فيلم سفن دوجز

السينما تمر من هنا.. أفلام كبرى خرجت من أرض المملكة إلى أنحاء العالم

25 سبتمبر 2026

تحولت المملكة العربية السعودية في وقت قياسي إلى مركز جذب للإنتاجات السينمائية العالمية، بعدما أصبحت خيارا أساسيا لتصوير كبرى الأعمال، بفضل إمكاناتها الهائلة واستديوهاتها العملاقة. وعلى الرغم من أن خطط استقطاب تصوير الأفلام الكبيرة على أرض المملكة بدأت منذ سنوات، فإن نتائج هذا الجهد ظهرت بشكل لافت في 2026، حيث استقبلت دور العرض الإقليمية وحول العالم أربعة أفلام سينمائية كبيرة صُوِّرت في مواقع متفرقة داخل السعودية، وظهرت مشاهد ولقطات تصور الطبيعة المتنوعة، وأخرى تعتمد على بيئة الإنتاج المتكاملة من استديوهات وبنية نموذجية.

حيث يتحدث عدد من الصناع والمسؤولين في هذه السطور لمجلة "هي" عن حضور المملكة العربية السعودية كوجهة سينمائية عالمية، مع التركيز على أهم التجارب في هذا الصدد، وبينها "7 ،"Dogs و"K-Pops"، و"Desert Warrior"، و"In the Grey"، والتي تسرد قصة نجاح وتحول في وقت قياسي من سوق عرض إلى جهة إنتاج فاعلة وصولا لموقع تصوير دولي، يستند لمنظومة سينمائية متكاملة.

فخدمات الإنتاج رفيعة المستوى والكوادر السعودية، والمواقع المتفردة، والاستديوهات المجهزة والمتطورة، والمهرجانات ودور العرض المتزايدة تضمن تجربة تصوير وعرض نموذجية يقدرها العاملون في الصناعة على مستوى العالم، كما تصبح الفائدة ممدودة بالخبرات المتراكمة التي تحصل عليها طواقم العمل المحلية، وكذلك تسهم المنظومة في إبراز جغرافية المملكة وثرائها الثقافي. وعلى مستوى الأرقام يتقدم فيلم الأكشن الضخم الذي حقق إيرادات قياسية في المنطقة "سيفن دوجز" ليمثل واحدة من أكثر التجارب مثالية بهذا الصدد، فقد شارك في صناعته أكثر من 100 موهبة سعودية، وتضمنت مشاهده  405.85 كيلوغراما من المتفجرات، أي أكبر كميّة من المتفجّرات فُجِّرت في لقطة واحدة، وحمل توقيع مخرجين عالميين هما عادل العربي وبلال فلاح، كما تنوع الأبطال ما بين نجوم عرب وآخرين من هوليوود وبوليوود، وكان التصوير بين شوارع الرياض واستديوهات الحصن "بيغ تايم"، إضافة إلى عرض الفيلم الجماهيري في نحو 26 ألف شاشة حول العالم، ويقف على إنتاجه شركة صلة برعاية الهيئة العامة للترفيه.

مونيكا بيلوتشي في سيفن دوجز
مونيكا بيلوتشي في سيفن دوجز

 

التقنيات والطبيعة وصناعة الكوادر

وحول المشروع يتحدث الرئيس التنفيذي لقطاع الفعاليات والمحتوى في شركة صلة، عدنان الكيال لمجلة "هي"، مشيرا إلى أن النقطة الأهم في مسألة تحول السعودية إلى وجهة لتصوير أفلام وأعمال ذات حضور عالمي هي أننا لم نعد نتحدث فقط عن وجود مواقع جميلة أو استوديوهات حديثة، وإنما عن بناء منظومة إنتاج متكاملة تستطيع أن تستقبل مشروعا كبيرا من مرحلة التحضير والبناء حتى التصوير والمؤثرات وما بعد الإنتاج، وفي الوقت نفسه تبني جيلا من الكفاءات السعودية القادرة على العمل وفق المعايير العالمية. ويلفت الكيال إلى أن "سفن دوجز" مثال واضح على هذا التحول، حيث إن الأحداث التي تتحرك بين القاهرة وشنغهاي ومومباي ولاس فيغاس، صُوّرت بأكملها في الرياض تأكيدا على قدرة المدينة على أن تكون أكثر من مجردlocation؛ بأن تصبح production hub يمكن من داخله خلق عوالم مختلفة تماما.

موضحا أن جزءا أساسيا من المشروع تحقق داخل استديوهات الحصن Big Time Studios، بوصفها قاعدة إنتاج وتصنيع كاملة. فلم يُستخدم الاستوديو فقط مساحة للتصوير، وإنما كان هناك الورش والإمكانات الهندسية لبناء ديكورات ضخمة، وتصميم أنظمة ميكانيكية خاصة، وتنفيذ مؤثرات عملية ومشاهد أكشن معقدة، كذلك تم تحويل أجزاء من Boulevard World بالرياض إلى سوق كبير، فلم يكن الأمر قاصرا على استديو فقط.

كذلك يشدد على أن الأمور اللوجستية تمثل نصف المعادلة، مضيفا أن فرقا ومواهب سعودية عملت جنبا إلى جنب مع أسماء عالمية جاءت بخبرات من أكبر إنتاجات الأكشن في العالم، حيث يوضح: "تستطيع بناء استوديو عالمي خلال فترة زمنية محددة، لكن بناء طاقم إنتاج يمتلك خبرة العمل على أفلام ومسلسلات عالمية يحتاج إلى مشاريع حقيقية، وإلى سنوات من تراكم الخبرة. لأن الهدف ليس أن يأتي فريق دولي، يصنع فيلما ثم يغادر ونبدأ من الصفر في المشروع التالي. الهدف أن كل إنتاج دولي يترك وراءه معرفة وخبرة وقدرات أكبر."

أحمد عز في مشهد من فيلم سفن دوجز
أحمد عز في مشهد من فيلم سفن دوجز

ويختتم الكيال تصريحاته بالقول:" النجاح الحقيقي سيكون عندما لا ننظر إلى «سفن دوجز» بعد سنوات باعتباره استثناء أو حدثا ضخما حدث مرة واحدة، وإنما باعتباره أحد المشاريع المبكرة التي ساعدت في بناء قاعدة جعلت هذا النوع من الإنتاج أمرا طبيعيا ومتكررا في المملكة. وهذا هو الطموح في النهاية: أن يفكر منتج أو استوديو دولي في مشروع جديد في الشرق الأوسط، أو حتى في مشروع عالمي يحتاج إلى بيئات وإمكانات إنتاج متعددة، وتكون الرياض ضمن أول المدن التي يفكر فيها، ليس فقط لأنها تقدم موقعا أو استوديو، ولكن لأنها تستطيع أن تقدم له منظومة إنتاج متكاملة. وعندها نستطيع فعلا أن نتحدث عن الرياض باعتبارهاglobal production hub : مدينة لا تستضيف المواهب العالمية فقط، وإنما تعمل معها، وتطوّر من خلالها المواهب السعودية، وتنتج معرفة وخبرة تبقى داخل السوق وتنتقل من عمل إلى آخر. بالنسبة إلي، هذا هو التحول الحقيقي الذي يحدث الآن: نحن لا نبني فقط أماكن يمكن فيها تصوير الأفلام، نحن نبني القدرة البشرية والتقنية التي تجعل من الممكن صناعة أفلام عالمية من الرياض".

الاستثمار المستدام في الكفاءات السعودية

أما فيلم K-Pops!" (كي-بوبس! )، فقد عُرض في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بجدة قبل نحو عامين، بينما استقبله الجمهور في أنحاء العالم هذا العام، ويُعتبر الفيلم الذي يعيد فيه البطل اكتشاف معاني الأبوة، هو العمل الإخراجي الأوّل للمغنّي الحائز ثماني جوائز غرامي أندرسون باك، وهو فيلم يتابع حياة موسيقي بين الولايات المتّحدة وكوريا والمملكة العربيّة السعودية، حيث صُوّرت بعض مشاهده الخلابة في مناطق بالعلا، وبينها قاعة مرايا وأكواخ كلاود، حيث يأتي الفيلم برعاية مبادرة فيلم العلا، وبدعم جهود الإنتاج من شركة الجمل الأصفر. ويتمتع "كي بوبس!" بطاقم عمل تحصل فيه النساء على دور مهم سواء في الأقسام التقنية أو الإنتاجية خلف الكواليس، وأيضا فيما يتعلق بالسيناريو الذي شاركت فيه كايلا أمازان بالتعاون مع مخرجه وبطله أندرسون باك، وكذلك الدور النسائي المحوري لـجي يونغ هان.

ووفقا لما يقوله زيد شاكر، المدير التنفيذي المكلَّف لـ"فيلم العُلا" في تصريحاته لـ"هي"، فإن لديهم نهجا أساسيا وهو التنوع بهدف استقطاب إنتاجات عالمية ومحلية وإقليمية إلى العلا بالتوازي مع دعم المواهب والإنتاجات المحلية، بما يمكنها من الوصول إلى منصات دولية بارزة، ويسهم في تعزيز حضور السينما السعودية ومكانتها عالميا، ويمهّد الطريق أمام مزيد من المشاريع المحلية والدولية مستقبلا. ويضيف: "حرصنا، منذ بداياتنا، على دعم الأفلام التي تتمتع بسردية مميزة وقيمة فنية فريدة، سواء كانت عالمية أو إقليمية أو محلية وخلال السنوات الماضية، شملت قائمة إنتاجاتنا أعمالا عالمية مثل فيلم الحركة والتشويق "قندهار"، وفيلم (K-Pops!) إلى جانب فيلم "تشيري" من بطولة توم هولاند، كما دعمنا عددا من الإنتاجات السعودية البارزة، من بينها فيلم «نورة» للمخرج توفيق الزيدي، الذي اختير رسميا للمشاركة في الدورة الـ77 من مهرجان كان السينمائي، ليصبح أول فيلم سعودي يُعرض في المهرجان؛ وفيلم الدراما والمغامرة "هجرة" للمخرجة السعودية شهد أمين، الذي عُرض ضمن مهرجان البندقية السينمائي عام 2025؛ إضافة إلى الإنتاج السعودي-التركي «سوار» من إخراج أسامة الخريجي، كما شهدت استوديوهات العلا مطلع هذا العام الانتهاء من تصوير فيلم (Chasing Red)، من بطولة مادلين بيتش وغافين كاسالينيو".

فيلم كي بوبس المدعوم من فيلم العلا
فيلم كي بوبس المدعوم من فيلم العلا

وحول ترسيخ مكانة العلا وجهة سينمائية فريدة يشير المدير التنفيذي المكلّف لمؤسسة فيلم العُلا إلى ركائز أساسية في هذا الصدد، وهي تطوير الكفاءات، والحوافز، والبنية التحتية، فعلى صعيد تطوير الكفاءات، تم إطلاق عدد من البرامج التدريبية التي أسهمت في تطوير مهارات أبناء العلا والمجتمع السينمائي بشكل كبير ومستدام، ومكّنت المشاركين من تحويل رؤاهم الإبداعية إلى واقع. مع الاستفادة من شبكة الشركاء لتنظيم برامج وجلسات تدريبية تغطي أساسيات صناعة الأفلام، وتأهيل مساعدي الإنتاج وفرق التصوير، ومتخصصي الماكياج وتصميم مواقع التصوير، إلى جانب ورش عمل في كتابة السيناريو، والإخراج، والتصوير السينمائي، والمونتاج، والصوت، وما بعد الإنتاج، والمبيعات، حيث قدمت هذه البرامج جهات عديدة، كمجموعة MBSstudios العالمية، المشغّل المتخصص لاستوديوهات العلا، وهيئة الأفلام السعودية، والوكالة الفرنسية لتطوير العلا (AFALULA)، ومؤسسة البحر الأحمر السينمائي، و"ستامبيد أرابيا"(Stampede Arabia) ، و"فيلا الحِجر"، وغيرها.

ويتابع زيد شاكر: "على صعيد الدعم المالي تقدم "فيلم العلا" حوافز مالية منافسة عالميا وإقليميا. ترتكز على برامج الاسترداد النقدي والحوافز الإضافية. حيث تكون المشاريع مؤهلة للحصول على حوافز الدعم الإضافية عند توظيف مواطنين سعوديين في أدوار رئيسية ضمن الإنتاج ومساهمتها في تطوير وتدريب الطواقم، والأنشطة التسويقية والترويجية، وإثراء الثقافة والمواهب المحلية أمام الكاميرا وخلفها. ومن خلال هذا النموذج، نحقق منفعة متبادلة. وعلى صعيد البنية التحتية، استثمرنا في تطوير مرافق عالمية المستوى، قادرة على مواكبة المتطلبات المتغيرة لصناعة الأفلام، وتوفير بيئة متكاملة تمكّن صنّاع الأفلام من العلا والمملكة ومختلف أنحاء العالم من تطوير أعمالهم وتحويل رؤاهم الإبداعية إلى إنتاجات على أرض الواقع. ويتجسد هذا الاستثمار في استوديوهات العلا، التي تُدار من قبل مجموعة (MBStudios) العالمية، إحدى الجهات الرائدة في القطاع، وتضم مرافق متطورة تشمل أحدث منصات التصوير الصوتي، ومكاتب للإنتاج، ومستودعات للمعدات، إلى جانب إمكانات متكاملة لمرحلة ما بعد الإنتاج".

 

حضور سعودي واثق

تحضر السعودية أيضا في قلب قصة الفيلم التشويقي "في الرمادي" (In the Grey) للمخرج العالمي غاي ريتشي، وبطولة هنري كافيل، جيك جيلنهال، وإيزا غونزاليس، إضافة إلى ظهور المنتج السعودي محمد التركي ضمن نجومه في تجربته التمثيلية الأولى، حيث قال التركي في تصريحات لمجلة "هي" حول الفيلم الذي تصدر قوائم المشاهدة عبر منصة آي تيونز: إن ما يجعل هذه التجربة أكثر أهمية بالنسبة إليه هو أن جزءا كبيرا من الفيلم صُوّر في جدة، وبمشاركة كوادر سعودية أثبتت قدرتها على العمل وفق أعلى المعايير العالمية، مضيفا: "ما رأيناه في موقع التصوير كان دليلا واضحا على حجم التطور الذي تشهده صناعة الأفلام في المملكة، وهذا التطور يعكس تحولا استراتيجيا في موقع السعودية على خريطة السينما العالمية. قبل سنوات، كان من الصعب تخيل إنتاج بهذا الحجم يُصوَّر في المملكة، أما اليوم، فقد أصبحت السعودية خيارا أول لصناع الأفلام الباحثين عن مواقع جديدة وبنية إنتاجية مرنة ودعم مؤسسي واضح".

محمد التركي في مشهد من فيلم "في الرمادي"
محمد التركي في مشهد من فيلم "في الرمادي"

عُرض مؤخرا أيضا عبر المنصات فيلم "Desert Warrior" (محارب الصحراء)، المستوحى من قصة تاريخية غنية، وإنتاج استديوهات إم بي سي، وهو بطولة أنتوني ماكي، بن كينغسلي، أيشا هارت، شالتو كوبلي، سامي بوعجيلة وإخراج روبرت وايت، حيث كان اختبارا جديدا أثبت قدرة المملكة على استضافة مشروع سينمائي ضخم تضمن أكثر من 600 شخص من فرق الإنتاج، حيث عملت الطواقم السعودية مع نظيرتها الأجنبية في مشهد لافت لتبادل الخبرات، وصُوّر العمل ما بين صحراء نيوم وتبوك، وكذلك جدة، واستفاد صناعه من تنوع الطبيعة بين الرمال والصخور والأراضي الشاسعة الفريدة في سماتها، لتصبح المهمة أسهل بالتسهيلات اللوجستية الجمة والتقنيات المتقدمة.

فيلم "محارب الصحراء" إنتاج ضخم بكوادر مهمة
فيلم "محارب الصحراء" إنتاج ضخم بكوادر مهمة

 

كاتبة صحافية ومسؤولة قسم "المشاهير"، متخصصة في الإعلام والفنون والكتابة النقدية.