خاص بـ "هي": ليلى الجندان.. هوية فنية سعودية تجمع بين أصالة التراث وحداثة التكنولوجيا
بين الأصالة والحداثة.. تأتي الهوية الفنية الفريدة للفنانة السعودية ليلى خالد الجندان، والتي تصفها بأنها سعودية الجذور، معاصرة في لغتها، ومنفتحة على العالم، حيث يعد أسلوبها الفني حواراً نابضاً بالحياة يجمع بين التراث السعودي الغني والحاضر المتطور، وبصفتها فنانة تمتلك خلفية في مجال التكنولوجيا، فإنها تتمتع بمنظور فريد يتيح لها تجسيد التلاقي بين الأصالة والحداثة؛ إذ تسعى من خلال أعمالها إلى تحدي المفاهيم السائدة، والاحتفاء بالثقافة السعودية، ومد جسور التواصل بين الأجيال، مساهماً بذلك في المشهد الفني المحلي والدولي، ومُبرزاً في الوقت ذاته روح المملكة العربية السعودية المعاصرة.. ومن خلال حوارها الخاص مع "هي" كشفت الفنانة ليلى الجندان عن مصادر إلهامها، وتلاقي الفن والتكنولوجيا في تجربتها، وطموحها لنقل روح الثقافة السعودية إلى العالم.

كيف تصفين هويتكِ الفنية، وما الذي دفعكِ إلى الجمع بين التراث السعودي والأساليب الفنية المعاصرة؟
أصف هويتي الفنية بأنها سعودية الجذور، معاصرة في لغتها، ومنفتحة على العالم. التراث بالنسبة لي ليس شيئاً نعود إليه بحنين إلى الماضي فقط، بل هو ذاكرة وهوية ومساحة ثرية يمكن إعادة اكتشافها والتعبير عنها بلغة كل زمن. لذلك أستحضر في أعمالي الأزياء التقليدية، والمرأة، والصحراء، والعناصر المستوحاة من ثقافتنا، ثم أعيد تقديمها من خلال اللون والتجريد والكولاج بأسلوب يعكس رؤيتي المعاصرة.
هذا الانفتاح على العالم هو أيضاً جزء من تكويني الشخصي؛ فبحكم طبيعة عمل الوالد، حفظه الله، كدبلوماسي، أتيحت لي منذ الصغر فرصة الانفتاح والتعرف على ثقافات متعددة، وكانت زيارات المتاحف الفنية والتاريخية خلال أسفارنا من التجارب المبكرة التي غذّت فضولي وشكلت ذائقتي البصرية، كما تركت فترة إقامة عائلتي في فيينا بلد الفنون أثراً فنياً واضحاً لدي. وجاءت مسيرتي المهنية في شركات التكنولوجيا العالمية لتوسع هذا الأفق أكثر، من خلال العمل والتفاعل مع أشخاص من ثقافات وتجارب متنوعة.
أعتقد أن هذا التنوع جعلني أكثر وعياً واعتزازاً بهويتي السعودية، وليس العكس. بالنسبة لي، المعاصرة لا تعني الابتعاد عن الجذور، بل إعادة اكتشافها والنظر إليها بعيون جديدة.. وهذا ما أحاول أن أجسده في أعمالي: أن يكون العمل سعودياً في روحه، معاصراً في لغته، وقادراً على التواصل مع الآخر أينما كان.

تحضر الأزياء التقليدية والمناظر الصحراوية في أعمالكِ بشكل لافت؛ كيف تعيدين تقديم هذه العناصر برؤية جديدة؟
الأزياء التقليدية والصحراء بالنسبة لي ليستا مجرد عناصر جمالية، بل تحملان ذاكرة وهوية وقصصاً شخصية أيضاً. ولعل علاقتي بالأزياء تعود إلى ذاكرة مبكرة مع والدتي، فقد كنت أراقبها وهي ترسم تصاميم واسكتشات للأزياء التي ترغب في تفصيلها، وأعتقد أن تلك المشاهد بقيت في ذاكرتي البصرية وظهرت لاحقاً بطريقة أو بأخرى في أعمالي.
حين أرسم المرأة بالزي السعودي التقليدي لا أسعى إلى توثيق الزي فقط، بل إلى وضعه في سياق معاصر.. أريد أن تلتقي فيه المرأة المرتبطة بإرثها مع المرأة التي تعيش حاضرها بكل ما فيه من طموح وتحول.
أما الصحراء، فلها حضور خاص لدي.. أراها مساحة للهدوء والتأمل والامتداد والحرية. وحين أضع المرأة داخل هذا الفضاء وأضيف ألواناً أو تكوينات غير متوقعة، يتحول المشهد من تصوير لمكان إلى حالة شعورية، وربما إلى مساحة بين الواقع والحلم. أحب أن يكون العنصر مألوفاً للمتلقي، لكن الطريقة التي يراه بها جديدة.

ترمز المرأة في أعمالكِ إلى التغيير والصمود؛ ماذا تمثل لكِ المرأة السعودية تحديداً ضمن عالمكِ الفني؟
المرأة السعودية بالنسبة لي ليست مجرد موضوع فني، بل تجربة أنتمي إليها وأعيشها.. أراها امرأة طموحة وقوية وقادرة على التطور وصناعة الأثر، وفي الوقت نفسه شديدة الارتباط بهويتها وجذورها.
لكنني لا أريد أن أقدم صورة أحادية للمرأة باعتبارها قوية طوال الوقت. يهمني أيضاً عالمها الداخلي: لحظات التأمل والشك والتحدي وحتى الضعف. سبق أن عبّرت عن هذه الثنائية في أعمالي، لأنني أؤمن أن إنسانية المرأة تكمن في كل هذه الأبعاد، وأن القوة الحقيقية ليست في غياب لحظات الضعف، بل في القدرة على تجاوزها والاستمرار.
وأشعر بكثير من الفخر تجاه ما تعيشه المرأة السعودية اليوم.. فهي لم تعد فقط جزءاً من قصة التحول الذي تشهده المملكة، بل أصبحت شريكاً فاعلاً في صناعة هذا التحول. وفي الوقت نفسه، لا أنسى الأجيال من النساء اللاتي سبقننا ومهّدن لنا الطريق، كما أننا بدورنا نمهد الطريق للجيل القادم.

كيف توظفين الألوان الجريئة والأشكال الهندسية والوسائط المتعددة في ترجمة الأفكار والمشاعر التي تحملها أعمالكِ؟
اللون بالنسبة لي طاقة ومشاعر قبل أن يكون اختياراً جمالياً.. أنجذب بطبيعتي إلى الألوان الجريئة والحية، وأستخدمها أحياناً للتعبير عن القوة، وأحياناً عن الفرح أو التوتر أو الأمل. هناك مشاعر يصعب التعبير عنها بالكلمات، لكن لوناً واحداً قد يستطيع إيصالها فوراً.
أما التجريد، فيعطيني مساحة لتفكيك الصورة وإعادة بنائها من زاوية مختلفة.. وأحب استخدام أكثر من خامة وتقنية في العمل، مثل الكولاج وورق الذهب، لأنها تضيف طبقات وملمساً وعمقاً بصرياً.. بالنسبة لي، اللوحة لا يجب أن تكشف كل أسرارها من النظرة الأولى، بل أحب أن يجد المتلقي فيها شيئاً جديداً كلما عاد إليها.

بحكم خلفيتكِ في مجال التكنولوجيا، كيف أثرت هذه التجربة على رؤيتكِ وممارستكِ الفنية؟
هذا السؤال قريب جداً مني، لأن الفن والتكنولوجيا يمثلان جانبين أساسيين في حياتي، قد يبدوان للوهلة الأولى عالمين متباعدين، لكنني أراهما أقرب مما نتصور. كلاهما يبدأ بسؤال أو فكرة، وكلاهما يقوم على الفضول والتجربة والبحث عن إمكانات جديدة.
خلفيتي في علوم الحاسب ومسيرتي المهنية في قطاع التكنولوجيا أثرت بالتأكيد في طريقة تفكيري. التكنولوجيا علمتني التفكير المنهجي، وحل المشكلات، وعدم الخوف من التغيير، والنظر باستمرار نحو المستقبل. وفي المقابل، منحني الفن مساحة مختلفة تماماً للحدس والعاطفة والخيال.
أحب هذا التناقض والتكامل في الوقت نفسه.. ففي عملي المهني أعيش يومياً سرعة التحول والابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وفي المرسم أعود إلى اللون والخامة والإنسان والذاكرة. وربما اجتماع العالمين هو ما جعلني أكثر ميلاً للتجريب، وأقل خوفاً من كسر القوالب الفنية التقليدية.
وأؤمن أن الإبداع ليس حكراً على الفن، كما أن المنطق ليس حكراً على التكنولوجيا.. أجمل الأفكار تولد أحياناً عندما نسمح لهذين العالمين بأن يلتقيا.

كيف ترين دور التكنولوجيا في توسيع حدود التجربة الفنية وفتح مساحات جديدة للتعبير؟
أرى أننا نعيش لحظة مثيرة جداً في العلاقة بين الفن والتكنولوجيا. الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي والتجارب التفاعلية تفتح أمام الفنان مساحات جديدة للتجريب والتعبير، وقد تغير حتى الطريقة التي نعرّف بها العمل الفني مستقبلاً.
وأنا بطبيعتي لا أخشى التكنولوجيا، بل أحب اكتشاف الإمكانات التي يمكن أن تضيفها إلى الإبداع، لكنني في الوقت ذاته أؤمن بأهمية التفريق بين الأداة والمبدع. التكنولوجيا تستطيع أن توسّع الإمكانات وتسرّع التجربة وتفتح أبواباً لم تكن متاحة من قبل، لكن الفكرة والذاكرة والمشاعر والتجربة الشخصية التي تقف خلف العمل تظل في جوهرها إنسانية.
لهذا لا أرى العلاقة بين الفن والتكنولوجيا على أنها منافسة، بل شراكة جديدة.. والسؤال المثير بالنسبة لي ليس: هل ستحل التكنولوجيا محل الفنان؟ بل: ماذا يستطيع الفنان أن يخلق عندما يمتلك أدوات لم تكن متاحة له من قبل؟.

إلى أي مدى ترين أن الفن قادر اليوم على إعادة تعريف العلاقة بين الأصالة والحداثة في المجتمع السعودي؟
أعتقد أن هذه واحدة من أجمل اللحظات التي يعيشها الفن السعودي، لأننا نعيش تحولات كبيرة ومتسارعة، وفي الوقت نفسه هناك وعي متزايد بقيمة هويتنا الثقافية.. ومن هنا يصبح دور الفن مهماً، لأنه قادر على أن يجعل الماضي والحاضر يتحدثان معاً، بدلاً من أن يضعهما في مواجهة بعضهما.
بالنسبة لي، الأصالة لا تعني أن نظل في الماضي، كما أن الحداثة لا تعني أن نتخلى عنه. يمكن للفنان أن يأخذ زياً أو زخرفة أو قصة أو مشهداً مألوفاً من ثقافته، ثم يعيد قراءته بطريقة تتحدث إلى إنسان اليوم. وبهذه الطريقة يصبح التراث مصدراً للإبداع وليس قيداً عليه.
وهذا تحديداً جزء مما أحاول القيام به في أعمالي. أريد أن يكون العمل سعودياً في روحه، معاصراً في لغته، وإنسانياً في رسالته. لأن هويتنا تصبح أقوى عندما تكون قادرة على التطور والحوار مع العالم.

تسعين من خلال أعمالكِ إلى تحدي بعض المفاهيم السائدة ومدّ جسور التواصل بين الأجيال؛ ما أبرز الأفكار التي ترغبين في طرحها من خلال فنكِ؟
إحدى الأفكار التي تشغلني دائماً هي علاقتنا بالهوية، وكيف يمكننا أن نتطور وننفتح على العالم من دون أن نفقد ارتباطنا بجذورنا، لذلك أحاول من خلال المرأة والتراث والأزياء والألوان أن أخلق حواراً بين الماضي والحاضر، وبين الأجيال أيضاً.. قد يرى الجيل الأكبر في العمل شيئاً يعرفه ويحمل له ذاكرة خاصة، بينما يراه الجيل الجديد من منظور مختلف ومعاصر، وهذا الحوار بحد ذاته يهمني كثيراً.
لكن هناك رسالة أخرى أجدها قريبة جداً من تجربتي الشخصية، وهي ألا نضع لأنفسنا قوالب تحدد مسبقاً ما يمكن أن نكونه.. أنا اليوم أشغل منصب قيادي في واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا العالمية، وفي الوقت نفسه فنانة تشكيلية.. قد يبدو المساران مختلفين، لكن بالنسبة لي كلاهما جزء أصيل من هويتي، وكل واحد منهما يثري الآخر. التكنولوجيا تمنحني مساحة للتفكير في المستقبل والابتكار والتغيير، بينما يمنحني الفن مساحة للتعبير عن المشاعر والهوية والجانب الإنساني.
مسيرتي لم تكن خطاً واحداً، وهذه من الأشياء التي أعتز بها.. فقد علمتني تجربتي أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يختصر نفسه في تعريف واحد، وأن بإمكانه أن يعيد اكتشاف ذاته وشغفه في مراحل مختلفة من حياته. وأتمنى أن تصل هذه الرسالة خصوصاً إلى الجيل الجديد: لا تسمحوا للمسميات أو العمر أو المسار المهني أو توقعات الآخرين بأن تضع حدوداً لما تستطيعون أن تصبحوا عليه.

بين قيادتكِ في عالم التكنولوجيا ومسيرتكِ كفنانة، متى تشعرين أنك الأقرب إلى ذاتكِ؟
لا أعتقد أنني أحتاج إلى الاختيار بين العالمين؛ فكلاهما يعبر عن جانب حقيقي مني.. في عالم التكنولوجيا أجد نفسي في التحدي والقيادة وصناعة الأثر والعمل مع الناس، وفي الفن أجد مساحة أكثر هدوءاً وخصوصية، أعود فيها إلى ذاتي بعيداً عن الأدوار والمسميات.
ربما يكون المرسم هو المكان الذي تتوقف فيه الضوضاء قليلاً. أمام اللوحة لا توجد توقعات أو اجتماعات أو ألقاب مهنية، هناك فقط فكرة وشعور ولون.. ومع ذلك، لا أرى العالمين منفصلين؛ فالإنسانة التي تقود وتفكر وتواجه التحديات هي نفسها التي تقف أمام اللوحة وتحاول التعبير عما قد لا تستطيع قوله بالكلمات. ربما أكون الأقرب إلى ذاتي حين أسمح لكل هذه الجوانب بأن تكون جزءاً مني، من دون أن أضطر إلى الاختيار بينها.
كيف ترين حضور الفن السعودي اليوم على الساحة الدولية، وما الذي تطمحين إلى إضافته إلى هذا المشهد من خلال تجربتكِ؟
أشعر بالفخر أمام ما نشهده من حضور متنامٍ للفن والثقافة السعودية. لدينا إرث بصري وثقافي شديد الثراء، وفي الوقت نفسه لدينا جيل من الفنانين يقدم رؤيته بثقة وبلغة معاصرة، وهذا المزيج يجعل التجربة السعودية مميزة.
ومن خلال تجربتي ومشاركاتي خارج المملكة، أصبحت أكثر إيماناً بأن المحلية الصادقة تستطيع أن تكون عالمية. لسنا بحاجة إلى التخلي عن خصوصيتنا لكي يفهمنا الآخر، بل ربما العكس تماماً.. عندما يأتي العمل من تجربة حقيقية وهوية واضحة، يستطيع الإنسان في أي مكان أن يتفاعل معه، حتى وإن كانت خلفيته الثقافية مختلفة.
وطموحي أن أشارك في هذه القصة من خلال صوتي الفني الخاص، صوت يجمع المرأة السعودية والتراث والتحول، ويقدمها من منظور شخصي ومعاصر. أريد عندما يرى شخص عملاً لي خارج المملكة أن يشعر بخصوصيته السعودية، لكنه في الوقت نفسه يجد فيه مشاعر وأسئلة إنسانية يستطيع أن يرتبط بها.
وفي النهاية، لا أطمح فقط إلى أن تصل أعمالي إلى العالم، بل أن يصل من خلالها شيء من السعودية التي أعرفها وأعيشها وأؤمن بها.

بعد هذه الرحلة بين الفن والتكنولوجيا والقيادة، كيف تغيّر تعريفكِ للنجاح؟
في الفن، أصبح النجاح بالنسبة لي مرتبطًا بالأثر الذي يبقى.. عندما أرى إحدى لوحاتي معلّقة في منزل أو مكتب أو أي مساحة اختار لها صاحبها أن تكون جزءًا منها، أشعر أن جزءًا من قصتي أصبح جزءًا من قصته، وأن العمل لم يعد ملكي وحدي، بل بدأ حياة جديدة في مكان آخر. ليس هناك أجمل من أن أعرف أن شيئًا صنعته بشغف استطاع أن يلامس شخصًا آخر ويصبح جزءًا من مساحته وذاكرته.
ومع الوقت، اتسع هذا المعنى لديّ ليشمل حياتي بشكل أكبر، أصبح النجاح بالنسبة لي أكبر من إنجاز مهني أو معرض أو محطة محددة.. هو أن أستطيع أن أصنع أثرًا في أكثر من مساحة من حياتي من دون أن أفقد ذاتي، وأن أستمر في التعلم والتطور، وفي الوقت نفسه أحتفظ بالمساحة التي تمنحني الشغف والتوازن.
وأصبحت أؤمن أكثر بأن النجاح لا يجب أن يكون له شكل واحد، يمكننا أن ننجح في القيادة والعمل، وأن نحافظ في الوقت نفسه على شغف يعبّر عنا ويمنح حياتنا بُعدًا آخر.. النجاح الحقيقي بالنسبة لي ألا أضطر إلى التخلي عن جزء مني لكي ينجح الجزء الآخر.