توم كروز

فيلم "Digger".. كوميديا توم كروز السوداء وإزعاج سينما إيناريتو!

23 أكتوبر 2026

بطل يتصرف بشكل مزعج، شخصيات سطحية مصطنعة، حاجز من الغرابة يمنع المتفرج من التفاعل مع الشخصيات، مشاهد تبدو أحيانًا كأنها اسكتش فكاهي سياسي قاتم، وأسلوب فني يتأرجح بين سينما الهجاء السياسي ومسرح الهزل. ماذا يريد المخرج إيناريتو من المتفرج؟ لماذا يجعله جالسًا على كرسيه في حالة من عدم الراحة؟

تفكيك الأكاذيب

يستخدم فيلم Digger  أسلوبًا عبثيًا لإعادة صياغة عبث الواقع السياسي العالمي المعاصر، حيث نفوذ الرأسمالية أقوى من سلطة رجال السياسة، وصوت العلم ضعيف ومرتعش، والشعارات الدينية ترفع من أجل أهداف غير أخلاقية. يبدو أن البطل ديجر روكويل (توم كروز)، رجل النفط المتغطرس، في حالة إنكار لمسؤوليته عن كارثة بيئية تسبب فيها، وحين يحاول التصدي لها، ينهمك في البحث عن الرواية الأكثر إقناعًا للجماهير بأنه ليس مسؤولًا، وأنه في الحقيقة المنقذ الذي يحاول القضاء على الكارثة.

التملص من المسؤولية برواية كاذبة هو الخطوة الأولى لاستعادة زمام المبادرة والنفوذ. يذكرنا هذا بكوميديا سوداء قدمتها هوليوود عام 1997 بعنوان غريب هو Wag the Dog «الذيل يهز الكلب». نشاهد منتجًا هوليووديًا ومدير علاقات عامة في حملة الرئيس يروّجان أخبارًا وفيديوهات مفبركة عن حرب افتراضية تخوضها أمريكا في ألبانيا لأسباب إنسانية، للتغطية على فضيحة أخلاقية للرئيس الأمريكي قبل أسابيع من انتخابات فترة ولاية جديدة.

ب

في Digger، لا يتعلق الأمر بمجرد رجل يحاول إنقاذ سمعته بعد كارثة بيئية تسبب فيها تنقيبه عن النفط في جرينلاند. ديجر يريد أن يعيد كتابة الحكاية بحيث يصبح صاحب الكارثة هو المنقذ، وتتحول المسؤولية إلى مسألة قابلة للتفاوض، بينما تتراجع الحقائق أمام الرواية الأكثر ملاءمة لأصحاب النفوذ.

السياسة والعلم والإعلام لا تتواجه هنا على أرض متكافئة؛ فصوت المال أعلى، والوقت المتاح لاتخاذ القرار يضيق، فيما يبدو أن من يملكون القدرة على تغيير الواقع منشغلون أكثر بالسيطرة على الطريقة التي سيُروى بها.

ي

حين ينكشف المسرح

لكن غرابة الفيلم لا تستمر على حالها. بعد نحو ثلث الأحداث، يكشف إيناريتو أن ما نشاهده هو بروفات عرض مسرحي عن الكارثة، وأن ديجر روكويل ليس رجل النفط نفسه، بل شخصية يؤديها ممثل. فجأة، نفهم بعض التفاصيل التي بدت سيريالية في البداية، مثل تحريك أشجار ضخمة في الخلفية أو ظهور شخصيات في المشهد بلا مبرر. ما حسبناه جزءًا من عالم الفيلم يتضح أنه جزء من تجهيز العرض.

بعد هذا الكشف، نفهم سبب المبالغة في الأداء وافتعال بعض المواقف، وحتى غرابة التفاصيل البصرية. نحن لا نشاهد الكارثة وحدها، بل نشاهد أشخاصًا يعيدون تمثيلها ويصنعون صورتها لجمهور لم يدخل المسرح بعد.

ل

ثم ينتقل الفيلم بين العرض وكواليسه، حيث نرى الممثلين خارج الأدوار التي يؤدونها. ديجر، رجل النفط المتغطرس الذي يحاول التهرب من مسؤوليته، ليس هو الممثل الذي يؤدي دوره؛ فهذا الأخير له مشكلاته وقلقه الخاص، ومنها خوفه على ابنته المسافرة على متن طائرة. الممثل الذي يؤدي دور ديجر له حياة وأزمات خارج المسرح، والكارثة التي يعيد تمثيلها لا تختصر حياته ولا تلغي مشكلاته الأخرى.

يتعمد إيناريتو صنع الإيهام ثم كسره، فينقلنا من الشخصيات إلى الممثلين، ومن الكارثة إلى تمثيلها. ومع ذلك، لا تبقى الأزمة حبيسة المسرح؛ فتداعياتها مستمرة لدى من عاشوها ونجوا منها، كما تطل على عالمنا المعاصر.

ؤ

المبالغة ليست ضمانًا للنجاح

يفسر هذا البناء بعض المبالغة التي تنفّر المتفرج في البداية، لكنه لا يجعلها موفقة دائمًا. أفهم لماذا اختار إيناريتو الأداء المسرحي، لكن فهم الاختيار لا يعني الاستمتاع به. فالمبالغة التي تكشف عبث الشخصية قد تتحول إلى حاجز يفصلنا عنها؛ نرى صخبها ولا نتعاطف معه، نحترم المبدأ الأخلاقي ولكن لا يجذبنا الشعار.

توم كروز، الذي اعتاد الجمهور رؤيته بطلًا نبيلًا قادرًا على السيطرة على الموقف في مهامه المستحيلة، يظهر هنا في صورة مختلفة تمامًا. ديجر شخص متغطرس، عصبي، متقلب، غبي، يتصرف كما لو أن العالم ملزم بتصديق روايته للأحداث. إنها فرصة لكروز للخروج من صورته المألوفة، لكن الطاقة التي يضخها في الشخصية لا تمنحها دائمًا عمقًا إنسانيًا. الصراخ والانفعالات المفرطة واللهجة التكساسية الثقيلة قد تجعل ديجر كاريكاتيرًا مضحكًا، لكنها لا تساعدنا بالضرورة على فهمه أو التفاعل معه.

وتظهر المشكلة نفسها في بعض الشخصيات المحيطة به. يضم الفيلم ممثلين قادرين على منح الأحداث ثقلًا أكبر، من ساندرا هولر إلى جون جودمان وجيسي بليمونز وريز أحمد، لكن مساحة الشخصيات لا تمنح جميعهم الفرصة الكافية للتحول إلى أشخاص مستقلين عن الوظيفة التي يؤديها كل منهم داخل الحكاية. بعضهم منح أداءه ألقًا في مشهد أو اثنين، مثل جودمان في دور الرئيس المريض الصاخب وريز أحمد العالم صاحب الصوت المنخفض، لكن الشخصيات ظلت أدوات لتمرير فكرة، أكثر منها أطرافًا في صراع يتطور دراميًا.

ؤ

هجاء يشرح نفسه أكثر مما ينبغي

لا يخفي Digger  موضوعاته تحت ستار الرمزية. الطمع الرأسمالي، والفساد السياسي، والاستهتار بالمناخ، والصراع على الطاقة، كلها عناصر أساسية في عالمه. الكارثة البيئية في جرينلاند ليست حادثًا منفصلًا عن النظام الذي تسبب فيها، ومحاولات احتوائها لا تنفصل عن مصالح الشركات والحسابات السياسية. لكن الفيلم لا يكتفي دائمًا بوضع هذه العناصر في مواجهة بعضها؛ إذ يميل أحيانًا إلى شرح ما تعنيه بصورة مباشرة، عبر حوارات وخطب تجعل الرسالة أكثر وضوحًا، لكنها تقلل مساحة الاكتشاف أمام المتفرج.

تظهر المشكلة حين يتأرجح الفيلم بين الهجاء السياسي والكوميديا السوداء والمأساة الوجودية. أحيانًا يستدعي المشهد الضحك، ثم يطالبنا بالتعامل معه كمأساة، من دون أن ينجح دائمًا في الجمع بينهما. المشكلة ليست في المزج نفسه، بل في أن المبالغة والمباشرة تجعلانه أحيانًا أقرب إلى عرض يشرح رسالته بدلًا من أن يترك الدراما والتفاعلات الإنسانية تفعل ذلك.

ب

على المستوى البصري، يستفيد إيناريتو من حركة كاميرا مدير التصوير إيمانويل لوبيزكي واللقطات المعقدة. قبل الكشف، تقرّبنا الزوايا من تفاصيل البروفات وتحجب حقيقة ما نراه، فتورطنا في العالم الغرائبي. وبعد الكشف، تمنحنا الزوايا الأوسع رؤية المسرح نفسه، وتزيد عبثية الكارثة وهي تُعاد على الخشبة.

ويصنع الصوت والموسيقى إيقاعًا صناعيًا خانقًا؛ ضجيج الآلات يطغى على أي محاولة للتفكير بهدوء. يمنح ذلك الفيلم قوة حسية، حتى حين لا تنجح شخصياته في جذبنا.

غير أن الثراء البصري لا يعالج كل مشكلات الإيقاع. فبعض المقاطع تطول أكثر مما تحتمل، وتفقد المناقشات المتشعبة والمشاهد التي تستعرض الفكرة مرة أخرى شيئًا من تأثيرها. ومع امتداد الفيلم، يصبح الصخب أحيانًا عبئًا إضافيًا، لا لأنه جزء من اختيار فني غير مألوف، بل لأن التكرار يضعف ما كان يمكن للمشهد أن يحققه بوسائل أقل مباشرة.

ل

الكارثة خارج حدود العرض

تتجاوز فكرة المسرح داخل الفيلم مجرد تفسير غرابة البداية. فإيناريتو يضعنا أمام سؤال عن العلاقة بين الكارثة وصورتها الفنية: ماذا يحدث حين تتحول مأساة حقيقية إلى عرض يستطيع الجمهور مشاهدته والتفاعل معه، بينما تظل آثارها مستمرة خارج حدود الخشبة؟ وهل تمنحنا إعادة تمثيل الكارثة مسافة تساعدنا على فهمها، أم تمنحنا شعورًا زائفًا بأننا أصبحنا بعيدين عنها لمجرد أننا نشاهدها؟

يربط الفيلم بين رواية ديجر التي تبرئه من المسؤولية، والعرض الذي يعيد تمثيل الكارثة. لا يتطابق الاثنان، لكن كليهما يذكّرنا بأن الصورة التي نصنعها عن الحدث قد تغيّر فهمنا له من دون أن تغيّر ما حدث أو تمحو آثاره. يستطيع الفن إعادة ترتيب الوقائع وتقديمها في صورة قابلة للمشاهدة، لكنه لا يضمن أن يدفعنا فهمها إلى الفعل، أو أن تنتهي الأزمة بانتهاء الحكاية.

ؤ

تلك أقوى أفكار Digger، وهي ما يجعل عيوبه أكثر إحباطًا. يتجاوز الفيلم هجاء رجل ثري متغطرس وساسة أغبياء، ويحاول وضع التمثيل والواقع في مواجهة مستمرة. لكن المبالغة والمباشرة والإطالة تقف أحيانًا بين الفكرة والمتفرج، فيصبح جهد المخرج أوضح من أثره.

يطرح Digger أسئلة مهمة عن الطمع والمسؤولية وصناعة الروايات التي تحمي أصحاب النفوذ، لكنه لا يترك دائمًا لمشاهده فرصة التقاط هذه الأسئلة دون شرح إضافي. ومع ذلك، ينجح إيناريتو في نقل فداحة الكارثة، بل ويطرح داخل الفيلم نفسه سؤالًا عن مدى ملاءمة السخرية من مأساة حقيقية كأسلوب فني. قد نختلف معه في أسلوبه، وقد نضيق بمبالغاته، لكننا لا نستطيع تجاهل ما يريد قوله. فالعرض المسرحي يمكن أن ينتهي، أما الكارثة فلا يسدل عليها الستار بهذه السهولة.

ي

الصور من حساب شركة وارنر
 

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.