خاص "هي"- The End of Oak Street.. هل ينجح فيلم الديناصورات في استعادة سحر سينما ستيفن سبيلبرج؟

خاص "هي"- The End of Oak Street.. هل ينجح فيلم الديناصورات في استعادة سحر سينما ستيفن سبيلبرج؟

19 أغسطس 2026

تخيل أن تستيقظ ذات صباح لتكتشف أن الحي الهادئ الذي عشت فيه سنوات لم يعد في زمنك أصلًا. المنازل ما زالت في أماكنها، والشوارع كما تعرفها، والسيارات متوقفة أمام البيوت، لكن ما يخرج من خلف الأشجار مخلوقات تنتمي إلى عالم انتهى قبل ملايين السنين.

هذه هي الفكرة التي ينطلق منها فيلم (نهاية شارع أوك) The End of Oak Street، حيث تنتقل عائلة جريج (إيوان مكريجور ) في عام 1982، مع حيها السكني كاملًا، إلى زمن الديناصورات بعد حدث كوني غامض. الفيلم من تأليف وإخراج ديفيد روبرت ميتشيل وشارك في إنتاجه جاي.جاي. أبرامز.

The End of Oak Street

الحي الذي تحول إلى فخ

لا يحتاج الفيلم إلى وقت طويل كي يضع عائلته أمام المفارقة الأساسية: المكان الذي كان يفترض أن يكون أكثر البيئات أمانًا وراحة يصبح فجأة عالمًا لا تنتمي إليه. فالمنازل المتجاورة، والحدائق، والسيارات المتوقفة أمامها، والملاعب والشوارع الضيقة التي اعتاد السكان تفاصيلها، تتحول كلها إلى مكان خطر عندما تصبح الديناصورات هي القوة المسيطرة على المكان.

The End of Oak Street

وهنا ينجح الفيلم في نقل رعب مخلوقات ما قبل التاريخ من الغابات والمساحات المفتوحة إلى قلب حي سكني مألوف.

لكن قوة الفكرة تكشف في الوقت ذاته حدود السيناريو. فالفيلم يعرف كيف يضع الديناصورات في الحي، لكنه لا يستخرج دائمًا من هذا الوضع كل ما يمكن أن يقدمه من أفكار ومواقف. كان يمكن للضاحية أن تصبح شخصية أخرى في الحكاية، وأن تتغير طريقة استخدام كل منزل وشارع وحديقة مع تطور الخطر، لكن الفيلم يعود مرارًا إلى فكرة المطاردة والاختباء نفسها، حتى يبدأ العالم الجديد في فقدان جزء من المفاجأة التي منحته إياها الفرضية الدرامية.

الرعب والكوميديا

لكن المشكلة لا تتعلق بالفرضية وحدها، وإنما بالطريقة التي يختار بها الفيلم التعامل معها. فمنذ البداية، يبدو The End of Oak Street مترددًا بين أكثر من نبرة؛ يريد أن يكون فيلم نجاة ورعبًا حقيقيًا، لكنه في الوقت نفسه يصر على الاحتفاظ بخفة كوميدية تسخر من حياة سكان الضاحية وعاداتهم، ثم ينتقل أحيانًا إلى مغامرة عائلية أقرب إلى أفلام المطاردات الكلاسيكية.

The End of Oak Street

 

هذا المزج ليس عيبًا في ذاته، بل كان يمكن أن يكون أحد أكثر عناصر الفيلم تميزًا. المشكلة أن النبرات لا تتعايش دائمًا بسلاسة؛ فتأتي بعض المواقف الساخرة في لحظات الخطر دون انتباه لخطأ التوقيت، بينما تفقد بعض المشاهد المرعبة جزءًا من تأثيرها لأن الفيلم لا يمنحها الوقت الكافي للتاثير على المشاهد. وفي المقابل، حين تنجح الكوميديا، فإنها تمنح الفيلم خفة محببة وتكسر الجمود الذي كان يمكن أن يصيب حكاية تعتمد على الاختباء والمطاردة.

آن هاثاواي وإيوان مكريجور... والآخرون!

وسط هذا التذبذب، تأتي آن هاثاواي وإيوان مكريجور ليقدما أحد أكثر عناصر الفيلم تماسكًا. هاثاواي تمنح الأم حضورًا يجمع بين القوة والهشاشة؛ فهي ليست مجرد أم تحاول حماية أطفالها من الخطر، بل امرأة تحاول الحفاظ على تماسك أسرتها في عالم انهارت قواعده فجأة. ويمنحها أداؤها قدرًا من الصدق العاطفي يجعل خوفها وإصرارها مفهومين، حتى عندما لا يكون السيناريو بالعمق نفسه.

أما إيوان مكريجور، فيضيف إلى الفيلم لمسة كوميدية جافة ودافئة تخفف من ثقله. والأهم أن الكيمياء بينه وبين هاثاواي تمنح العلاقة الزوجية قدرًا من المصداقية؛ فوجودهما معًا يجعل الأسرة تبدو كعائلة حقيقية تتعامل مع كارثة عبثية، لا مجرد شخصيات وضعت في مواجهة الديناصورات لأن الحبكة تحتاج إلى ذلك.

The End of Oak Street

يمنح الفيلم معظم اهتمامه للعائلة، لكن ذلك يأتي على حساب بقية سكان الحي. يظهر الجيران بوصفهم جزءًا من المشهد أكثر من كونهم شخصيات لها حضور درامي حقيقي؛ نعرف ما يكفي عن بعضهم لندرك أنهم يعيشون الكارثة نفسها، لكننا لا نعرف ما يكفي لنتعلق بهم أو نشعر فعلًا بما يخسرونه عندما يصبح الحي ساحة للصيد.

وهذا يضعف واحدًا من أهم عناصر أفلام البقاء: الإحساس بأن الخطر لا يهدد الأبطال وحدهم. كان يمكن للجيران أن يقدموا وجهات نظر مختلفة تجاه ما يحدث، لكن سيناريو الفيلم يمر على هذه الاحتمالات سريعًا، فيظل الحي مزدحمًا بأشخاص لا نعرفهم ولا نشعر بتعاطف خاص معهم كضحايا للديناصورات.

ديناصورات في شوارع أوك

إذا كان الفيلم يملك عنصرًا تقنيًا ينجح في تثبيت فكرته على الشاشة، فهو المؤثرات البصرية وطريقة دمجها في البيئة المحيطة. فالمخلوقات لا تبدو وكأنها أضيفت إلى المشهد بعد تصويره، بل تتحرك بين الأثاث والسيارات والمنازل، وتتعامل مع المكان بوزن وحضور ملموسين، مستفيدًا من المزج بين المؤثرات العملية والمجسمات المتحركة والمؤثرات الرقمية.

The End of Oak Street

وهذا مهم لأن جاذبية الفكرة تعتمد أساسًا على رؤية المستحيل وهو يحدث في مكان مألوف. ديناصور ضخم يمر بين المنازل أو يقترب من سيارة متوقفة في شارع ضيق أكثر إثارة من وضع المخلوق نفسه في غابة مجهولة؛ فالمشهد يضع عالمين لا ينتميان إلى بعضهما في مساحة واحدة، ويجعل المفارقة البصرية جزءًا من متعة الفيلم.

كما ينجح التصميم الصوتي في دعم هذا الإحساس. فخطوات المخلوقات الثقيلة على الأسفلت، واهتزازات المنازل، ثم الانتقال من صمت الضاحية المريب إلى أصوات الديناصورات المفاجئة، تمنح المشاهد شعورًا بوجود شيء ضخم يتحرك بالقرب منه حتى عندما لا يكون ظاهرًا في الكادر. ولا يحتاج الفيلم هنا إلى المبالغة في الصخب الموسيقى أو المؤثرات الصارخة؛ يكفي أن يجعل الصوت نفسه امتدادًا للخطر.

التكريم والتقليد

لا يخفي The End of Oak Street مرجعيته الأساسية؛ فمن الواضح أنه يستعيد روح سينما المغامرة والخيال التي ازدهرت في الثمانينيات والتسعينيات، وعلى رأسها عالم ستيفن سبيلبرج وأفلام الديناصورات التي جعلت المخلوقات العملاقة جزءًا من المخيلة الشعبية الحديثة.

المشكلة أن الفيلم لا يكتفي باستلهام هذه الروح، بل يقترب أحيانًا من إعادة إنتاجها. فبدل أن يستخدم مرجعيته ليبني هوية خاصة به، تبدو بعض مشاهده وكأنها تستدعي مشاهد من أفلام E.T. وJurassic Park وغيرها، من دون أن تضيف إليها الكثير. وهذا يجعل الحنين إلى السينما الكلاسيكية سلاحًا ذا حدين؛ فهو يمنح الفيلم جاذبية فورية، لكنه في الوقت نفسه يكشف مدى محدودية ما يقدمه من أفكار جديدة.

​​​​The End of Oak Street

كان يمكن أن تكون الضاحية نفسها نقطة انطلاق لرؤية مختلفة لعالم الديناصورات: كيف يتغير المكان عندما تتسلل إليه مخلوقات تنتمي إلى عصر آخر؟ وكيف يمكن لعادات سكانه وبيوتهم وسياراتهم وبنيتهم اليومية أن تتحول إلى أدوات للنجاة؟ لكن الفيلم غالبًا ما يكتفي بالمفارقة الأساسية، وكأن وجود الديناصورات بين المنازل هو الفكرة والنتيجة في الوقت نفسه.

ولهذا يبدو The End of Oak Street أحيانًا كفيلم يحب السينما التي يستلهمها أكثر مما يملك رؤية خاصة ينافس بها تلك السينما. وهو أمر مؤسف، لأن فرضيته كانت تسمح له بأن يفعل أكثر بكثير من مجرد استعادة ذكريات المغامرة الكلاسيكية.

المنطق الغائب

تزداد مشكلات الفيلم وضوحًا عندما يبدأ الخطر في التصاعد، لأن بعض قرارات الشخصيات تبدو ساذجة للغاية، وكأنها اتخذت فقط لدفع الأحداث إلى المشهد التالي. في عالم تنهار فيه الحياة الطبيعية وتنتشر مخلوقات مفترسة في حي سكني، يفترض أن تصبح كل خطوة محسوبة، وأن تتغير طريقة تفكير الشخصيات مع كل معلومة جديدة، لكن الفيلم يسمح لهم أحيانًا بالتصرف بالطريقة التي تحتاجها الحبكة، مهما بدت بعض قراراتهم غبية وسطحية.

وتظهر المشكلة أيضًا في غياب استجابة أمنية أو عسكرية تتناسب مع حجم الكارثة. فالأحداث لا تجري في مكان معزول، بل داخل حي سكني أمريكي في الثمانينيات، ومع ذلك يبدو حضور مؤسسات الدولة غائبًا بلا مبرر.

The End of Oak Street

هذه الثغرات لا تجعل الفيلم مستحيل التصديق بالكامل، لكنها تضعف الإحساس بالخطر؛ لأن المشاهد يبدأ في التفكير في الأسئلة التي كان يفترض أن تظل خارج الصورة: لماذا لم يفعلوا كذا؟ لماذا انتظروا كل هذا الوقت؟ وكيف لم يتدخل أحد؟ وكلما اضطر الفيلم إلى تجاهل هذه الأسئلة كي يستمر، أصبح من الصعب الاستسلام له كرحلة مغامرة خالصة.

في منتصف الفيلم، يبدأ الإيقاع في فقدان الزخم الذي صنعته الفكرة في البداية. تتكرر محاولات الاختباء داخل الغرف أو القبو، ثم الخروج والتسلل بين السيارات والمنازل، قبل العودة مرة أخرى إلى النقطة نفسها تقريبًا.

لا تضيف كل محاولة جديدة معرفة كافية بالشخصيات أو بالعالم المحيط بها، ولا تغير قواعد المواجهة بصورة تجعل الخطر يتطور فعلًا. يتحمل السيناريو الضعيف أغلب مسؤولية ضعف الحبكة وسذاجة الأحداث.

عالم بلا تفسير

لكن أكثر ما يضعف الفيلم في النهاية هو العالم الذي يبنيه حول حدثه الغامض. فالمخلوقات تظهر، ويجد البشر أنفسهم فجأة في مواجهة عالم الديناصورات، لكن السيناريو لا يمنحنا معرفة كافية عن أصل هذه الكارثة أو طبيعتها. كيف ظهرت هذه المخلوقات؟ كيف وصلت إلى هذا العالم؟ وما الذي حدث بالضبط حتى انتقل حي سكني كامل إلى زمن الديناصورات؟ تبقى الأسئلة معلقة، بينما تكتفي الحوارات ببعض التفسيرات السريعة التي لا تكفي لبناء ميثولوجيا مقنعة.

The End of Oak Street

فكلما زاد غموض الحدث، ازدادت حاجة المشاهد إلى خيط يساعده على فهم ما يراه. أما هنا، فإن الغموض لا يتحول إلى لغز ممتع يدفعنا إلى البحث عن الإجابة، بل إلى فراغ سردي يجعل بعض ما يحدث يبدو اعتباطيًا.

وهنا تعود المشكلة إلى نقطة البداية: الفيلم يملك فرضية شديدة الجاذبية، لكنه لا يبني حولها عالمًا بالثراء نفسه، وهو ما يجعل الفكرة تبدو أحيانًا أكبر من الفيلم الذي يحملها.

The End of Oak Street

وهكذا ينتهي The End of Oak Street بوصفه واحدًا من تلك الأفلام التي تجعلك تتمنى لو أن أصحابها أحبوا فكرتهم بالقدر الكافي ليمنحوها الفرصة للظهور بشكل أفضل على شاشة السينما.

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.