فيلم Heart of the Beast... حكاية الكلب الذي تفوق على براد بيت!

فيلم "Heart of the Beast".. حكاية الكلب الذي ينافس براد بيت!

3 أكتوبر 2026

هناك عشرات الأفلام التي روت حكايات مؤثرة عن صراع الإنسان والطبيعة الموحشة في البرية، وركزت هذه الأعمال على المكان كخطر يهدد البطل بعد تقطع سبل النجاة وصعوبة الوصول إلى بر الأمان حيث البشر.

لكن فيلم Heart of the Beast يبدأ من نقطة مختلفة؛ يبدو أن البطل جيمس بيلمونت (براد بيت) وكلبه أودين ذهبا إلى البرية ليبتعدا عن قسوة عالم البشر، محملين بصدمات حروب خاضوها في الماضي وتركت ندوبها على جسديهما وعلى نفوسهما المضطربة. هناك يقابلان (جيه. كيه. سيمونز) وهو رجلًا عجوزًا هجر العمل في مناجم الذهب لأنه سئم جشع البشر، فيفهم عزلتهما وريبتهما، لكنه يبدو أكثر تصالحًا مع العالم.

كوابيس جيمس وأودين

بعد تحطم الطائرة، لا يجد جيمس بلمونت نفسه وحيدًا في براري ألاسكا. إلى جواره أودين، كلبه الشيبارد المدرب على المشاركة في القتال، والذي خرج منها بساق صناعية. وفي مكان كهذا تبدو الرفقة أكثر أهمية من أي شيء آخر. لا توجد مدينة قريبة، ولا طريق واضح للنجاة، والطبيعة نفسها تتحول إلى خصم لا يحتاج إلى مطاردة أحد؛ يكفي أن تكون هناك، مجردًا من وسائل التواصل والبقاء على قيد الحياة.

هذه هي الفكرة التي تمنح Heart of the Beast ثقله الحقيقي. الفيلم الذي كتبه (كاميرون ألكسندر) يبدو في البداية كحكاية نجاة عن جندي سابق في القوات الخاصة يحاول العودة من البرية، لكنه يصبح أكثر إثارة عندما يتوقف عن النظر إلى أودين باعتباره مجرد كلب يرافق البطل، ويبدأ في التعامل مع العلاقة بينهما كشراكة كاملة في مواجهة الخطر.

براد بيت يلعب جيمس بقدر كبير من الاقتصاد في الأداء. لا يحاول أن يستعرض صورة الجندي الصلب الذي لا تهزه الظروف، بل يسمح للإرهاق بأن يظهر على جسده ووجهه، وللألم بأن يتسلل إلى لحظات الصمت دون حاجة إلى الكلام. شخصية رجل تهاجمه أعراض مرض القلب ويحمل آثار الحرب وكوابيسها معه، حتى بعدما تركها خلفه، وتزداد هذه الآثار وضوحًا كلما أصبح بعيدًا عن العالم الذي يعرفه.

ب

حضور الطبيعة

لكن أفضل ما في الفيلم أن أودين لا يتحول إلى نسخة من البطل، رغم اشتراكهما في الكوابيس واضطرابات ما بعد الصدمة. العلاقة بينهما لا تحتاج إلى الكثير من العاطفة المصطنعة أو النظرات التي تخبرنا بما يجب أن نشعر به. هناك اعتماد متبادل بين كائنين يعرف كل منهما أن الآخر قد يكون سبب نجاته.

ولهذا تصبح المشاهد التي تجمعهما أكثر صدقًا من كثير من مشاهد الحوار. الرجل والكلب مصابان، كل منهما بطريقته، وكلاهما يعرف أن عليه الاستمرار. لا يحتاج الفيلم إلى شرح طويل لهذه العلاقة؛ يكفي أن نرى كيف يتعامل أحدهما مع الآخر عندما يصبح البرد والجوع والإصابة أقوى من أي كلام.

هنا أيضًا ينجح المخرج ديفيد آير في خلق عالم له حضور حقيقي. ألاسكا ليست مجرد منظر جميل خلف جيمس وهو يركض أو يطارد شيئًا. الغابات الوعرة والمساحات الثلجية والبرد والرياح تجعل الطبيعة جزءًا من الصراع نفسه.

ع

اللقطات الواسعة بعدسة كاميرا مدير التصوير (ماورو فيوري) تجعل جيمس وأودين صغيرين وسط هذا الامتداد الهائل، بينما تأتي الإضاءة الطبيعية الخافتة لتزيد الإحساس بالوحشة. وفي بعض اللحظات، يبدو أن المشكلة ليست في الوصول إلى مكان آمن، وإنما في معرفة ما إذا كان هناك مكان آمن أصلًا.

حتى الصوت يعمل بالطريقة نفسها. حفيف الأشجار، والرياح، وتنفس أودين، والخطوات فوق الثلج والأرض الوعرة تمنح الفيلم توترًا لا يحتاج دائمًا إلى موسيقى. وعندما تدخل موسيقى (جاريد مايكل فري) ، تأتي في اللحظات التي تحتاجها فعلًا، بدلًا من أن تحاول إجبار المشاهد على الشعور بالخطر طوال الوقت.

ه

عندما يتخلى الفيلم عن طبيعته

في نصفه الثاني، يبدأ Heart of the Beast في الاقتراب من الصيغة التي حاول في بدايته أن يتجنبها. يتحول من قصة نجاة هادئة ومؤلمة إلى فيلم إثارة هوليوودي أكثر صخبًا، تتقدم فيه المطاردات ومصارعة وحوش الغابة على العلاقة التي منحت القصة قلبها.

وهنا تصبح الحيوانات التي تطاردهما مشكلة إضافية. فبينما حصل جيمس وأودين على مساحة كافية ليصبح وجودهما مقنعًا، تبدو الدببة والضباع مجرد حجج لصناعة مشاهد أكشن تجارية.

كان يمكن لهذا الصراع أن يمنح الفيلم طبقة أخرى، خصوصًا أن جيمس رجل خرج من عالم الحرب ويحاول النجاة في عالم لا يزال يفرض عليه منطقها. لكن الصراع مع الدببة والضباع يبدو عبثيًا، وأسلوب تنفيذه الجرافيكي ضعيف، ويصل إلى حد كبير من الركاكة في مشاهد مثل هجوم الضباع الجماعي.

ثم تأتي مشكلة الإيقاع. بعد تأسيس الرحلة، يمر الفيلم بفترات من البطء والتكرار، خصوصًا في مشاهد السير والتخييم، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى سرعة أكبر مما يحتمل. 
وهناك أيضًا لحظات تتجاوز فيها قدرة جيمس وأودين على تحمل ما يفرضه عليهما السيناريو من أهوال وآلام. الفيلم يريد أن يبدو واقعيًا إلى درجة كبيرة، ولذلك تصبح الإصابات والبرد والإرهاق مهمة. لكن عندما يتجاوز البطل وكلبه حدود التحمل البشري والطبيعي، يتراجع الإحساس بالخطر الذي بناه الفيلم بنفسه.

ه

براد بيت وأوبر

ومع ذلك، يظل هناك سبب واضح يجعل Heart of the Beast يستحق المشاهدة: أداء براد بيت وأودين.

بيت لا يحتاج إلى كثير من الكلام كي يصنع شخصية جيمس. هناك توتر واضح في أدائه يناسب شخصية الرجل الذي يقدمه؛ صلابة اكتسبها من سنوات القتال الطويلة، لكنها لم تعد تحميه من كل شيء. وكلما أصبح أقل قدرة على الكلام، أصبحت لغة جسده أهم.

أما الكلب أودين (اسمه الأصلي أوبر)، فهو أفضل ما في الفيلم من الناحية العاطفية. العلاقة بينه وبين جيمس لا تبدو كإضافة عاطفية إلى فيلم نجاة، وإنما هي الأمر الجوهري الذي بُني عليه الفيلم. مشاهد الحركة الصعبة لشخصية أودين جسدها أبناء الكلب أوبر الثلاثة، بينما المشاهد القريبة والمشاهد مع براد بيت جسدها أوبر وهو كلب عمليات بحث وإنقاذ سابق، وهي خلفية أستغلت لتعكس مشاعره واهتمامه بالبشر.

ولهذا تبدو مشاهد البقاء الأكثر نجاحًا هي تلك التي يكون فيها الرجل والكلب معًا، يحاول كل منهما أن يساعد الآخر على عبور المسافة التالية. ومع تطور الأحداث، تبدأ مشاهد أودين في التفوق على مشاهد براد بيت، خصوصًا عندما يبدأ بيت في تكرار أدائه في ظل غياب الأحداث. وهذا يكشف أن الفيلم نفسه مصنوع بتحيز لصالح شخصية الكلب، رغم أن براد بيت هو البطل.المشكلة أن الفيلم، في لحظاته الأضعف، ينسى ذلك.

كان لديه حكاية صغيرة ومباشرة عن رجل وكلب، وعن اثنين يحملان آثار الحرب ويحاولان النجاة في مكان لا يرحم. كلما اقترب منها، أصبح أكثر صدقًا، وكلما ابتعد عنها نحو المطاردات والأكشن التقليدي، أصبح فيلمًا سطحيًا يمكن توقع خطواته التالية.

ع

الصور من حسابات الفيلم الرسمي على السوشيال ميديا
 

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.