قصر باكينغهام.. ليس متحفًا للفن لكنه يضم أغلى لوحات العالم الكلاسيكية
قصر باكنغهام في لندن أكثر من مجرد مقر إداري للملكية البريطانية؛ فهو بمثابة متحف حي يضم واحدة من أعظم المجموعات الفنية في التاريخ، والمعروفة باسم المجموعة الملكية. داخل غرف الاستقبال الرسمية الفاخرة، حيث يحتضن القصر أغلى لوحات العالم الكلاسيكية التي أبدعتها أنامل كبار الأساتذة عبر العصور، مثل ريمبراندت وفيرمير وروبنز وكاناليتو.
ولا تمثل هذه التحف الفنية الخالدة ثروة مالية لا تقدّر بثمن فحسب، بل تعكس أيضاً الإرث الثقافي العريق والتاريخ الدبلوماسي للمملكة المتحدة. حيث تمتزج عظمة العمارة الملكية بسحر الفن الكلاسيكي، مما يجعل زيارة القصر تجربة بصرية استثنائية تأسر عشاق الفنون من كل أنحاء العالم.
المعرض الرئيسي

يحتوي المعرض الرئيسي والأهم داخل القصر، وهو "معرض الصور" والممتد بطول 47 متراً ضمن غرف الاستقبال الرسمية، على 120 لوحة زيتية كلاسيكية معلقة على جدرانه. وقد أشرفت مؤسسة الرعاية الملكية على عملية إعادة تنظيم وتعليق تاريخية تعد الأكبر منذ جيل كامل. كما استغرقت العملية 875 ساعة عمل من أمناء المتاحف، حيث جرى تقريباً مضاعفة عدد اللوحات المعروضة من 63 لوحة إلى 120 لوحة.

أيضًا اعتمد النمط الجديد على أسلوب الصالونات الكلاسيكي؛ حيث يتم تعليق اللوحات متراصة عمودياً وأفقياً لتغطية أكبر مساحة ممكنة من الجدران المكسوة بالحرير الأخضر الزمردي. ويضم هذا المعرض روائع فريدة لكبار الأساتذة مثل ريمبراندت وفيرمير وروبنز وتيتيان وكارافاجيو.
أما بالنسبة لإجمالي اللوحات في القصر كاملاً، فإن قصر باكنغهام يضم المئات من اللوحات الأخرى الموزعة بين الأجنحة الخاصة بالملك، والممرات الداخلية، وغرف الاستقبال الثانوية مثل الغرفة 1844 وغرفة العرش. وتعد هذه اللوحات جزءاً من المجموعة الملكية البريطانية التي تمتلك أكثر من 7,000 لوحة زيتية موزعة بين مختلف القصور الملكية والمتاحف البريطانية.
لوحات "المعرض الملكي" وغرفة الرسم البيضاء

لوحة الملكة فيكتوريا برداء التتويج بريشة السير جورج هيرتر: معلقة في مكان بارز وتجسد الملكة الشابة فيكتوريا عام 1838. كما تُبرز اللوحة تفاصيل ثوب التتويج المقصب بالذهب وتعد رمزاً لانتقال القصر إلى العصر الفيكتوري المزدهر.

لوحات رينبراندت وفيرمير: يضم القصر لوحات نادرة لهؤلاء العباقرة الهولنديين اشترتها العائلة المالكة، خاصة الملك جورج الرابع الذي كان شغوفاً بالفن. من أبرزها لوحة "السفينة وباني السفن" لرينبراندت، والتي تقدر قيمتها اليوم بمئات الملايين من الدولارات وتتميز بالتلاعب العبقري بالضوء والظلال.
لوحات غرفة الرسم الزرقاء

لوحات توماس غينزبورو: تتزين جدران الغرفة الزرقاء بلوحات هذا الفنان الإنجليزي الشهير من القرن الثامن عشر، ولا سيما لوحاته التي تصور أفراد العائلة المالكة مثل الملك جورج الثالث والملكة شارلوت. كذلك تعكس هذه اللوحات الأسلوب البريطاني الكلاسيكي في رسم الشخصيات والمناظر الطبيعية الهادئة.
لوحات قاعة الرقص الكبرى، لوحات الملوك والملكات الرسمية: تحيط بالقاعة لوحات جدارية ضخمة لملوك بريطانيا السابقين في كامل زيهم الرسمي. كما صممت هذه اللوحات لتكون خلفية مهيبة أثناء مآدب الدولة الرسمية، لتوحي لضيوف الملك من رؤساء الدول بعراقة وامتداد جذور الملكية البريطانية عبر القرون.
تحديث

كما أسلفنا سابقًا، شهد قصر باكنغهام تحديثاً استثنائياً ضاعف عدد التحف الفنية المعروضة في "معرض الصور" ليصل إلى 120 لوحة عالمية كلاسيكية. وكجزء من أكبر عملية إعادة تنظيم فني شهدها القصر منذ أكثر من ثلاثين عامًا، جلب أمناء مؤسسة الرعاية الملكية لوحات فريدة كانت مخبأة في الأجنحة الخاصة أو القصور الأخرى، لتعرض بتنسيق الصالونات الكلاسيكي، ومن أبرزها:
روائع الأساتذة الهولنديين والإيطاليين: حيث أضيفت لوحات نادرة بريشة ريمبراندت وفيرمير وروبنز، إلى جانب أعمال لكارافاجيو وتيتيان.
لوحات تاريخية بريشة الملوك: تم ضمّ مجموعة نادرة وخاصة جداً، من بينها لوحات مائية رسمها الملك تشارلز الثالث بنفسه خلال جولاته الفنية الدولية مثل زياراته التاريخية إلى إيطاليا ودول الخليج. بالإضافة إلى لوحات عتيقة رسمها الملك في طفولته المبكرة لوالديه الملكة إليزابيث والأمير فيليب.
قصة اللوحة الحمراء

أثارت هذه اللوحة، التي تُعد أول بورتريه رسمي للملك تشارلز الثالث منذ تتويجه، ضجة إعلامية وجدلاً فنياً واسعاً في بريطانيا والعالم. ويعود التكليف الأصلي برسم هذه اللوحة إلى عام 2020 عندما كان تشارلز أميراً لويلز للاحتفال بمرور 50 عاماً على عضويته في مؤسسة The Drapers' Company الخيرية. وقد اختير لتنفيذها الرسام البريطاني الشهير جوناثان يو.
وقد استغرق العمل عليها ثلاث سنوات كاملة، وجلس الملك أمام الفنان في 4 جلسات تصويرية مطولة في مقري الإقامة "هايجروف" و"كلارنس هاوس". ويبلغ ارتفاع اللوحة الضخمة نحو 2.6 متر وعرضها مترين، وتضم تفاصيل دقيقة تحمل دلالات عميقة:
بحر من اللون الأحمر السريالي: يظهر الملك وهو يرتدي الزي العسكري الرسمي لحرس ويلز. وقد تعمد الرسام دمج اللون الأحمر للزي مع الخلفية بالكامل؛ والهدف من ذلك، حسب تصريح جوناثان يو، هو جعل العتاد العسكري يتلاشى في الخلفية ليركز الناظر مباشرة على "إنسانية ملامح وجه الملك وعينيه" بدلاً من رتبته العسكرية.
فراشة فوق كتف الملك

في اللوحة تظهر فراشة من نوع Monarch تهبط على كتف الملك الأيمن. هذه الفراشة أضيفت بناءً على اقتراح من الملك نفسه، وهي ترمز إلى شيئين: تحول دوره في الحياة العامة من أمير إلى ملك، واهتمامه التاريخي المعروف بشؤون البيئة والاستدامة. وعندما كُشف النقاب عن اللوحة لأول مرة في قصر باكنغهام، انقسم الرأي العام البريطاني بشدة. فقد وصفها بعض النقاد والجمهور بأنها "مخيفة" و"شنيعة"، وشبّهوها بـ"المذبحة الدامية" أو أن الملك يبدو وكأنه "في الجحيم" بسبب كثافة اللون الأحمر.
وتحولت اللوحة إلى مادة خصبة لنظريات المؤامرة الساخرة على منصات التواصل الاجتماعي. وهو الأمر الذي قابله الرسام جوناثان يو والملك بالضحك والاستمتاع بالتحليلات الغريبة. وقد عرضت اللوحة الأصلية والدراسات التحضيرية الزيتية الخاصة بها للجمهور لأول مرة داخل غرفة قماش الحرير وقاعة الرقص في قصر باكنغهام، لتصبح واحدة من أكثر القطع الفنية جذباً للزوار.
الصور من الانستغرام