من السدو إلى الـSuite.. كيف دخل التراث السعودي إلى عالم الضيافة الفاخرة؟
لم يعد حضور التراث السعودي في الفنادق الجديدة مجرد وسادة تحمل زخرفة هندسية، أو ركن للقهوة العربية يُضاف إلى الردهة من أجل الصورة. في عدد من مشاريع الضيافة التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، أصبح التراث يدخل إلى التجربة من مكان أكثر عمقًا: من الجدار الطيني، والسقف الخشبي، والمنسوجات المصنوعة يدويًا، وطريقة توزيع الضوء، وصولًا إلى أسماء الغرف وطريقة استقبال الضيف.
وربما يكشف السدو هذا التحول بصورة خاصة. فالحرفة البدوية التي كانت تنسجها النساء على النول الأرضي من الصوف والألياف الطبيعية، بأنماطها الهندسية المتكررة وألوانها المرتبطة بالبيئة الصحراوية، انتقلت اليوم من الخيمة والمجلس إلى المساحات الداخلية لبعض المنتجعات المعاصرة. وقد أُدرج النسيج التقليدي للسدو على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو عام 2020 ضمن ملف السعودية والكويت، قبل توسيع التسجيل في 2025 ليشمل قطر أيضًا.
لكن الحكاية لا تقف عند السدو. فما يحدث في قطاع الضيافة السعودي اليوم هو انتقال تدريجي من استخدام التراث كزخرفة إلى التعامل معه باعتباره لغة تصميم كاملة.

المقاييس الجديدة للفخامة.. إقامة بإيقاع خاص
لسنوات طويلة ارتبطت صورة الفندق الفاخر عالميًا بمفردات تكاد تتكرر أينما ذهبنا: رخام لامع، ثريات ضخمة، أخشاب مصقولة وأجنحة يمكن، إذا أزلنا الإطلالة من النافذة، أن توجد في أي مدينة أخرى.
أما الجيل الجديد من الفنادق السعودية فيتحرك في اتجاه مختلف. فالفخامة هنا لا تأتي بالضرورة من إخفاء المكان، وإنما أحيانًا من إظهاره.
في الدرعية، على سبيل المثال، يدخل ضيف باب سمحان، أحد فنادق لاكشري كوليكشن إلى فضاء يستند إلى العمارة النجدية بدل محاولة الابتعاد عنها. الفندق يضم 106 غرف و28 جناحًا، وتظهر في تصميمها التشطيبات المستوحاة من الطين والأسقف الخشبية والتفاصيل الحرفية والألوان الترابية، بينما تستعيد المساحات الداخلية مفردات البيت النجدي مثل الفناء والليوان.
وهنا تحديدًا تصبح الفكرة أكثر إثارة للاهتمام: التراث ليس قطعة موضوعة داخل الفندق؛ الفندق نفسه يحاول أن يتعلم من التراث.
فالفناء لم يكن عنصرًا جماليًا في البيوت النجدية فقط، بل وسيلة للخصوصية والتهوية ودخول الضوء، والنوافذ المحدودة والجدران السميكة كانت استجابة للمناخ قبل أن تصبح اليوم عناصر بصرية تعجب المصممين. وبذلك تعود حلول وُلدت قبل قرون إلى مشاريع ضيافة معاصرة، لكن بوظائف جديدة.

السدو يغادر الخيمة... من دون أن يفقد حكايته
يظهر هذا الحوار بين القديم والجديد بوضوح أكبر في Six Senses Southern Dunes, The Red Sea.
فالمنتجع، الذي يضم 36 غرفة و40 فيلا، استلهم جزءًا من لغته البصرية من طرق التجارة القديمة والتراث النبطي وبيئة الحجاز الصحراوية. وتستعيد المفروشات الداخلية ألوان الأزياء البدوية وأنماطها، بينما استعان فريق التصميم بحرفيين وتقنيات تقليدية لإدخال النسيج والنحت والخزف إلى المساحات المعاصرة.
ومن بين التفاصيل التي تكشف هذا المزج استخدام الأنماط الهندسية المستلهمة من السدو في أطراف المظلات النسيجية فوق الأسرّة والسجاد وبعض الأسطح الداخلية، من دون محاولة إعادة بناء بيت بدوي حرفيًا داخل غرفة فندقية.
وهذا الفارق مهم.
فالاقتباس الناجح من التراث لا يحتاج إلى تحويل الجناح إلى متحف. يكفي أحيانًا أن يلتقط المصمم منطق الحرفة: إيقاع الخطوط، التكرار، اللون، ملمس الخامة وطريقة صنعها، ثم يعيد ترجمتها إلى لغة أكثر هدوءًا تناسب المساحة المعاصرة.
بهذا المعنى، ينتقل السدو من كونه قطعة تراثية محفوظة إلى عنصر قادر على التطور، وهو بالضبط ما تشير إليه اليونسكو عند الحديث عن استمرار استخدام هذه الحرفة في منتجات فنية وتصميمية معاصرة.

في العلا.. عندما تصبح الغرفة نفسها قطعة من التاريخ
لكن أقصى درجات هذا الاتجاه ربما تظهر في العلا، حيث لم يعد السؤال: كيف ندخل التراث إلى الفندق؟ بل أصبح: ماذا لو كان الفندق موجودًا أصلًا داخل التراث؟
في دار طنطورة لا تبدأ التجربة من بناء جديد يحاكي الماضي. الفندق يتكون من 30 دارًا ضمن البلدة القديمة في العلا، أعيد إحياؤها باستخدام تقنيات ومواد تستند إلى العمارة التقليدية بالطين والحجر، مع مشاركة حرفيين يمتلكون مهارات متوارثة في التعامل مع هذه المباني.
النتيجة بعيدة عن الصورة التقليدية للجناح الفندقي شديد الصقل. الجدران تحتفظ بخشونتها، والفراغات لا تتبع دائمًا خطوطًا هندسية مثالية، كما تعتمد التجربة على التهوية الطبيعية والإضاءة الهادئة بالشموع في أجزاء منها.
التفاصي الصغيرة تزيد من قيمة المكان: أثر اليد على الجدار، اختلاف مستوى الأرض، سمك البناء، وتكوين الغرف الذي صنعته حياة عائلات سكنت المكان قبل تحوله إلى فندق.
إنها فخامة مختلفة؛ أقل اعتمادًا على اللمعان، وأكثر ارتباطًا بفكرة أن المكان لا يمكن نسخه في مدينة أخرى.

من النقش الحجازي إلى فيلا فوق الماء
وعلى البحر الأحمر، تأخذ الحكاية شكلًا آخر تمامًا.
في نجومه، محمية الريتز كارلتون، تبدو الفيلات الـ65 للوهلة الأولى شديدة المعاصرة، بأشكالها المستوحاة من الأصداف ومواقع بعضها فوق المياه. لكن داخلها تدخل الثقافة السعودية بصورة أكثر هدوءًا، من الأنماط الحجازية إلى الحرف التقليدية والخزف والمنسوجات والتفاصيل المصنوعة يدويًا.
حتى بعض التجارب تستدعي علاقة سكان المنطقة القديمة بالسماء؛ إذ تضم الفيلات تلسكوبات تستحضر تقليد الاسترشاد بالنجوم لدى الرحالة والقبائل، بينما تستند أجزاء من تصميم المنتجع إلى فكرة السوق السعودي القديم والحرف المحلية.
هنا لا يحاول التراث منافسة العمارة المستقبلية، بل يعيش إلى جوارها.
ربما تكون هذه إحدى أهم سمات الضيافة السعودية الجديدة: لا يوجد افتراض بأن الحفاظ على الهوية يقتضي بالضرورة بناء كل شيء بالطين، كما أن الحداثة لا تعني التخلص من الذاكرة.

المبنى القديم نفسه يدخل عالم الفنادق
وفي فندق ذا شيدي الحجر The Chedi Hegra بالعلا، يصبح مبدأ إعادة الاستخدام أكثر وضوحًا. الفندق المكون من 35 غرفة يدمج 16 مبنى قائمًا في موقع الحجر، من بينها محطة السكك الحديدية القديمة وحصن الحجر ومبانٍ أخرى، مع الحفاظ على أجزاء واسعة من الجدران والهياكل الأصلية، بما فيها بعض العناصر المبنية من الطوب الطيني.
بدل بناء «نسخة» جديدة من التاريخ بجوار الموقع الأثري، يصبح المبنى الذي مر عليه الزمن جزءًا من تجربة الإقامة نفسها.
وهذه ربما خطوة أبعد من توظيف زخرفة تراثية على الجدار؛ لأنها تنقل فكرة الحفاظ على التراث من الديكور إلى العمارة وإعادة الاستخدام.

الحرفي يعود إلى المشهد... ولكن بدور مختلف
هذا التحول يحمل جانبًا آخر لا يظهر دائمًا في الصور المنشورة للفنادق: عودة الحرفة اليدوية إلى منظومة التصميم.
عندما يحتاج الفندق إلى قطعة خشبية منحوتة، أو نسيج مستلهم من تقنيات محلية، أو خزف مصنوع يدويًا، يصبح الحرفي جزءًا من سلسلة إنتاج مرتبطة بقطاع الضيافة، وليس فقط بمهرجانات التراث أو متاجر الهدايا.
وتزداد أهمية هذا المسار عندما لا يكتفي المشروع بنقل شكل القطعة التقليدية، بل يستعين بالمهارة التي صنعتها لتطوير شيء جديد.
فالحرفة التي لا تتغير قد تتحول بمرور الوقت إلى قطعة محفوظة خلف الزجاج. أما عندما تدخل إلى الفندق والمطعم والمنتج المعاصر، فهي تحصل على فرصة أخرى للحياة — شرط أن يجري ذلك باحترام لأصحاب الحرفة وأصلها، وليس عبر اختزالها في «نقشة جميلة».

حتى القهوة لم تعد تفصيلًا صغيرًا
والهوية الفندقية لا تتوقف عند التصميم.
في التجارب السعودية الجديدة، تدخل الضيافة المحلية أيضًا من خلال الطعام والقهوة والبخور وطريقة تقديمها، ومن خلال أسماء المساحات والقصص التي تحيط بها.
وهذا منطقي؛ لأن مفهوم المجلس نفسه، المسجل لدى اليونسكو ضمن عناصر التراث الثقافي غير المادي المرتبطة بالسعودية، يقوم في جوهره على الاجتماع والاستقبال والحوار. كما أن القهوة العربية، المدرجة بدورها ضمن عناصر التراث غير المادي، تحمل معنى يتجاوز المشروب إلى طقوس الكرم والاستضافة.
لذلك حين تستعيد الفنادق هذه العناصر بوعي، فهي لا تضيف «لمسة محلية» إلى نموذج عالمي بقدر ما تعود إلى فكرة ضيافة كانت موجودة في المجتمع قبل ظهور الفندق بصورته الحديثة.

تجربة استثنائية بنكهة أصيلة
ربما يكون من المبكر الحديث عن قالب واحد يمكن تسميته «الفخامة السعودية»، فالدرعية لا تشبه العلا، والحجاز ليس نجد، والبحر الأحمر يملك ذاكرة بصرية مختلفة تمامًا عن صحراء الجنوب.
وربما هذه هي النقطة الأجمل أصلًا.
فبدل البحث عن هوية سعودية واحدة تصلح لكل فندق، بدأت المشروعات الأكثر إثارة للاهتمام تبحث في خصوصية المكان نفسه: ماذا كان الناس يبنون هنا؟ ما الخامات التي استخدموها؟ ماذا كانوا ينسجون؟ كيف كانوا يستقبلون الضيف؟ وما الألوان التي جاءت من البيئة المحيطة بهم؟
عندها يصبح الاختلاف بين فندق في الدرعية وآخر في العلا وثالث على البحر الأحمر جزءًا من التجربة، لا مشكلة ينبغي توحيدها.
ومن السدو الذي خرج من النول البدوي إلى تفاصيل جناح فندقي، مرورًا بجدار من الطين عاد ليستقبل ضيوفًا بعد عقود، ووصولًا إلى حرفة حجازية تجد مكانها في فيلا معاصرة فوق البحر، تبدو الضيافة السعودية وكأنها تعيد اكتشاف فكرة بسيطة: