أخطر ادعاءات كتاب شقيق الأميرة ديانا وردة فعل الملك تشارلز غير المسبوقة
يبدو أن الذكرى الثلاثين لرحيل الأميرة ديانا، التي تحل في عام 2027. لن تمر دون أن تعيد الأسرة المالكة البريطانية فتح ملفات ظلت مغلقة لعقود. فقد أصدر إيرل تشارلز سبنسر، شقيق الأميرة الراحلة، مذكراته التي حملت عنوان "سوان سونغ ديانا ماي سيستر". والتي صدرت رسمياً اليوم الثلاثاء الموافق الثاني والعشرين من سبتمبر عن دار "بنجوين راندوم هاوس". وقبل أن يصل الكتاب إلى الأرفف بأيام كانت مقتطفاته المسربة عبر صحيفة الديلي ميل قد أشعلت عاصفة من الجدل داخل أروقة القصر وخارجه. إذ لم يكتف الإيرل، البالغ من العمر اثنين وستين عاماً، بسرد ذكرياته عن شقيقته بأسلوب حميمي. بل وجه اتهامات مباشرة وصريحة للملك تشارلز الثالث، زوجها السابق. طالت طريقة تعامله مع خبر وفاتها وتفاصيل من حياتهما الزوجية لم يسبق أن تطرق إليها أحد بهذا القدر من الوضوح.
رد فعل يخرج عن المألوف من قصر باكنغهام

في العادة تلتزم العائلة المالكة البريطانية سياسة ثابتة تقضي بعدم التعليق على الكتب أو المذكرات مهما بلغت حدة ما تتضمنه من ادعاءات. غير أن ما ورد في مذكرات إيرل سبنسر دفع الناطق باسم الملك إلى كسر هذا التقليد بشكل لافت. حيث صدر بيان رسمي جاء فيه أن جلالته يدرك أن ألم الحزن الأخوي قد يشوش العقل ويؤثر في الحكم ويلون الذاكرة بطرق لا يدركها آخرون حتى بعد سنوات طويلة من الفقد. وهي عبارات بدت وكأنها محاولة مهذبة للتشكيك في دقة ذاكرة الإيرل دون الدخول في مواجهة مباشرة معه. وقد وصفت الكاتبة الملكية "إنغريد سيوارد، مؤلفة كتاب كاثرين آند ديانا ذا إنسايد ستوري"، هذا الرد بأنه غير مسبوق. مضيفة أن الملك شعر بقوة تجاه ما نُشر لدرجة دفعته لإصدار بيان سريع رغم إدراكه أن ذلك سيثير مزيداً من الألم. وهو ما يعكس حجم الحرج الذي وضعته فيه هذه الادعاءات.
من جانبه لم يتراجع إيرل سبنسر عن روايته. بل ذهب إلى أبعد من ذلك في مقابلة تلفزيونية مع "بي بي سي" حين اتهم الملك بمحاولة التلاعب بذاكرته والتشكيك في مصداقيته. مؤكداً أن ما كتبه هو الحقيقة كما عاشها بنفسه. وقائلاً إن رد فعل ابني أخته وليام وهاري على ما ورد في الكتاب لن يكون مفاجئاً لهما.
ليلة الجنازة وعبارة لم تُنسَ

من أكثر المقاطع التي أثارت الجدل ما رواه الإيرل عن مكالمة هاتفية جمعته بالأمير تشارلز كما كان يُعرف حينها. بعد أن أصر سبنسر على أن الأميرين وليام وهاري، اللذين كانا في الخامسة عشرة والثانية عشرة من عمرهما، لن يسيرا خلف نعش والدتهما في موكب الجنازة. ووفقاً للرواية فإن تشارلز اتصل به بعد دقائق ليخبره أنه هو نفسه سار في جنازة عمه الأكبر اللوردماونتباتن قبل ثمانية عشر عاماً. متجاهلاً أنه كان حينها في الثلاثين من عمره وليس طفلاً في الثانية عشرة. ويصف سبنسر كيف تحول الحوار إلى ما وصفه بتيار من الغضب. قبل أن يهدأ تشارلز فجأة ثم يطلق عبارته الشهيرة التي هزت مضمون الكتاب بأكمله. إذ يقول إنه سمعه يهمس بنبرة أوصافها بالممتلئة بالاحتقار المكبوت تجاه ديانا وبالرعب من أن العالم بأسره تأثر بوفاتها بهذا الشكل. قائلاً له "اطمئن سننساها قريباً بما يكفي". وهي جملة أغلق سبنسر الهاتف بعدها مباشرة بحسب روايته.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد نقل الإيرل وصفاً آخر لتلك الليلة المأساوية في التاسع والعشرين من أغسطس عام 1997، حين اتصل به تشارلز بعد الحادث مباشرة. واصفاً نبرته بأنها كانت غريبة الهدوء مقارنة بمن اتصلوا به من المقربين الآخرين الذين بدوا مصدومين وغير قادرين على النطق بكلمات العزاء. بينما بدا تشارلز، بحسب تعبيره، مبتهجاً بشكل غريب أشبه بفائز في اليانصيب. مرجحاً أن رد فعله الأول كان التفكير في الحرية التي أتاحها له هذا الحدث للزواج من المرأة التي أحبها، أكثر من تقديره لفقدان امرأة لم يكن يكنّ لها المشاعر نفسها.
تفاصيل الزواج وسبب الطلاق

لم تقتصر الفصول المثيرة للجدل على ليلة الوفاة. فقد كشف سبنسر أنه حين زار شقيقته في منزل كلارنس هاوس يوم زفافها عام 1981. وجدها جالسة بصمت أمام المرآة، ليكتشف لاحقاً أن خطيبها أخبرها في اليوم السابق مباشرة أنه سعيد بالزواج منها لكنه ليس واقعاً في حبها فعلياً. وهي التفاصيل التي تعيد إلى الأذهان المقابلة التلفزيونية الشهيرة التي أُجريت مع الثنائي عند إعلان خطوبتهما. حين سُئلا إن كانا واقعين في الحب، فأجابت ديانا ببساطة بالطبع. بينما أطلق تشارلز ضحكة محرجة قائلاً مهما كان معنى كلمة واقع في الحب.

كما يروي الإيرل أن شقيقته دعته لتناول الغداء لتخبره برغبتها في الانفصال عن زوجها، موضحة له أن السبب هو وقوع زوجها في حب خادمه الشخصي. دون أن تكشف عن هوية هذا الشخص أو أن يسألها هو عن ذلك. معتبراً أن التفصيل لم يكن مهماً بقدر أهمية أن زواجها وأحلامها قد انتهيا. وتجدر الإشارة إلى أن تشارلز كان قد صرّح سابقاً حين سئل عن مدى إخلاصه لديانا خلال الزواج بأنه حاول ذلك حتى انهار الزواج بشكل لا رجعة فيه. قبل أن يتزوج لاحقاً من كاميلا باركر بولز عام 2005.
جدل حول صحة الذاكرة والدوافع

يستدعي هذا الملف نقاشاً أوسع اعتاد أن يرافق كل كتاب مذكرات ملكية جديد. فمن جهة يرى مؤيدو الإيرل أنه شاهد مباشر على أحداث عاشها بنفسه. وأن حقه في سرد روايته الشخصية عن أخته لا يمكن التشكيك فيه لمجرد أنها تضع الملك في موقف محرج. خاصة أن دار النشر بنجوين راندوم هاوس أكدت لشبكة "سي إن إن" أن المقتطفات المنشورة في الديلي ميل دقيقة ومطابقة لما ورد في الكتاب. ومن جهة أخرى يشير منتقدون، بينهم أصوات مقربة من القصر. إلى أن استحضار محادثات هاتفية جرت قبل ما يقارب ثلاثين عاماً بحذافيرها اللفظية أمر يستدعي الحذر. وأن استجابة القصر نفسها لمحت بلطف إلى أن الحزن العميق قد يعيد تشكيل الذاكرة بمرور الوقت دون قصد من صاحبها. وهي نقطة يتفق عليها كثير من المتخصصين في علم النفس الذين يؤكدون أن الذكريات المرتبطة بصدمات كبرى غالباً ما تُعاد صياغتها وتتلون بمشاعر اللحظة الراهنة كلما استُحضرت من جديد.
اعتراف مؤلم بالمعاناة مع اضطراب الشره العصبي

من أكثر المقاطع إنسانية في الكتاب ذلك الذي يعيد فيه الإيرل تسليط الضوء على معاناة شقيقته مع اضطراب الشره العصبي. إذ يروي أن الأمر تفاقم بعد أيام قليلة من إعلان خطوبتها، حين ضغط تشارلز على خصرها ممازحاً بعبارة أراك سمينة قليلاً هنا أليس كذلك. وهي كلمة يصفها سبنسر بأنها كانت مدمرة بالنسبة لديانا. كاشفاً أن محيط خصرها تقلص من تسعة وعشرين إنشاً إلى ثلاثة وعشرين ونصف الإنش فقط بين إعلان الخطوبة وحفل الزفاف.
وتحمل هذه التفاصيل أهمية خاصة إذا ما وُضعت في سياقها الأوسع. فديانا كانت أول من كسر صمت الأسرة المالكة حول اضطرابات الأكل حين تحدثت عن معاناتها بصراحة في مقابلتها الشهيرة مع "بي بي سي" عام 1995، واصفة الشره العصبي بأنه مرض سري يصيب الإنسان عندما يكون تقديره لذاته منخفضاً. وقد أحدث ذلك الاعتراف ما أطلق عليه الباحثون لاحقاً تأثير ديانا. حيث سجلت أعداد المترددين على العيادات المتخصصة في بريطانيا ارتفاعاً ملحوظاً بعد تصريحاتها، في وقت كانت فيه اضطرابات الأكل ما تزال من الموضوعات شديدة التكتم. ووفق دراسات لاحقة نُشرت في مجلات طبية متخصصة، فإن هذا النوع من الاضطراب يظل أقل حضوراً في النقاش العام مقارنة باضطراب فقدان الشهية العصبي رغم أنه أكثر انتشاراً بين الناس. وهو ما يمنح شهادة ديانا الشخصية أهمية استمرت لعقود بعد رحيلها.
ولم يتوقف الإيرل عند هذا الجانب فقط، بل أضاف بعداً جديداً لم يُطرح من قبل. حين كتب أنه بات مقتنعاً بأن شقيقته كانت تعاني من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه. وأن ذلك ارتبط بما يُعرف طبياً بخلل التنظيم الانفعالي الحساس للرفض. وهي حالة تصف شعوراً مبالغاً فيه بالألم النفسي عند التعرض للنقد أو الرفض. مضيفاً أنه يعاني من الحالة نفسها، وأن هذا ما ضاعف من تأثرها بأي ملاحظة يوجهها إليها زوجها. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحالة، وإن لم تكن مدرجة رسمياً ضمن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية. باتت موضع اهتمام متزايد من المتخصصين بوصفها أحد الأعراض الشائعة المرافقة لاضطراب فرط الحركة، لكونها تجعل صاحبها يفسر أبسط المواقف الاجتماعية الغامضة على أنها رفض قاسٍ.
ذكريات الجنازة وقلق على الأمير هاري الصغير

يخصص الإيرل جزءاً مؤثراً من مذكراته لوصف مشاعره وهو يسير خلف نعش شقيقته، إلى جانب الأميرين وليام وهاري ووالدهما والراحل الأمير فيليب دوق إدنبرة. إذ يصف كيف بدا الأمير هاري، الذي كان في الثانية عشرة من عمره فقط، صغيراً ونحيلاً ومحطماً. متسائلاً كيف يمكن لطفل في مثل سنه أن يتحمل عبء تلك اللحظة، وهي ذكرى تتقاطع مع ما سبق أن رواه هاري نفسه في مذكراته الصادرة عام 2023 تحت عنوان "سبير"، حين وصف شعوره بالخدر التام وهو يسير في ذلك الموكب.
أثر يمتد إلى العلاقة بين الأميرين وليام وهاري

يرى محررون ملكيون متابعون للملف أن توقيت صدور هذا الكتاب لا يمكن فصله عن السياق الراهن للعلاقة المتوترة أصلاً بين الأميرين وليام وهاري. فبينما يوضع الأمير وليام، في موقف بالغ الحساسية كونه وريث العرش المطالب بالحفاظ على استقرار المؤسسة الملكية رغم أي مشاعر شخصية قد يكنها. يجد هاري نفسه في مأزق مختلف، إذ يتوق للدفاع عن إرث والدته التي لطالما ارتبط اسمه بها في كل ما يقوم به. بينما يحاول في الوقت ذاته ترميم علاقته المتصدعة مع والده، وهو ما يجعل تأييده العلني لادعاءات خاله أمراً بالغ الصعوبة.
ولم يقتصر الأمر على وليام وهاري، فقد أشار سبنسر في مقابلاته الأخيرة إلى أن المعاملة الإعلامية التي يتلقاها هاري وزوجته ميغان ماركل تحمل أصداء مما تعرضت له شقيقته من قبل. واصفاً تأثير الصحافة عليهما بأنه مدمر، ومطالباً بضرورة أن يتعلم الناس من تجربة ديانا في هذا السياق.
خلاصة تتقاطع فيها الرواية الشخصية مع النقاش العام

يبقى كتاب سوان سونغ ديانا ماي سيستر واحداً من أكثر السرديات الملكية جرأة منذ سنوات طويلة. فهو لا يكتفي بإعادة فتح جراح شخصية قديمة، بل يطرح تساؤلات أعمق حول طبيعة الذاكرة الإنسانية في مواجهة الفقد الكبير. وحدود الصراحة العائلية حين تتحول إلى مادة منشورة يقرأها الملايين. وبين من يرى في شهادة الإيرل شجاعة متأخرة لكشف حقيقة طال كتمانها، ومن يعتبرها استحضاراً انتقائياً لذكريات مؤلمة في توقيت له دلالاته، يبقى ما لا خلاف عليه أن اسم الأميرة ديانا ما زال، بعد ما يقارب ثلاثة عقود من رحيلها، قادراً على تحريك المياه الراكدة داخل أسوار القصور البريطانية.
الصور من الانستغرام