من الميدان العسكري إلى مقاعد الدراسة .. ليونور تبدأ فصلا جديدا في مدريد
خلال السنوات الماضية اعتاد الجمهور رؤية الأميرة ليونور Leonor بالزي العسكري، تتنقل بين أكاديميات الجيش والبحرية والقوات الجوية استعدادا لدورها المستقبلي ملكة لإسبانيا. غير أن صباح الاثنين حمل صورة مختلفة تماما: أميرة أستورياس Princess of Asturias وقد استبدلت البزة العسكرية بقميص أبيض وبنطال جينز، وتوجهت بحقيبة كتف سوداء إلى حرم جامعة كارلوس الثالث Carlos III University في مدريد لتبدأ أول يوم دراسي لها في برنامج العلوم السياسية. دعينا نتعرف معا على تفاصيل هذا اليوم الاستثنائي، وعلى المسار الذي قطعته ليونور للوصول إليه، وما يحمله من دلالات بالنسبة لمستقبلها كملكة منتظرة لإسبانيا.
يوم جامعي هادئ وسط حضور استثنائي

وصلت ليونور، العشرينية، قبيل الساعة التاسعة صباحا إلى حرم جامعة كارلوس الثالث في مدينة خيتافي Getafe المجاورة للعاصمة، إلى جانب آلاف الطلاب الجدد الذين بدأوا عامهم الدراسي الأول في التوقيت ذاته. بدت الأميرة بمظهر طبيعي تماما، بشعرها الأشقر المضفور بطريقة الضفيرة الفرنسية، وحقيبتها التي تحمل مستلزماتها الدراسية، إلى درجة أن كثيرا من الحاضرين وصفوها بأنها بدت كأي طالبة أخرى من عمرها. ومع ذلك، لم يخف الحرم الجامعي حالة الترقب التي رافقت وصولها. إذ تجمع عدد كبير من الطلاب والصحفيين لرصد اللحظة، في مشهد وصفه أحد الطلاب، بأنه "غير معتاد إطلاقا" مقارنة بأي يوم دراسي آخر.
آراء متباينة بين زملاء الدراسة

عبر بعض طلاب الجامعة عن ارتياحهم لوجود ليونور بينهم، فيما رأى آخرون أن حضورها يحمل بعض التعقيد رغم محاولتها الظهور كطالبة عادية. فقد أوضح الطالب هوغو بيريز نقلا عن تقارير صحفية، أن كون الأميرة تنتمي إلى البيت الملكي يجعل من الصعب التعامل معها كأي زميلة أخرى، مهما حاولت الاندماج، نظرا لمكانتها بصفتها وريثة العرش. في المقابل، رأت إيثيار روميرو Icíar Romero، الطالبة في تخصص إدارة الأعمال، أن مشاركة ليونور الحرم الجامعي فرصة لتبادل ثقافي حقيقي، معتبرة أن الجميع اجتمعوا في النهاية لهدف واحد هو الدراسة والتحصيل العلمي، بصرف النظر عمن يشاركهم القاعات.

من جهته، أعرب رئيس الجامعة، أنخيل أرياس Angel Ariasعن تقديره لتغطية وسائل الإعلام لهذا اليوم المميز بالنسبة للمؤسسة الأكاديمية. مؤكدا أن ليونور بدت متحمسة وهادئة، وأن برنامج يومها الأول سيكون مطابقا لبرنامج أي طالب مستجد آخر، بدءا من كلمة ترحيبية من نائب العميد وصولا إلى أولى محاضراتها في مادة نظرية القانون. أما عميد كلية العلوم الاجتماعية والقانون، أنطونيو ديسكالسو غونثاليث Antonio Descalzo González، فأشار إلى أن استقبال الأميرة يمثل مسؤولية كبيرة تتحملها الجامعة، لكنه أكد في الوقت ذاته أن قبولها جرى وفق المعايير الأكاديمية نفسها المطبقة على جميع الطلاب، دون أي استثناء في اختيار الأساتذة أو المناهج.
ثلاث سنوات من التدريب العسكري الشاق

قبل أن تصل إلى مقاعد الدراسة، خاضت ليونور مسارا عسكريا مكثفا استمر ثلاث سنوات كاملة، بدأته في الأكاديمية العسكرية العامة بمدينة سرقسطة Zaragoza، حيث خضعت لتدريبات ميدانية شاقة حملت خلالها السلاح وشاركت في تمارين قتالية، ونالت في ختام تلك السنة الصليب الأكبر للاستحقاق العسكري بدرجة بيضاء من والدها الملك. بعدها انتقلت إلى الأكاديمية البحرية في مارين Marín، حيث خدمت كضابطة بحرية على متن السفينة التدريبية خوان سيباستيان دي إلكانو Juan Sebastián de Elcano في رحلة عبرت خلالها المحيط الأطلسي ووصلت إلى القارة الأمريكية. قبل أن تختتم تدريبها في الأكاديمية الجوية العامة بمدينة مورسيا Murcia. وقد وصف الملك فيليبي والملكة ليتسيا هذا المسار العسكري في تصريح سابق بأنه خطوة ضرورية وقيّمة لترسيخ حس المسؤولية والانضباط لدى ابنتهما الكبرى.
مسار مختلف لشقيقتها الصغرى

يلفت الانتباه أن إنفانتا صوفيا Infanta Sofiaالشقيقة الصغرى لليونور، اختارت مسارا مغايرا تماما، إذ فضلت عدم الالتحاق بالتدريب العسكري، وتوجهت بدلا من ذلك إلى لشبونة Lisbon حيث تدرس العلوم السياسية والعلاقات الدولية في كلية فورورد Forward College الخاصة. ويعكس هذا التباين بين مسيرتي الشقيقتين مرونة نسبية في الطريقة التي يُعد بها البيت الملكي الإسباني أبناءه، مقارنة بالتقليد الذي اتبعه الملك فيليبي نفسه، والذي جمع بين التدريب العسكري ودراسة القانون في جامعة مدريد المستقلة، بينما درست الملكة ليتسيا الصحافة قبل انضمامها إلى الأسرة المالكة.
الجامعة والملكية .. علاقة تحت المجهر

لا يمكن فصل هذا الحدث عن السياق الأوسع الذي يعيشه النظام الملكي الإسباني، والذي لا يزال محل جدل مجتمعي متجدد منذ عقود. فبينما تحظى العائلة المالكة بحضور راسخ في المشهد العام، تشير استطلاعات رأي متكررة أجريت خلال السنوات الأخيرة إلى انقسام حقيقي في الشارع الإسباني حول جدوى استمرار النظام الملكي مقابل التحول إلى نظام جمهوري. مع تفاوت واضح في مستوى التأييد بين الأقاليم، إذ تسجل مناطق مثل كتالونيا وإقليم الباسك نسب تأييد أعلى نسبيا لفكرة إجراء استفتاء حول شكل الحكم. في ظل هذا المناخ، يرى بعض المراقبين أن ظهور ليونور كطالبة عادية تخضع لنفس معايير القبول وتزاحم زملاءها في القاعات الدراسية، يخدم صورة الملكية بوصفها مؤسسة قريبة من المواطن العادي، بينما يعتبر آخرون أن حجم التغطية الإعلامية المرافقة ليومها الأول يناقض هذا الانطباع، ويؤكد أن مكانتها الاستثنائية تبقى حاضرة أينما ذهبت.
خطوة ضمن مسار طويل نحو التاج

تندرج هذه المرحلة الجامعية ضمن إعداد أطول أمدا يخضع له وريث العرش الإسباني، جمعت خلاله ليونور بين الانضباط العسكري والانفتاح الأكاديمي، في تركيبة تسعى إلى تأهيلها لفهم مؤسسات الدولة من زوايا متعددة قبل أن تتولى مسؤولياتها الدستورية بعد بلوغها سن الرشد الفعلي لتولي العرش. وبينما تخوض غمار حياتها الجامعية الجديدة على مدى السنوات الأربع المقبلة، يبقى الرهان قائما على قدرتها على الموازنة بين حياة طالبة عادية تتقاسم مقاعد الدراسة وأوقات الاستراحة مع زملائها، وبين حملها لقبا يجعل كل خطوة تخطوها موضع تأمل ومتابعة على نطاق واسع، محليا ودوليا.