "هي".. 5  أفلام من "الجونة السينمائي" تكشف وجه أوروبا القاسي

21 أكتوبر 2026

تبدو الحياة في أوروبا براقة لامعة، ويسعى الكثيرون للهرب إليها محملين بأمنيات وأحلام بحياة أفضل، على غرار "الحلم الأمريكي". قد تبدو هذه الحياة حقيقة وملاذًا لمن يسافر لفترة قصيرة، لكن التكيف مع هذه المجتمعات -باختلافاتها شديدة التعقيد والصرامة- لفترات أطول، يجعل من هذا الحلم أمرًا صعبًا، يحمل من المنغصات أكثر مما يحمل من الراحة والصفاء.

وليس هناك أقدر من العين السينمائية لكشف هذا التناقض؛ بالسخرية والكوميديا تارة، وبالميلودراما تارة أخرى، بل وحتى بالجنون وكسر قوالب المألوف. كل هذه الرؤى تجمعت في بعض أفلام الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، الذي تجري فعالياته حاليًا في المدينة الساحلية المصرية الواقعة على شاطئ البحر الأحمر.

افتتاحيات ومشاهد صادمة

افتتاحية فيلم  Weeks After 3  المعروض ضمن أفلام المسابقة الرسمية للمهرجان للمخرج ميروسلاف تيرزيتش، التي تصور بطل الفيلم المراهق المكلوم بعد وفاة صديقه منتحرًا بين طرقات بلدته الهادئة، يقف وحيدًا أمام بناية تحترق إحدى شققها بقوة وعنف، وأتت النيران على كل ما فيها دون أن تتحرك هذه البلدة أو تُكسر وتيرة هدوئها. وبعد ملاحظة البطل للشقة وتأمله للحريق لثوان يتحرك بهدوء دون أن نرى وجهه أو حتى ملامحه، تتبعه الكاميرا كأننا نتلصص على شخص وما هو قادم في حياته. وفي الوقت نفسه هذا التلصص ينبئ بما نحن مقبلون عليه من توتر ورمزية الاحتراق العنيف، وفي الوقت ذاته الهادئ والصامت هي مؤشر خطر كبير.

ي

هذه الرمزية هي المدخل للأحداث التي تقود هذا الفيلم المعتمد على الإبهار البصري في تكوينات مشاهده للتعبير عن حالة الغضب المكتوم عند البطل، ورحلته النفسية أولًا في عدم تقبل ظلم انتحار صديقه، ورحلته المادية ثانيًا بصحبة زملاء الفصل والمدرسين الذين تسببوا من وجهة نظره في الحادثة، وصولًا إلى مشهد النهاية ليختتم الفيلم بحريق ضخم أكبر بكثير من الحريق في افتتاحيته. ويكفي فقط تكوين أجساد الطلبة والمدرسين المستلقين على الأرض في انتظار عقاب البطل للتأكيد على تفوق الفيلم فنيًا وبصريًا، وفي نفس الوقت إدانة ليس فقط التنمر، ولكن دعم هذا التنمر من خلال التغاضي عنه أو الصمت وعدم الوقوف ضده.

ي

ومن الافتتاحية السابقة لأُخرى تلقي ظلالًا أكثر قتامةً وصدمات من خلال فيلم Queen at Sea المعروض في القسم الرسمي خارج المسابقة للمخرج لانس هامر الذي يبدأ بمشهد صادم يجمع زوجين في مرحلة متقدمة من العمر في علاقة طبيعة، لكن مع وصول الابنة والحفيدة للمنزل نكتشف حقيقة إصابة الأم بالخرف وزوجها هو من يرعاها الأمر الذي يدفع الابنة لحماية الأم المريضة وتتصل بالشرطة متهمةً الزوج باستغلال زوجته لتتحرك الأجهزة بالفصل بين الزوجين تطبيقًا للقانون بشكل حرفي.

ؤ

وبإجراءات هي بالفعل أكثر عنفًا وقسوةً من علاقة الزوج مع زوجته المصابة بالخرف حيث نجح المخرج في نقل قسوة وبرودة الإجراءات وتأثيرها النفسي المدمر على الأم المريضة ومع توالي الأحداث نكتشف مدى حب الزوج لزوجته ورعايته لها وتنفيذه لرغباتها خلافًا للابنة التي تعيش بعيدًا عنها وتزورها فقط في المناسبات، وكما كان مشهد البداية صادمًا تأتي النهاية بنفس المنوال، وبشكل سيغير حياة الابنة والحفيدة للأبد حيث لا هدوء أو استقرار لفترة طويلة مقبلة من حياتهما وهو الأمرُ الذي يلقي بظلاله على التطبيق البارد للقانون والقواعد المجتمعية دون دراسة أو مراعاة للمشاعر والظروف الحياتية.

ومن الافتتاحيات الصادمة  إلى أخرى هادئةٌ قدمها فيلم Fjord المعروض أيضًا في القسم الرسمي خارج المسابقة للمخرج كريستيان مونجيو، حيث يصور انتقال عائلة من دولتهم الأصلية رومانيا إلى دولة أُخرى هي النرويج، وفي الأخيرة ينصدم المجتمع بعادات الأسرة المحافظة القادمة من رومانيا وتدينهم وتربيتهم للأطفال بعيدًا عن السوشيال ميديا والألعاب الإلكترونية ومعاقبتهم بدنيًا بشكل خفيف الأمرُ الذي أثار حفيظة هذا المجتمع الجديد ودفعهم لاتخاذ إجراءات عنيفة وقاسية بفصل الأولاد عن والديهم والتهديد أيضًا بمقاضاتهم جنائيًا، الأمرُ الذي ظهر للمشاهدين بوضوح مقدمًا صدامًا ثقافيًا وحضاريًا بين دولتين أوروبيتين ليستا بعيدتين عن بعضهما البعض جغرافيًا لهذا الحد، لكن الفارق بين ثقافتيهما مرعب.

ي

المشهد الصادم والمعبر عن الاختلاف لم يكن في افتتاحية الفيلم بل في أحد المشاهد التالية والذي جمع الأم ومدرسة ابنة هذه العائلة والعاملة الاجتماعية عندما قدما لتطبيق القانون في منزل الأم بمنتهى الصلافة حيث قدم المخرج المشهد ضاغطًا على مشاعر المشاهدين بسلوكيات المدرسة والعاملة الاجتماعية الفجة وكان اهتمامهم بتطبيق القانون نابع فقط من الحفاظ على الهوية الثقافية دون الاهتمام بدراسة الأسرة وخلفياتها الثقافية والدينية، في هذا المشهد تجلس السيدتان على اليمين والأم وحدها على اليسار وكأن الشاشة نفسها انقسمت إلى ساحة معركة تضم خصمين، والثقل الأكبرُ في الجهة اليمنى حيث السيدتان ولزيادة التأثير تجلس الأم في اليسار وخلفها يرفرف العلمُ النرويجي ضخمًا وثقيلًا يحركه الهواء ببطء كدليل على ثقله مما يمثل وطأة عادات وقوانين هذه الدولة الجديدة على الأسرة.

ء

نهاية المشهد الخانق يفرض على الأسرة الانفصال بعده والدخول في صراع قانوني لعودة وصاية الأب والأم على الأطفال وحتى مع حكم المحكمة لصالحهم في النهاية، لكن شبح الفصل لا يزال قائمًا بالإضافة إلى التهم الجنائية المحتمل توجيهها للوالدين الأمرُ الذي يدفعهم للهرب مرةً أُخرى إلى دولة ثالثة هي الدنمارك التي يفصلها عن النرويج خليج مائي، في مشهد تعبيري بديع يستلهم معجزة سيرة المعجزة الدينية بالسير على الماء وأيضًا يوضح حجم الاختلاف الضاغط حتى بين الدول المتلاصقة والقريبة من بعضهم البعض، خاصة مع عدم معرفة مصيرهم فلربما لا تتلقفهم الدنمارك بترحاب وتمارس على الأسرة التي تحافظ تدينها ونمط حياتها ضغطًا أكبر من الضغط النرويجي وتصبح عودتهم لوطنهم كعائلة أمرًا محالًا.

السخريةُ كعامل لكشف السلبيات

ما بين الحرب والسلم تظهر أوجُهُ التضاد والقسوة في أوروبا أيضًا، الفيلم الوثائقي Mariinka المعروض في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة للمخرج بيتر يان دي بو، يرسم بوضوح السخرية على أوضاع الحرب ما بين أوكرانيا وروسيا ويضع الولايات المتحدة الأمريكية في المنتصف من خلال تتبع عائلة أوكرانية مكونة من ثلاثة إخوة أحدهم يقاتل مع الجانب الروسي والثاني مع الجانب الأوكراني وكلاهما عن اقتناع تام بأهداف كل جانب والأخُ الأصغرُ وجد طريقه لتتبناه أسرةٌ أمريكية.

ي

السخريةُ والمفارقةُ تتصاعد في الفيلم عندما يتحدث الإخوةُ مع بعضهم البعض وعلى الرغم من المسحة الحزينة والدرامية لهذا القدر الذي رسم الوضع الغريب لهذه الأسرة، لكنه يكشف حجم التصدعات في الرؤى والتأثير الجيوسياسي على البشر ومعيشتهم. علاقة الأخوين مع الحرب والسلاح قائمةٌ بحكم المعركة التي يخوضونها لكن حتى الأخُ الأصغرُ لم يجد مفرًا من السلاح الذي تتبنى حمله عائلته في أمريكا وكأن هذا العنف ممتد وخارج الحدود الأوروبية.

ي

ومن السخرية القدرية والقاتمة والحزينة التي تفرضها ظروف الحرب لسخرية كوميدية لكنها أيضًا سوداء من خلال فيلم All about Corinne للمخرج مارك فيتوسي وهو فيلم افتتاح المهرجان الذي يبدو من على السطح منغمسًا في عالم صناعة السينما في فرنسا ومجتمع الكومبارس والضغوط الواقعة عليهم لكنه في الحقيقة يكشف أنماطًا للحياة. وخلافًا للأفلام السابقة التي وجد فيها القانون ومؤسسات الدولة يدًا غاشمةً تقهر وتظلم أولًا قبل البحث والدعم أو حتى محاولات من فرقتهم الحرب حتى تحولت مكالماتهم التليفونية لبعضهم البعض إلى وضع عبثي غير معقول، الوضع في الفيلم الكوميدي مختلف حيث لا قانون مكتوب يضغط على البطلة، فقط الوضع القائم الذي يصل لحد القانون ويطبقه الجميع تبدو هذه الممثلة عظيمة الموهبة والخبرات محصورةً في دور أقل من دورها ومع تقدمها في العمر لا يبدو أن هناك أي فرص لاكتشاف موهبتها أو منحها الفرصة بسبب هذا النظام الضاغط لكنها لم تيأس وظلت على الرغم من الانتقادات والتوجيهات القاسية في سعيها لتحقيق حلمها بأن تصبح هذه الممثلة المشهورة، هذه المفارقة تبدو ساخرةً لكنها في الوقت ذاته جمعتها بممثلة ومشهورة لتنشأ بينهم علاقةٌ تبادليةٌ منحتها من خلالها خبراتها وتوجيهها لتصبح ممثلةً أفضل مما هي عليه في حين أن الممثلة المشهورة تعمل وفق القواعد والنظام التي يفرضها مجتمع الممثلين وضغطت أكثر على البطلة بالشكل الذي يكشف مدى زيف التعاملات واختلافها الشديد عن حقيقة المشاعر والدفاع عن المكانة أيًا كانت الوسائل مهما كانت قاسيةً أو عنيفةً.

س

في هذا العالم التعليقات السلبية والسلوكيات العنيفة هي الأسلحةُ التي يوجهها الممثلون لبعضهم البعض وهي في هذا العالم عقاب نافذ وتكفي الوشاية والحديث السام لتفقد البطلة مكانتها على الرغم من أن إسهاماتها ضاعفت من تألق وتقدير الممثلة المشهورة وفي النهاية بسبب سعيها الدائم وجرأتها تتحول الكومبارس لممثلة وتثبت موهبتها لكن الحوار الأخير في الفيلم يضع احتمالات للمستقبل تنبئ بأنهُ ربما تتحول هذه الكومبارس التي عانت كثيرًا من السلوك السلبي إلى ممثلة شهيرة تمارس بدورها نفس السلوكيات العنيفة ضد الآخرين.

وبالتأكيد، هذه ليست الأفلام الوحيدة في برنامج مهرجان الجونة السينمائي 2026، ما زال القوس مفتوحًا لمزيد من الأفلام التي تكتشف وتناقش وتحلل هذا الصلف الأوروبي في هذه الدورة كما كان الحال في الدورات السابقة، سواء كان هذا الصلف موجهًا ضد بعضهم البعض، أو ضد الجميع.

رامي المتولي – ناقد سينمائي وسكرتير عام جمعية نقاد السينما المصريين، بدأ العمل في المجال عام 2010 متخصصاً في السينما العالمية، وانتقل بعدها للكتابة في عدة صحف ومواقع إلكترونية.