امنحي مساركِ المهني مساحة جديدة للتطور مع أدوات الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي.. شريككِ الجديد في تطوير مساركِ المهني

حين بدأت أدوات الذكاء الاصطناعي في الانتشار على نطاق واسع، انقسمت ردود الفعل بين حماس شديد يرى فيها بداية لعصر جديد، وقلق عميق يخشى أن تقود إلى الاستغناء عن الإنسان في كثير من المهن. وبين هذين الموقفين المتناقضين، ربما ضاعت فرصة مهمة لم تنتبه إليها كثيرات بعد، وهي أن تنظري إلى هذه الأدوات بعيداً عن فكرة التهديد أو الانبهار، وأن تريها كما هي في جوهرها، وسائل قوية يمكن أن تساعدكِ على تطوير مساركِ المهني إذا عرفتِ كيف توظفينها بوعي.

ونتعرف اليوم على كيفية جعل استخدام الذكاء الاصطناعي شريكاً في رحلة تطوركِ المهني بأكملها، من اللحظة التي تحاولين فيها اكتشاف الاتجاه الذي يناسبكِ، مروراً ببناء مهاراتكِ وتطوير معرفتكِ.

فهم ما يُجيده الذكاء الاصطناعي وما لا يُجيده

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرافقكِ في رحلتكِ المهنية
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرافقكِ في رحلتكِ المهنية

التعامل الواعي مع أي أداة يبدأ أولاً بفهم حدودها، وليس بمجرد اكتشاف ما تستطيع القيام به. والذكاء الاصطناعي يمتلك قدرات واسعة يمكن أن توفر عليكِ كثيراً من الوقت والجهد.

لكن هذه القدرات لا تعني أنه قادر على فهم حياتكِ كما تفهمينها أنتِ، فهو لا يعرف بالضرورة تفاصيل علاقاتكِ المهنية، ولا طبيعة بيئة العمل التي تتحركين داخلها، ولا الظروف الدقيقة التي تؤثر في قراراتكِ، والأهم أنه لا يضمن أن تكون كل معلومة يقدمها دقيقة أو صحيحة، ولذلك يبقى التحقق من المعلومات مسؤوليتكِ دائماً.

استخدميه لاكتشاف اتجاهكِ المهني

الحيرة المهنية، ذلك السؤال الذي يعود إلينا في مراحل مختلفة من الحياة: «ماذا أريد أن أفعل حقاً؟»، ليست أمراً استثنائياً، فكثيرات يجدن أنفسهن أمام أكثر من طريق، أو يشعرن بأن خبراتهن الحالية لا تعكس بالضرورة ما يرغبن في الوصول إليه مستقبلاً. وغالباً ما نحاول الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال التأمل الشخصي أو الحديث مع أشخاص نثق بهم، إلا أن كل شخص حولنا يحمل تجاربه وقناعاته وتحيزاته الخاصة، وقد يؤثر ذلك في الطريقة التي ينصحنا بها.

هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمنحكِ مساحة ثالثة للاستكشاف، فهو يستطيع أن يحاوركِ من خلال سلسلة من الأسئلة التي تساعدكِ على ترتيب أفكاركِ ورؤية ما يدور داخلكِ بوضوح أكبر، من دون أن يفرض عليكِ حكماً نهائياً. أخبري إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT أو غيرها عن خلفيتكِ المهنية، وما تتقنينه، وما يجذب اهتمامكِ، وما الذي تفكرين في تغييره، ثم اطلبي منها أن تطرح عليكِ أسئلة تساعدكِ على فهم ما تريدين بصورة أعمق.

اجعليه مُحلّلًا لسيرتكِ الذاتية وشريكةً في تحسينها

لا تنظري إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره منافسًا لكِ
لا تنظري إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره منافسًا لكِ

السيرة الذاتية واحدة من أكثر الوثائق المهنية التي يصعب النظر إليها بموضوعية، ليس لأننا لا نعرف خبراتنا، بل لأننا نحن من عشناها ونكتب عنها، ولذلك قد نغفل عن نقاط ضعف واضحة للعين الخارجية أو نفترض أن القارئ سيفهم قيمة تجربة ما كما نفهمها نحن.

يمكن للذكاء الاصطناعي هنا أن يمنحكِ تلك النظرة الخارجية التي تحتاجين إليها، وأن يقدم لكِ ملاحظات سريعة حول الجمل الغامضة، والمعلومات الناقصة، والأجزاء التي لا تظهر قيمتكِ المهنية بالشكل الكافي. يمكنكِ إدخال سيرتكِ الذاتية في أداة مناسبة وطلب تحليلها، ثم نسخ وصف وظيفة تتقدمين إليها ومقارنته بالسيرة الذاتية حتى تتعرفي إلى نقاط التوافق والفجوات التي قد تحتاجين إلى معالجتها، كما يمكنكِ أن تطلبي اقتراح صيغ أقوى لوصف إنجازاتكِ بحيث تظهر نتائج عملكِ وتأثيره بوضوح أكبر.

تدرّبي على المقابلات الوظيفية معه

المقابلة الوظيفية لا يكفي الاستعداد لها من خلال قراءة الأسئلة المتوقعة أو التفكير في إجابات مناسبة في ذهنكِ، لأن جزءاً كبيراً من الثقة يأتي من التدريب الفعلي، من التحدث بصوت واضح، وترتيب الأفكار تحت الضغط، والتعامل مع سؤال غير متوقع من دون أن تفقدي توازنكِ.

وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون وسيلة عملية تمنحكِ فرصة للتدريب كلما احتجتِ إليها. أخبري الأداة بالوظيفة التي تتقدمين لها، والمجال الذي تنتمين إليه، وطبيعة الشركة أو الدور، ثم اطلبي منها أن تؤدي دور الشخص الذي يجري المقابلة وأن تطرح عليكِ أسئلة مرتبطة بالوظيفة. يمكنكِ كتابة إجاباتكِ وإدخالها إليها، أو التحدث بها بصوت عالٍ ثم نقلها إلى الأداة، وبعد ذلك اطلبي منها ملاحظات حول وضوح الإجابات وقوتها وما يمكن تحسينه فيها.

وظّفيه في بناء مهاراتكِ وتعلّم الجديد

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمنحكِ أدوات جديدة تساعدكِ على مواكبة التطورات
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمنحكِ أدوات جديدة تساعدكِ على مواكبة التطورات

من أكثر الجوانب التي يمكن أن يغيّر فيها الذكاء الاصطناعي طريقة تطوركِ المهني قدرته على أن يكون معلماً متاحاً عندما تحتاجين إليه، فهو يستطيع أن يشرح المفهوم نفسه بأكثر من طريقة، وأن يغير مستوى الشرح وفق معرفتكِ السابقة، وأن يربط المعلومة بالسياق الذي تعملين فيه بدلاً من تقديمها لكِ بصورة مجردة.

فإذا كنتِ تتعلمين مهارة جديدة مثل تحليل البيانات أو التسويق الرقمي أو إدارة المشاريع، يمكنكِ أن تطلبي من الأداة شرح المفاهيم التي تجدينها مربكة باستخدام أمثلة مرتبطة بمجالكِ أنتِ، كما يمكنكِ أن تطلبي منها بناء خطة تعلم تدريجية تتناسب مع الوقت المتاح لديكِ والهدف الذي تريدين الوصول إليه.

استخدميه لتطوير حضوركِ المهني الرقمي

الحضور المهني الواضح على المنصات المهنية، وخصوصاً منصة لينكدإن، لا يعتمد فقط على امتلاك الخبرة، وإنما يحتاج أيضاً إلى القدرة على التعبير عنها بصورة منتظمة وواضحة. وكثيرات لديهن تجارب وأفكار تستحق المشاركة، لكن العقبة تبدأ عند محاولة تحويل التجربة التي تدور في الذهن إلى نص مرتب ومقنع.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدكِ في هذه المرحلة من دون أن يتحول إلى صوت يتحدث بدلاً منكِ. شاركيه فكرة أولية أو تجربة مهنية مررتِ بها وترغبين في الحديث عنها، واطلبي منه مساعدتكِ على ترتيبها في صورة منشور واضح، ثم استخدميه لمراجعة ما كتبته وتنقيحه بدلاً من تسليمه مهمة الكتابة بالكامل. ويمكنكِ كذلك أن تطلبي منه اقتراح زوايا مختلفة للحديث عن تخصصكِ أو المجال الذي تعملين فيه، أو مساعدتكِ على جعل ملفكِ المهني أكثر وضوحاً وقوة في التعبير عن خبراتكِ.

اجعليه أداة بحث مهني ذكية

امنحي مساركِ المهني مساحة جديدة للتطور مع أدوات الذكاء الاصطناعي
امنحي مساركِ المهني مساحة جديدة للتطور مع أدوات الذكاء الاصطناعي

حين تفكرين في فرصة مهنية جديدة، أو تدرسين شركة ترغبين في الانضمام إليها، أو تفكرين في الانتقال إلى مجال مختلف، قد تجدين نفسكِ أمام ساعات طويلة من البحث وكمية كبيرة من المعلومات المتفرقة. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدكِ على جعل هذه العملية أكثر تنظيماً، شرط ألا تتعاملي مع ما يقدمه باعتباره المصدر النهائي للحقيقة.

يمكنكِ الاستفادة منه في ترتيب ما تعرفينه عن مجال معين وتحديد الجوانب التي ما زالت غير واضحة أمامكِ، كما يستطيع مساعدتكِ على صياغة أسئلة أكثر ذكاءً إذا كنتِ تستعدين للحديث مع شخص يعمل في المجال الذي تستهدفينه، ويمكنه أيضاً أن يساعدكِ في مقارنة خياراتكِ المهنية وفق المعايير التي تحددينها أنتِ، أو في تفكيك وصف وظيفي معين حتى تفهمي المهارات والمتطلبات التي يبحث عنها صاحب العمل.

وظّفيه لتنظيم أفكاركِ وخططكِ المهنية

أحياناً لا تكون المشكلة في نقص الأفكار، وإنما في كثرتها، فقد تحملين في ذهنكِ عدة احتمالات لمستقبلكِ المهني، وتفكرين في مهارات تريدين تعلمها، وأهداف تتمنين الوصول إليها، وأمور تقلقكِ بشأن عملكِ الحالي، ثم تتوزع هذه الأفكار بين ملاحظات متفرقة أو تبقى معلقة في رأسكِ من دون ترتيب واضح.

هنا يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مساحة تساعدكِ على إخراج هذه الأفكار من داخلكِ والنظر إليها من الخارج. صفي له وضعكِ المهني الحالي، وما يشغلكِ، وما تطمحين إليه، ثم اطلبي منه مساعدتكِ على ترتيب الأولويات واكتشاف ما يحتاج إلى اهتمام أولاً. ويمكنكِ أيضاً أن تشاركيه المعطيات التي لديكِ وتطلبي منه مساعدتكِ على تحويلها إلى خطة تطوير مهني سنوية، أو تفكيك هدف كبير إلى خطوات أصغر وأكثر قابلية للتنفيذ.

ابدئي بخطوات صغيرة وتدريجية

إذا لم تستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي كثيراً في حياتكِ المهنية حتى الآن، فلا توجد حاجة إلى محاولة تطبيق كل هذه الأفكار دفعة واحدة. الأفضل أن تمنحي نفسكِ مساحة للتجربة، وأن تكتشفي بالتدريج أين يمكن لهذه الأدوات أن تقدم لكِ فائدة حقيقية بدلاً من تحويل استخدامها إلى مهمة إضافية.

في الأسبوع الأول، اختاري أداة واحدة مثل ChatGPT أو Claude أو غيرهما، وجربي استخدامها في مهمة محددة فقط، كتحسين فقرة من سيرتكِ الذاتية أو طلب شرح مفهوم مهني ما زلتِ تجدينه مربكاً. ثم، خلال الأسبوعين الثاني والثالث، أضيفي استخداماً آخر إلى تجربتكِ، كأن تستعيني بها في الاستعداد لاجتماع مهم أو في البحث عن فرصة مهنية تفكرين فيها.

محررة في قسم المجوهرات واللايف ستايل