غندورة بنت شمس غندورة.. من التعاون الدولي إلى قلب الحضور الرياضي السعودي عالميًا
في ملبورن، حيث يجتمع قادة وخبراء صناعة الرياضة ضمن مؤتمر SportNXT 2026، حضرت السعودية هذه المرة بوفد من وزارة الرياضة تقوده في جانب العلاقات والشؤون الدولية غندورة بنت شمس غندورة. لم تقتصر الزيارة على حضور المؤتمر؛ بل امتدت إلى سلسلة من اللقاءات مع مؤسسات أسترالية، من بينها المعهد الفيكتوري للرياضة، واللجنة الرياضية الأسترالية، والاتحاد الأسترالي للتنس وحكومة ولاية فيكتوريا، إضافة إلى زيارات واتصالات مع جهات مرتبطة بكرة القدم والرياضة النسائية.
قد تبدو المشاركة محطة جديدة ضمن جدول دولي مزدحم، لكنها تختصر إلى حد بعيد المسار الذي صنع حضور غندورة المهني خلال ما يقارب عقدين: العلاقات الدولية أولًا، ثم بناء الشراكات، وأخيرًا توظيف هذه الخبرة في قطاع أصبحت فيه الرياضة السعودية جزءًا متزايد الأهمية من علاقات المملكة مع العالم.

من الإدارة إلى العلاقات الدولية
تعود البدايات المهنية لغندورة إلى مجال الإدارة والعلاقات الدولية، وليس إلى الرياضة. وتشير السير المهنية المنشورة عنها إلى أنها درست في جامعة الملك سعود قبل أن تنتقل إلى أستراليا، حيث حصلت على درجة الماجستير في إدارة الأعمال الدولية من جامعة نيو إنجلاند خلال الفترة 2007–2008. ويؤكد ملفها المهني ارتباطها بالجامعة الأسترالية في هذه الفترة، إلى جانب مسار لاحق ركز بدرجة كبيرة على التواصل الدولي والقيادة والعمل عبر الثقافات.
وقد عادت العلاقة مع أستراليا، بعد سنوات، بصورة مختلفة تمامًا؛ فمن تجربة أكاديمية في بدايات المسيرة إلى تمثيل وزارة الرياضة في ملبورن عام 2026 ولقاء عدد من المؤسسات الرياضية الأسترالية.
وهو تفصيل يمنح مشاركتها الأخيرة في SportNXT بعدًا لافتًا، وإن كان المسار المهني بين المحطتين أكثر أهمية من الرمزية نفسها.
حقوق الإنسان.. المدرسة الأولى للعمل الدولي
قبل انتقالها إلى القطاعات التنظيمية والرياضية، عملت غندورة في هيئة حقوق الإنسان السعودية، حيث ارتبط عملها بالعلاقات والمنظمات الدولية.
ويمكن تتبع حضورها في هذا المجال إلى سنوات مبكرة؛ ففي 2012 شاركت، ممثلةً لهيئة حقوق الإنسان، في محاضرة حول حقوق المرأة نظمت بالتعاون مع جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، وهو أحد الشواهد المنشورة على طبيعة الملفات التي كانت تعمل عليها خلال تلك المرحلة.
وتشير سيرتها المهنية المنشورة إلى أنها عملت في عدد من مواقع العلاقات الدولية داخل الهيئة، قبل انتقالها في عام 2014 إلى جنيف للعمل ضمن إطار التعاون الفني مع مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان. ويصف ملفها المهني هذه المحطة بأنها اختيارها كأول سعودية في هذا المسار التدريبي المهني ضمن الاتفاقية مع المفوضية.

هناك، دخلت خبرتها الدولية مرحلة مختلفة؛ فبدل التعامل مع العلاقات الدولية من الرياض فقط، أصبح العمل داخل بيئة متعددة الأطراف تضم منظمات ودولًا وملفات حقوقية متباينة.
وهذه الخلفية تفسر جانبًا مهمًا من مسارها اللاحق: غندورة لم تدخل مجال العلاقات الرياضية من بوابة الرياضة التنافسية، وإنما جاءت إليه بخبرة طويلة في التفاوض والتواصل بين المؤسسات والثقافات والجهات الحكومية والدولية.
محطة «الغذاء والدواء».. العلاقات الدولية خارج المسار الدبلوماسي التقليدي
انتقلت غندورة بعد ذلك إلى الهيئة العامة للغذاء والدواء، وهنا اتسع مفهوم العلاقات الدولية في تجربتها ليشمل التعاون التنظيمي والفني بين الجهات الحكومية.
وتؤكد مصادر الهيئة الرسمية أنها كانت تشغل منصب مديرة إدارة التعاون الدولي على الأقل منذ 2018؛ إذ ظهرت بهذا المنصب خلال لقاءات الهيئة مع سفيري أيرلندا والدنمارك، بينما توثق مصادر مؤسسية أخرى استمرارها في الدور خلال اجتماعات تعاون صحي وتنظيمي مع جهات خليجية ودولية.
وفي 2019، على سبيل المثال، أدرجتها قائمة المشاركين في القمة الوزارية العالمية لسلامة المرضى بصفتها مديرة التعاون الدولي في الهيئة العامة للغذاء والدواء.
ومع الوقت تولت مسؤوليات تنفيذية أوسع في إدارة التعاون الدولي، كما ارتبط اسمها بـ**«مبادرة متمكنة»** داخل الهيئة، قبل أن تنتهي هذه المرحلة وتبدأ انتقالتها إلى وزارة الرياضة.

بداية الرحلة مع وزارة الرياضة
في عام 2022 انتقلت غندورة إلى وزارة الرياضة للعمل في مجال التعاون الدولي، بحسب السيرة المهنية المنشورة عنها. ولم يكن التغيير مجرد انتقال بين جهتين حكوميتين، بل انتقال إلى قطاع كان يتغير بسرعة كبيرة داخل المملكة.
خلال تلك الفترة، كانت السعودية توسع استضافتها للفعاليات الدولية وتعمل على ملفات مثل كأس آسيا 2027، بالتزامن مع بناء شبكة متزايدة من العلاقات مع الاتحادات والمنظمات والجهات الرياضية حول العالم.
ومنشورات غندورة خلال هذه المرحلة تقدم صورة عن طبيعة العمل الذي كانت تشارك فيه: اجتماعات وزراء الشباب والرياضة العرب، فعاليات تربط الرياضة بالسلام، وفود سعودية خارج المملكة، وعلاقات ثنائية مع دول وجهات رياضية متعددة. ففي 2023، على سبيل المثال، شاركت ضمن وفد وزارة الرياضة في فعاليات أقيمت في روما بالتزامن مع مرور 90 عامًا على العلاقات الدبلوماسية السعودية الإيطالية.
وهنا بدأت خبرتها السابقة تجد مجالًا جديدًا للتطبيق: الدبلوماسية الرياضية.
من إدارة التعاون إلى قيادة العلاقات والشؤون الدولية
في مارس 2025 عُينت غندورة بنت شمس غندورة وكيلًا لوزارة الرياضة للعلاقات والشؤون الدولية، وهو المنصب الذي تشغله حاليًا، بحسب وزارة الرياضة نفسها.
ويضعها هذا المنصب في نقطة اتصال بين القطاع الرياضي السعودي والعالم الخارجي؛ من العلاقات الحكومية الثنائية إلى التعاون مع المنظمات الرياضية، ومن تبادل الخبرات إلى الملفات المرتبطة بالفعاليات الكبرى والشراكات الدولية.
ولا يمكن فصل هذه المهمة عن التحول الذي يعيشه مفهوم الرياضة نفسه في السعودية. فهي لم تعد ملف منافسات وبطولات فحسب، بل أصبحت مرتبطة بالاستثمار والسياحة والاقتصاد وجودة الحياة والعلاقات الثقافية بين الدول.
وفي إحدى مشاركاتها المرتبطة بالسوبر الإيطالي في الرياض، تناولت غندورة تحديدًا هذه الفكرة، متحدثة عن كرة القدم كمنظومة تتصل بالاقتصاد والسياحة والاستثمار والتبادل الثقافي، وليس بما يحدث داخل الملعب وحده.

الرياضة كجسر بين الدول
ربما يكون هذا هو الخيط الأكثر وضوحًا في نشاطها خلال الفترة الأخيرة.
ففي دورة ألعاب التضامن الإسلامي 2025، عملت وكالة العلاقات والشؤون الدولية على برنامج من الاجتماعات الثنائية واستقبال رؤساء الوفود ودعم توقيع مذكرات وبرامج تنفيذية مع شركاء دوليين.
وفي محطة أخرى، مثلت وزارة الرياضة في أعمال الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، في جلسة تناولت تنمية الشباب من منظور حقوق الإنسان ودور الرياضة في بناء القدرات والمشاركة والسلام؛ وهي محطة بدت وكأنها تجمع مجالين يفصل بينهما أكثر من عقد من مسيرتها المهنية: حقوق الإنسان والرياضة.
كما شهد عام 2026 نشاطًا في العلاقات الرياضية الثنائية، من استقبال مسؤولين رياضيين من بروناي، إلى العمل المرتبط بالتعاون السعودي الفرنسي، والاجتماعات الخليجية المشتركة، وصولًا إلى أستراليا. ويظهر في هذه الملفات اتجاه واضح نحو التعامل مع الرياضة بوصفها جزءًا من العلاقات الدولية للمملكة، وليس قطاعًا يعمل بمعزل عنها.
حضور المرأة في المشهد الرياضي.. من زاوية القيادة أيضًا
الجانب الآخر في مسيرة غندورة يتعلق بحضور المرأة داخل المؤسسات الرياضية نفسها.
فهي لا تأتي إلى القطاع بوصفها رياضية محترفة، وإنما كمسؤولة تعمل في أحد الملفات القيادية المرتبطة بصناعة القرار والعلاقات الخارجية. وهذا نموذج مختلف من حضور السعوديات في الرياضة: الإدارة والحوكمة والدبلوماسية الرياضية.
ويبدو أن هذا الجانب حاضر أيضًا في مسار تطويرها المهني؛ إذ شاركت في برنامج متخصص في قيادة المرأة في الرياضة بالتعاون مع Loughborough University، تناول الحوكمة الرياضية والمسارات عالية الأداء ونمو الرياضة النسائية وإدارة الأحداث الرياضية الكبرى.
وهي امتداد طبيعي لمسار تدريبي أقدم يضم برامج في القيادة عالية الأداء والتواصل بين الثقافات والقيادة الموقفية، وفقًا لملفها المهني.

والآن.. ملبورن
لهذا لا تبدو مشاركتها في SportNXT 2026 حدثًا منفصلًا عن بقية المسيرة.
المؤتمر، الذي أقيم في ملبورن من 7 إلى 9 سبتمبر، يجمع مسؤولين وقادة أعمال وخبراء من منظومة الرياضة العالمية لمناقشة مستقبل الصناعة والأحداث الكبرى والتقنيات والاستثمار وغيرها من الملفات.
وعلى هامشه، تحرك وفد وزارة الرياضة السعودية بين عدد من أبرز المؤسسات في المنظومة الرياضية الأسترالية، من Tennis Australia إلى Australian Sports Commission وVictorian Institute of Sport، مع مشاركة في طاولة مستديرة جمعت جهات أسترالية وسعودية.
وإذا كانت السعودية تستعد خلال السنوات المقبلة لمحطات رياضية كبرى، فإن هذا النوع من الزيارات يكشف جانبًا أقل ظهورًا من المشهد: العمل المؤسسي والعلاقات الدولية وتبادل المعرفة الذي يسبق البطولات بسنوات.
ومن هنا تبدو رحلة غندورة بنت شمس غندورة أكثر ترابطًا مما قد توحي به تنوع المؤسسات التي عملت فيها. فمن حقوق الإنسان إلى التنظيم الغذائي والدوائي ثم الرياضة، تغير القطاع، لكن ظل الملف الذي تتحرك داخله واحدًا تقريبًا: كيف تُبنى العلاقة بين المؤسسة السعودية والعالم؟
واليوم، بعد انتقالها من إدارة التعاون الدولي إلى قيادة وكالة العلاقات والشؤون الدولية في وزارة الرياضة، أصبحت الإجابة مرتبطة بقطاع يشهد إحدى أسرع مراحل نموه؛ حيث يمكن لمباراة أو بطولة أو برنامج شبابي أن يتحول إلى مساحة للاستثمار أو تبادل المعرفة أو بناء علاقة جديدة بين دولتين.
وهنا تحديدًا يقع الجزء الأوضح من دور غندورة: خلف الصورة التي نراها للرياضة السعودية عالميًا، هناك عمل دبلوماسي ومؤسسي طويل يبدأ قبل صافرة البداية بكثير.