مريم بن الشيخ مديرة مجلس سيدات أعمال الشارقة لـ "هي": أصعب ما قد يعطل المرأة هو أن تحكم على قدراتها قبل أن تختبرها
لم يعد نجاح المرأة اليوم يُقاس فقط بما تصل إليه من مناصب أو بما تحققه من إنجازات مهنية، بل بقدرتها على صناعة مسارها الخاص، وتحويل طموحها إلى أثر حقيقي، دون أن تفقد هويتها أو تتخلى عن الأدوار والقيم التي تعني لها الكثير. وفي دولة الإمارات، تتجسد هذه الصورة في نماذج نسائية استطاعت أن تجعل من الطموح والتمكين وريادة الأعمال أدوات لصناعة مستقبل أكثر اتساعًا للمرأة.
ومن بين هذه النماذج، تبرز مريم بن الشيخ، مديرة مجلس سيدات أعمال الشارقة، التي تعمل من موقعها على دعم رائدات الأعمال وتعزيز حضور المرأة في عالم الأعمال، وفتح مساحات جديدة أمامها لتطوير أفكارها وتحويلها إلى مشروعات وفرص حقيقية.
في حوارنا معها، نقترب أكثر من مفهوم النجاح من منظور المرأة الإماراتية اليوم؛ كيف تصنع فرصها بنفسها؟ وكيف تحافظ على طموحها وسط مسؤولياتها المختلفة؟ وهل لا يزال تحقيق التوازن بين العائلة والعمل هو التحدي الأكبر، أم أن المرأة باتت تعيد تعريف هذا التوازن بما يناسب حياتها وأهدافها؟ والأهم، كيف يمكن لكل امرأة أن تؤمن بقدراتها، وتتجاوز الخوف من البدايات، وتخطو بثقة نحو تحقيق ذاتها؟

من خلال خبرتكِ في العمل مع رائدات الأعمال، كيف تغيّر مفهوم النجاح لدى المرأة الإماراتية اليوم؟ وهل بات تحقيق الذات جزءاً أساسياً من هذا المفهوم؟
تحقيق الذات كان دائماً جزءاً من طموح المرأة الإماراتية، لكن مفهوم النجاح لديها أصبح اليوم أوسع وأكثر ارتباطاً بما تريد أن تحققه لنفسها وبالقيمة التي ترغب في تقديمها. فلم يعد النجاح مقتصراً على الوصول إلى منصب أو تحقيق عائد مادي، بل أصبح يشمل تطوير قدراتها، والاستقلال في قراراتها، والعمل في مجال يعبر عن اهتماماتها ويمنحها شعوراً بالرضا.
ومن خلال عملنا مع رائدات الأعمال، نرى أن المرأة لا تؤسس مشروعاً بهدف تحقيق دخل فقط، بل لأنها تريد تحويل فكرة تؤمن بها إلى عمل يحمل اسمها ويعكس طموحها. وقد أتاح دعم القيادة الرشيدة للمرأة مساحة أكبر لتختار طريقها وتسعى إلى تحقيق أهدافها. وفي الشارقة، أسهمت رعاية سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي لمجلس سيدات أعمال الشارقة في توفير الدعم الذي يساعد رائدات الأعمال على تحويل أفكارهن وطموحاتهن إلى مشاريع ناجحة.
هل تعتقدين أن المرأة اليوم أصبحت أكثر قدرة على تعريف النجاح بطريقتها الخاصة، بعيداً عن الصور أو التوقعات التي يضعها المجتمع لها؟
من حق المرأة أن تختار ما تريد أن تنجح فيه، وأن تحدد بنفسها ما يستحق جهدها ووقتها. وأرى أنها أصبحت أكثر قدرة على التعبير عن هذا الاختيار، خصوصاً حين تعرف قدراتها وتفهم ما يمنحها الرضا في العمل؛ فالنجاح يفقد كثيراً من معناه عندما نبذل جهدنا للوصول إلى حياة رسمها الآخرون لنا، ثم نكتشف أنها لا تناسبنا.
قد تطمح امرأة إلى تأسيس شركة تتوسع خارج الدولة، فيما ترغب أخرى في بناء مشروع متخصص، له عملاؤه ودخله المستقر، وتجد في تطويره ما يحقق طموحها. هنا من المهم أن نحترم الاختيارين، وألّا نفترض أن حجم المشروع وحده يكشف مقدار نجاح صاحبته. الأهم أن تكون مقتنعة بما تعمل عليه، وأن ترى فيه قيمة تستحق الاستمرار.
وهذا الوضوح يساعدها في قراراتها اليومية أيضاً؛ فتختار الفرص التي تخدم هدفها، وتتجنب الانشغال بكل ما يبدو ناجحاً عند غيرها. والاستماع إلى آراء الآخرين مفيد، لكن القرار يحتاج في النهاية إلى قناعة صاحبة الشأن؛ فهي التي ستبذل الجهد وتتحمل المسؤولية وتعيش نتائج اختياراتها.
كثير من النساء يمتلكن الطموح والأفكار، لكن الخوف من الفشل يؤخر الخطوة الأولى. ما الذي يساعد المرأة على تجاوز هذا الخوف والبدء؟
أحياناً يكون الخوف نتيجة أسئلة لم تجد إجاباتها بعد. قد تكون لدى المرأة فكرة جيدة، لكنها لا تعرف كيف تختبر حاجة السوق إليها، أو ما الذي يتطلبه تأسيسها، فتبدو البداية أكبر وأصعب مما هي عليه. ولهذا تحتاج إلى جهة تستطيع الرجوع إليها، تناقش معها الفكرة وتحصل منها على توجيه عملي يناسب مرحلتها.
وهذا أحد الأسباب التي وُجد من أجلها مجلس سيدات أعمال الشارقة، الذي تأسس تحت رعاية سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي. يبدأ دورنا بمساندة المرأة في تطوير فكرتها والاستعداد لتأسيس مشروعها، ثم يتطور الدعم مع تطور احتياجاتها. فصاحبة الفكرة تحتاج إلى معرفة تساعدها على اتخاذ قرار البداية، وصاحبة المشروع القائم قد تحتاج إلى إرشاد متخصص أو فرص لعرض منتجاتها والوصول إلى عملاء وأسواق جديدة داخل الدولة وخارجها.
وجود هذا الدعم يجعل الخطوة الأولى أكثر وضوحاً. وما أشجع عليه هو البدء بخطوة مدروسة يمكن التعلم منها، بدل انتظار الاطمئنان الكامل إلى كل ما سيأتي بعدها. قد يبقى بعض الخوف، وهذا مفهوم، لكن معرفة ما ينبغي فعله، ومعرفة من يمكن طلب المشورة منه، تساعدان المرأة على التحرك بثقة أكبر.
إلى أي مدى تلعب الثقة بالنفس دوراً في نجاح المرأة مهنياً وريادياً؟ وهل الثقة صفة نمتلكها أم مهارة يمكن بناؤها مع الوقت؟
الثقة بالنفس تُبنى حين يصبح لدى المرأة ما تستند إليه في تقدير قدراتها. وأنا أتعامل معها باعتبارها مهارة تنمو بالمعرفة والممارسة؛ فكلما فهمت المرأة عملها بصورة أفضل، واختبرت قدرتها على التعامل مع مسؤولياته، أصبح قرارها أكثر ثباتاً.
لنأخذ موقفاً بسيطاً، كالتفاوض مع عميل على سعر منتج. قد تتردد صاحبة المشروع في الدفاع عن سعرها إذا لم تكن واضحة بشأن تكلفته والقيمة التي يقدمها. وحين تعرف هذه التفاصيل وتتعلم كيف تشرحها، تصبح أقدر على خوض النقاش. ومع تكرار التجربة، تكتسب ثقة مبنية على فهم فعلي لعملها.
أرى أن الثقة تظهر أيضاً في استعداد المرأة للسؤال وطلب المشورة؛ بمعنى أن من تعرف ما تتقنه وما تحتاج إلى تعلمه تستطيع تطوير نفسها بصورة أفضل. ومن المهم كذلك أن تتنبه إلى ما تنجزه، مهما بدا صغيراً؛ فقد تنشغل بما ينقصها إلى درجة تنسى معها أنها أصبحت قادرة على أداء أمور كانت تستصعبها قبل وقت قريب.
ما أكثر العوائق الداخلية التي تلاحظين أنها قد تعطل المرأة عن تحقيق طموحاتها: الخوف، أم الشك في الذات، أم السعي إلى الكمال، أم الخوف من أحكام الآخرين؟
أصعب ما قد يعطل المرأة هو أن تحكم على قدراتها قبل أن تختبرها. وعندها قد تصبح هي نفسها العائق أمام خطوتها التالية؛ فتستبعد فرصة لأنها تعتقد أنها غير مؤهلة لها، أو تؤجل فكرة لأنها تتوقع انتقاد الآخرين، أو تضع لنفسها شروطاً يصعب استيفاؤها قبل أن تسمح لنفسها بالبدء.
هناك بالطبع صعوبات واقعية تحتاج إلى دعم وحلول، ومن المهم أن نتعامل معها بجدية. لكن حين نتحدث عن العوائق الداخلية، أرى أن علينا الانتباه إلى الأحكام التي نكررها على أنفسنا. فعبارة "لست مستعدة" تحتاج إلى مراجعة؛ ما الذي ينقصني تحديداً؟ هل هي معرفة يمكن اكتسابها، أم مهارة أحتاج إلى التدرب عليها؟ تحديد النقص يجعل التعامل معه ممكناً، بينما الحكم العام على الذات قد يؤجل المحاولة إلى أجل غير مسمى ولا معلوم.
والحرص على الإتقان أمر أقدّره، لكن انتظار أداء كامل منذ البداية يحمّل المرأة شرطاً قاسياً. أفضّل أن تمنح نفسها فرصة للعمل والتحسن، وأن تقيّم قراراتها ونتائجها بإنصاف، من دون أن تجعل كل تعثر حكماً على كفاءتها كلها.
بين الطموح المهني ومسؤوليات العائلة والحياة الشخصية، هل ترين أن فكرة "التوازن المثالي" تضع ضغطاً إضافياً على المرأة؟ وما المفهوم الأكثر واقعية للتوازن من وجهة نظركِ؟
من غير الواقعي أن نطلب من المرأة أن تمنح كل جانب من حياتها القدر نفسه من الوقت والجهد كل يوم. ولهذا لا أؤمن كثيراً بفكرة التوازن المثالي؛ فهي قد تجعل المرأة تشعر بالتقصير حتى عندما تكون قد استجابت لما يحتاج فعلاً إلى اهتمامها في تلك اللحظة.
بالنسبة لي، لكل مرحلة أولوياتها. قد يمر العمل بفترة تحتاج إلى حضور أكبر، وقد تستدعي ظروف العائلة إعادة ترتيب الالتزامات المهنية. المهم أن يكون هذا الترتيب واعياً، وأن نستطيع مراجعته عندما تتغير الظروف، من دون شعور دائم بالذنب لأن يومنا لم يطابق صورة مثالية في أذهاننا.
ويحتاج ذلك إلى تفاهم مع المحيطين بنا، وتوزيع واضح للمسؤوليات في البيت والعمل. فمن الصعب الحديث عن التوازن إذا كانت المرأة مطالبة بإنجاز كل شيء بنفسها. كما أن وقتها الشخصي وراحتها يحتاجان إلى مكان في يومها. وأرى أنه من الأفضل أن نستبدل مصطلح "التوازن المثالي" بالتوازن في القدرة على إعطاء كل جانب ما يحتاجه في وقته، مع الحفاظ على القدرة على الاستمرار.
هل يمكن للأمومة والعائلة أن تكونا مصدر قوة للمرأة في رحلتها المهنية بدلاً من النظر إليهما باعتبارهما عائقاً أمام طموحها؟
الأمومة قد تمنح المرأة فهماً لاحتياجات لم تكن تراها بالتفصيل نفسه قبل أن تعيشها. ومن هذا الفهم يمكن أن تبدأ فكرة مشروع؛ فهي تعرف ما تبحث عنه، وما الذي يهمها في المنتج أو الخدمة، وقد تكتشف أن أمهات أخريات يشاركنها الاحتياج نفسه.
هنالك مشاريع عايشناها في "مجلس سيدات أعمال الشارقة" استلهمت صاحباتها أفكار مشاريعهن من تجربتهن كأمهات، ورغبتهن في تقديم منتجات جميلة ومميزة للأطفال. هنا كانت تجربة الأمومة مصدراً لفكرة العمل، ومنحت صاحبة المشروع معرفة قريبة بمن العملاء، أو العميلات، المستهدفين.
والعائلة تستطيع أن تكون مصدر قوة حين تتفهم طموح المرأة وتشاركها مسؤوليات الحياة اليومية؛ فالدعم العاطفي مهم، وتزداد قيمته حين تصاحبه مساندة عملية تمنحها وقتاً للعمل وراحة البال. ومن المهم أن يصاحب الإعجاب بنجاح الأمهات تقديرٌ للجهد الذي يبذلنه، واستعدادٌ لمساعدتهن على مواصلة ما اخترنه لأنفسهن.
في رحلة تحقيق الذات، تمر المرأة أحياناً بمرحلة تشعر فيها بأنها تأخرت عن غيرها. ما رسالتكِ للمرأة التي تقارن بدايتها بنجاح نساء أخريات؟
ما تفعلينه اليوم تجاه طموحك أهم من حساب المسافة التي سبقتك بها امرأة أخرى. هذا ما أود أن تنشغل به من تشعر بأنها تأخرت؛ أن تنظر إلى ما تستطيع العمل عليه الآن، وأن تمنح هدفها جهداً منتظماً، ثم تراجع ما تحقق وما يحتاج إلى تغيير.
يمكن الاستفادة من تجارب النساء الناجحات، خصوصاً عندما نتعرف إلى تفاصيل بداياتهن والقرارات التي ساعدتهن على التقدم. أما الاكتفاء بمقارنة بدايتنا بما وصلن إليه، فقد يجعلنا نقلل من قيمة ما ننجزه. لهذا أفضّل أن تقيس المرأة تقدمها بأمور تستطيع متابعتها في عملها؛ هل أصبحت أكثر فهماً لسوقها؟ هل تحسن منتجها؟ وهل تعالج مشكلة كانت تعطلها؟
وقد تتأخر النتائج عن التوقيت الذي توقعته، وهذا يستدعي الصبر والمراجعة، لا إصدار حكم نهائي على التجربة. المهم أن يكون الجهد في اتجاه واضح، وأن تتعلم مما يحدث وتعدّل خطواتها عند الحاجة.