خاص - "هي" فيلم "The Weight".. مغامرة إيثان هوك في البرية ودراما من زمن آخر
في أحد مشاهد فيلم The Weight "الوزن"، يعرض الحارس الصارم كلانسي (راسل كرو) على سجناء الأشغال الشاقة يومًا من الراحة واللهو إذا نجحوا في التخلص من صخرة ضخمة تسد الطريق في البرية بأيديهم. تبدو المهمة مستحيلة بعد نفاد الديناميت، لكن سجينًا صامتًا ومنطويًا هو ميرفي (إيثان هوك) يجد طريقة ذكية وبسيطة لتحريك الصخرة ودحرجتها من عل، من دون مجهود يُذكر.
هذا اللقطة البسيطة ترسم ملامح شخصية ميرفي دون ثرثرة درامية، فهو يستخدم عقله دون ضجيج أو صخب في حل المشاكل والتحديات الصعبة، من ناحية أخرى يبدو أن الفيلم نفسه كان يحتاج إلى التفكير بنفس الأسلوب لزحزحة بعض الصخور الفنية التي تسد طريق الدراما بسرعة لتمنح المغامرة حيوية وتدفق أفضل.
حكاية الكساد
يقدم باديك ماكينلي في أول أفلامه الروائية حكاية تدور في أوريجون عام 1933، في ذروة سنوات الكساد الإقتصادي، ميرفي رجل يُنتزع من ابنته الصغيرة نتيجة سوء فهم ويُلقى في معسكر أعمال شاقة بين الجبال والصحاري القاحلة، ثم يحصل على عرض لاستعادة حريته مقابل تهريب الذهب عبر رحلة برية محفوفة بالمخاطر.
يميز الفيلم أداء ملفت لكلا من إيثان هوك وراسل كرو ، في دوري السجين والحارس، وخلفيات رائعة للطبيعة التي تجمع بين جمال الرحابة وكآبة الصمت. تبدو العناصر ملائمة لفيلم جريمة وويسترن خشن يستعيد شيئًا من روح سينما الغرب في حقبة السبعينيات.
لكن The Weight يملك العناصر أكثر مما يملك الدراما والتحولات التي تجمعها. فمع بداية الرحلة، تصبح الشخصيات محكومة بمسار يمكن توقعه بسهولة، وتفقد المغامرة تدريجيًا ذلك الإحساس بالخطر الذي يفترض أن يصاحب مجموعة من السجناء تحمل الذهب وسط البرية، بينما تتراجع الحكاية لصالح مشاهد طويلة من السير والانتظار والتأمل.
وهنا يصبح البطء مشكلة مختلفة عن البطء المقصود. الفيلم يريد أن يمنح شخصياته وقتًا للتنفس، وأن يبني التوتر ببطء، لكن المسافة بين مشهد وآخر لا تنتج دائمًا تطورًا دراميًا يبررها. حتى منتصف الفيلم تقريبًا، يبدو أن الرحلة تتحرك أكثر مما تتحرك الحكاية، وأداء الشخصيات أفضل من حبكة القصة.

إيثان هوك يتحرك وحده
لا يلعب إيثان هوك شخصية صمويل ميرفي باعتباره بطلًا تقليديًا في مهمة خطرة. معظم ما نعرفه عنه يمر عبر لغة جسده وتعبيرات وجهه. رجل منهك، قليل الكلام، يحمل غضبًا وحزنًا أكبر من قدرته على التعبير عنهما. حتى عندما يكون وسط مجموعة من الرجال، يبدو كأنه يتحرك وحده.
هذه من أفضل مناطق الفيلم. هوك لا يحاول استدرار التعاطف مع الشخصية، ولا يشرح لنا باستمرار مقدار الألم الذي تعيشه. يكفي أن نرى عينيه أو طريقته في الاستجابة لما يحدث حوله. وعندما يضطر إلى اتخاذ قرار، يبدو القرار صادرًا عن رجل استنفد معظم خياراته قبل أن تبدأ الرحلة أصلًا.
في المقابل، يمنح راسل كرو الفيلم نوعًا مختلفًا من الحضور. شخصيته أكثر غموضًا وثقة، وصوته العميق وحضوره الجسدي يجعلان ظهوره كافيًا لرفع مستوى التوتر. وفي المشاهد التي تجمعه بهوك تحديدًا، نرى بوضوح قوة الممثلين مقابل تذبذب مستوى الكتابة والحبكة.

رجال وسط الخطر
أفضل ما في The Weight أنه لا يحاول أن يبدو أذكى مما هو عليه. لا توجد كاميرا تستعرض نفسها، ولا رغبة في تحويل كل لقطة إلى لوحة فنية، ولا موسيقى تخبرنا متى نشعر بالخطر. الطبيعة قاسية، والرجال متعبون، والذهب ثقيل، والطريق طويل، والمخاطر حاضرة في كل جزء من الرحلة، ومشاهد التشويق والتوتر بدت غير منطقية رغم جودة التنفيذ إخراجيًا؛ مثل مشهد قذف سبائك الذهب الثقيلة من ضفة إلى أخرى عبر جسر خشبي متهالك.
الفيلم يستعير بوضوح شيئًا من قسوة أفلام الجريمة والويسترن في السبعينيات، ويغرق في الواقعية لكنه يفسد أسلوبه بحبكات تشويق فرعية غير واقعية، لكنه ينجح في الحفاظ على الصمت جزءًا من الدراما وليس مجرد فراغ بين حوارين.

وهذا يناسب إيثان هوك جدًا. صمويل ميرفي شخصية لا تحتاج إلى خطب طويلة كي نفهم أنها مكسورة. هو رجل فقد حضانة ابنته لصالح الحكومة، وفقد حريته دون ذنب، ولم يبقَ له سوى فرصة واحدة للعودة إلى طفلته وحريته. هوك يلعب دوره بأقل قدر ممكن من الحركة والكلام؛ عينان متعبتان، جسد ثقيل، ووجه يبدو كأنه سبق الشخصية إلى نهاية الرحلة.
الصمت يصبح ثقيلًا عندما تمر لحظات طويلة من الرحلة والتأمل والمواجهة المؤجلة، ثم نجد أن الشخصيات وصلت تقريبًا إلى النقطة التي كنا نتوقعها. لا مفاجأة حقيقية، ولا انقلاب يعيد ترتيب العلاقات، ولا معلومة تجعل ما شاهدناه سابقًا يبدو مختلفًا.

راسل كرو والذهب
ثم يأتي راسل كرو، وكأنه يعرف أن الفيلم يحتاج إلى بعض الوزن الإضافي، دون ان تحتل مشاهد الفيلم كله.
الضابط الحارس كلانسي شخصية لا تحتاج إلى الكثير من التفاصيل كي تفرض وجودها. يكفي كرو بصوته العميق، وجسده الذي يحتل الكادر، والثقة التي يتعامل بها مع رجال يعرف أنهم لا يملكون الكثير من الخيارات. وفي المشاهد التي تجمعه بهوك، يتولد توتر حقيقي من مجرد وجود الرجلين في المكان نفسه، إعجاب السجان بمهارات السجين لا يبدو أمرًا عابرًا، بل وقود جريمة يًخطط لها.
كرو وهوك يقدمان للفيلم شيئًا لا تمنحه الكتابة دائمًا: إحساسًا بأن هناك تاريخًا غامض لا نعرفه عن الشخصيات ينذر بخطر داهم قادم.
حتى الشخصيات المحيطة بهما تستفيد من هذا المناخ. هناك توتر مكتوم بين السجناء، ومواقف صغيرة تكشف اختلافاتهم، ما بين المكر والعنصرية والغدر والشهامة ومواقفهم من الرأسمالية وضغوط الكساد. هذه العلاقات المتناقضة هي التي تجعل الرحلة قابلة للمشاهدة؛ ليس الذهب وحده، وإنما سؤال بسيط: إلى أي مدى يمكن لهؤلاء الرجال أن يظلوا معًا قبل أن يصبح كل واحد منهم مستعدًا للتضحية بالآخر؟
الوجود النسائي محصور في شخصية آنا (جوليا جونز) وهي هاربة من السكان الأمريكيين الأصليين تفرض نفسها على صموئيل والسجناء الآخرين والفيلم، وتمثل -مع ميرفي- النقاط الخيرة في لوحة يسودها الحقد والتآمر والعنف. رغم أن دورها لو حذف لن يؤثر كثيرًا إلا أن طلة جوليا جونز تمنح الفيلم لمسة انثوية جذابة ضمن حكاية ذكورية خشنة.

رهبة البرية الواسعة
ومن أجمل ما يفعله الفيلم بصريًا أنه لا يحاول تزيين البرية، بل ينقلها كما هي. تمنح كاميرا مدير التصوير (ماثيو كوكو) الفيلم رحابة المساحات المفتوحة لكنها لا تمنح الشخصيات شعورًا بالحرية، بل تفعل العكس تمامًا. كلما اتسعت الصورة، بدا الرجال أصغر وأكثر عزلة، وكأن الأفق نفسه جزء من السجن الذي خرجوا منه ليجدوه في مكان آخر.
هذه مفارقة بصرية ذكية. السجن له جدران، أما البرية فلا جدران لها، ومع ذلك لا يبدو ميرفي أكثر حرية وهو يمشي فيها. يحمل هدفه أمامه، ويحمل ماضيه خلفه، وكل ما بينهما طريق طويل من الصخور والغابات والبرد والانتظار.
وتساعد موسيقى (شلبي ولاثام جينس) في الحفاظ على هذا الإحساس. الألحان الوترية مكتومة، والصمت يأخذ مساحة كبيرة، وأصوات الريح والخطوات وحركة الرجال المتسللة في الطبيعة تصبح أحيانًا أهم من الموسيقى نفسها. لا توجد محاولة مستمرة لصناعة الإثارة بالقوة؛ الفيلم يصنع التوتر واللحظات الحرجة في اللحظات التي يقررها ودون استعجال حتى لو كان الثمن هو التمهيد البطىء لكل مشهد تشويق.

الرحلة والهدف
كل هذا الثقل في النهاية مربوط بشيء صغير جدًا: طفلة.
ميرفي لا يدخل هذه الرحلة بحثًا عن الذهب، ولا حتى عن حريته بالمعنى المجرد. الذهب هو الثمن، والحرية هي الطريق، أما الغاية فهي أن يرى ابنته مرة أخرى، هي عائلته وعالمه الوحيد في ظل كساد عاطفي واقتصادي يعيشه. هذه الفكرة هي التي تمنح الشخصية وزنها الإنساني، وهي أيضًا ما يجعل أداء إيثان هوك أكثر أهمية من معظم التفاصيل التي تحيط به، وهو أمر يرشحه لقائمة الترشيحات المبكرة لأوسكار التمثيل.
لكن الفيلم لا ينجح دائمًا في جعل هذه الغاية بنفس قوة الفكرة التي بدأ بها. نحن نفهم لماذا يريد ميرفي العودة، لكننا لا نشعر دائمًا بأن الرحلة تغيّره بالقدر الذي يفترض أن تغيّره رحلة كهذه. يظل الرجل مثقلًا بما كان عليه في البداية، وكأن المسافة التي قطعها أطول من المسافة التي قطعتها الشخصية.
الفيلم كان يمتلك فرصة لصناعة شخصية أكثر تعقيدًا: أب يريد ابنته، وسجين يريد حريته، ورجل يكتشف أن النجاة قد تتطلب منه أشياء لم يكن مستعدًا لفعلها. عند هذه النقطة كان يمكن أن يصبح الذهب اختبارًا أخلاقيًا حقيقيًا، لا مجرد سبب لاستمرار الرحلة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هوك يعبر عن الشخصية بقدر كبير من الصدق. هو لا يلعب رجلًا بطوليًا بقدر ما يلعب رجلًا لم يعد لديه ما يكفي من الطاقة ليكون بطوليًا.

الوزن الناقص
ربما لهذا يبدو The Weight أحيانًا كأنه فيلم وصل من زمن آخر، لكنه لم يصل كاملًا.
هناك شيء جذاب في اختياره أن يكون خشنًا ومباشرًا، وأن يثق بالطبيعة والممثلين والصمت بدلًا من الاستعراض. وهو اختيار نادر نسبيًا في فيلم معاصر. لكن استعادة شكل قديم من السينما لا تعني استعادة قوتها تلقائيًا.
وهنا تحديدًا يصبح عنوان الفيلم دقيقًا أكثر مما ينبغي. فـThe Weight فيلم يحمل وزنًا حقيقيًا في شخصياته وصوره وأدائه، لكنه في أوقات كثيرة يحمل وزنًا أكبر من الحكاية نفسها.
الفيلم يضم ممثلون يعرفون ماذا يفعلون، وصورة تعرف كيف تستفيد من قسوة المكان، وفكرة كان يمكن أن تحمل فيلمًا أقوى بكثير. لكن هذه العناصر تظل متجاورة أكثر مما تتلاحم، بينما تظل الرحلة أطول من الدراما وخانقة للتشويق.
ربما لهذا تظل صورة تحريك ميرفي الصخرة في البداية عالقة في الذهن. كانت المشكلة تبدو مستحيلة، ثم وجد ميرفي طريقة أذكى للتعامل معها. السؤال هنا لماذا لم يفكر كاتب السيناريو ماثيو بوي بنفس طريقة ميرفي والصخرة؟
أي نعم وصلت الرحلة إلى نفس النهاية بالحلول التقليدية، لكن مع تجربة مشاهدة ناقصة ومنهكة في بعض فصول الفيلم.

الصور من صفحة الفيلم على السوشيال ميديا