The Last House

 مراجعة "هي" ـ فيلم The Last House.. عائلة محاصرة في منزلها وأسئلة بلا إجابات

18 أغسطس 2026

بدأت نتفليكس بث فيلم The Last House "المنزل الأخير"، وهو من أفلام الإثارة والخيال العلمي، من تأليف ماثيو روبنسون، واخراج لويس ليترير، ويصور عائلة تجد نفسها محاصرة داخل منزلها بسبب ظاهرة مناخية غامضة تمتد آثارها إلى المدينة وما حولها، بينما تتغير البيئة من حولها تدريجيًا ويصبح البقاء نفسه معركة يومية. الفكرة وحدها تكاد تضمن فيلمًا خانقًا: منزل مغلق، خطر خارجي مجهول، موارد تنفد، وعائلة لا تعرف كم سيطول هذا الحصار.

لكن The Last House يبدأ في استهلاك أفضل أفكاره بدل تطويرها، حتى يتحول السؤال من: كيف ستخرج هذه العائلة؟ إلى سؤال أكثر قسوة على الفيلم نفسه: إلى أين يريد أن يذهب بكل هذا؟

المطر والأبواب المغلقة

ذات صباح، تجد عائلة جايسون (فاجنر مورا) وزوجته آن (جريتا لي) نفسها محاصرة داخل منزلها بصورة لا تفسير لها؛ الأبواب والنوافذ لا تفتح، ومحاولات الخروج أو كسر الأبواب والجدران تفشل، بينما يهطل في الخارج مطر غريب يجعل المدينة كلها تبدو وكأنها دخلت في عزلة لا يعرف أحد مداها. ومع انقطاع وسائل الاتصال وتراجع الموارد، تتحول الأيام إلى أسابيع، ثم إلى سنوات، ويصبح على الأسرة أن تتعلم كيف تعيش داخل المساحة نفسها بدلًا من انتظار حل قد لا يأتي.

يملك سيناريو The Last House سؤالًا تستغرق إجابته معظم وقت الفيلم: ماذا يحدث لأسرة عادية عندما يتحول المنزل، بكل ما يمنحه عادة من أمان وخصوصية، إلى مكان لا يمكن مغادرته؟ وكيف تتغير علاقتهم بالمكان عندما يصبح عليهم أن يزرعوا طعامهم، ويدبروا احتياجاتهم، ويتعاملوا مع مرور السنوات من خلف الجدران نفسها؟ يلتقط الفيلم هذه الفكرة في بدايته بذكاء، ويجعل تغير المنزل مع مرور الزمن جزءًا من الحكاية نفسها، بحيث لا تتغير الشخصيات وحدها، بل يتغير البيت الذي يعيشون داخله أيضًا.

يملك سيناريو The Last House سؤالًا تستغرق إجابته معظم وقت الفيلم
يملك سيناريو The Last House سؤالًا تستغرق إجابته معظم وقت الفيلم

في انتظار الخروج

مع مرور السنوات، لا يبقى الحصار مجرد انتظار للخروج، بل يتحول إلى حياة كاملة لها قواعدها وعاداتها. الأم تزرع داخل المنزل وتحاول الحفاظ على قدر من الطمأنينة في حياة فقدت الكثير من ملامحها الطبيعية، بينما يتحول الأب إلى رجل عملي يتعامل مع البقاء باعتباره مهمة تحتاج إلى حلول دائمة.

لكن الابنة هي الأكثر تعبيرًا عن أثر هذه الحياة عليها؛ تبدأ طفلة بريئة وصامتة، تعبر بالرسم عن حال الأسرة والعالم الذي يضيق من حولها، وتؤمن أن الوحش في الخارج لطيف ويمكن التواصل معه، ثم تكبر داخل هذا المكان لتصبح مراهقة تحمل هشاشتها وأسئلتها الخاصة. وفي المقابل، يصبح الابن شابًا يتوق إلى الخروج والمخاطرة ومواجهة ما يوجد خلف الجدران، مهما بلغت خطورته.

الابنة تعبر بالرسم عن حال الأسرة والعالم الذي يضيق من حولها
الابنة تعبر بالرسم عن حال الأسرة والعالم الذي يضيق من حولها

تقدم غريتا لي حضورًا هادئًا يبث الحيوية في منزل أصبح كالسجن، بينما يمنح فاغنر مورا الأب ملامح رجل عملي يعتمد عليه ويؤمن بقدرته على حماية عائلته، رغم ازدياد اضطرابه كلما طال الحصار. لكن السيناريو لا يمنحنا العلاقة الإنسانية بين الزوجين بعمق كافٍ، كما لا يستثمر بما يكفي في الاختلاف بين الابنين وطريقة تعامل كل منهما مع الحياة التي فُرضت عليه.

وتبدو المشكلة أوضح في الحوار، الذي يضع الشخصيات أحيانًا أمام مشاعر كبيرة بجمل مباشرة لا تحمل ما يكفي من التفاصيل الإنسانية. لذلك تبدو بعض المواجهات الأسرية هشة وغير حقيقية، ويضطر الممثلون إلى بذل جهد لإضفاء حرارة على الشخصيات.

وكان يمكن للخلافات الصغيرة، والصمت، وطريقة توزيع المسؤوليات، وحتى اختلاف تصور كل فرد لما يعنيه البقاء، أن تصبح جزءًا أساسيًا من الدراما، لكن الفيلم يمر على هذه المشاهد سريعًا، وكأن لديه سرًا أكبر يريد الوصول إليه، فيخسر في الطريق شيئًا كان يمكن أن يجعلنا نتعاطف أكثر مع مصير هذه العائلة، لا أن نكتفي بتعاطف فاتر كأننا نتصفح مشاهد واقعية على قناة يوتيوب.

 الحوار يضع الشخصيات أمام مشاعر لا تحمل ما يكفي من التفاصيل الإنسانية
 الحوار يضع الشخصيات أمام مشاعر لا تحمل ما يكفي من التفاصيل الإنسانية

مواجهة الخارج

مع الوقت، يصبح واضحًا أن العائلة لا تعيش في المنزل نفسه الذي شاهدناه في بداية الحكاية، حتى لو بقيت الجدران في أماكنها. وهذه التفاصيل تمنح الفيلم ملمسًا واقعيًا كان يمكن البناء عليه أكثر؛ فالتكيف مع المكان لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل يكشف كيف يمكن للإنسان أن يحول حتى أكثر الظروف غرابة إلى حياة لها قواعدها وعاداتها.

المنزل الذي بدأ بوصفه سجنًا يتحول تدريجيًا إلى عالم كامل، والعالم الخارجي الذي كان يمثل الحياة يصبح شيئًا بعيدًا ومخيفًا، لا يعرف سكانه إن كانوا قادرين على العودة إليه أصلًا.

The Last House يبدأ في استهلاك أفضل أفكاره بدل تطويرها
The Last House يبدأ في استهلاك أفضل أفكاره بدل تطويرها

ومع ذلك، لا يظل البيت هو المشكلة الوحيدة إلى الأبد. فهناك وحش يترصد البشر ويقتل كل من يقع في طريقه؛ تضطر الأسرة إلى إسدال الستائر خلال النهار حتى لا يلمحها، وتصبح أبسط محاولة للنظر إلى العالم الخارجي مخاطرة غير محسوبة.

ولا يبدأ الفيلم في استعادة حيويته إلا عندما يصبح الاحتكاك بالوحش حتميًا في الثلث الأخير. هنا تظهر خبرة لويس ليترير بوضوح أكبر في إدارة الحركة والإثارة، وتتحول المشاهد من الانتظار إلى المواجهة، فتزداد سرعة الإيقاع وتصبح الأحداث أكثر مباشرة وحيوية. لكن المفارقة أن هذه الحيوية تأتي متأخرة؛ فبعد أن أمضى الفيلم وقتًا طويلًا في بناء عالم مغلق وقواعده، يصل إلى الجزء الذي كان يفترض أن يكون ذروة التوتر وقد أصبح مضطرًا إلى تعويض كثير من الوقت الذي أنفقه في الانتظار.

المنزل الذي بدأ بوصفه سجنًا يتحول تدريجيًا إلى عالم كام
المنزل الذي بدأ بوصفه سجنًا يتحول تدريجيًا إلى عالم كامل

عالم غامض

بعد كل هذا الغموض، كان على الفيلم أن يقدم تفسيرًا يوازي حجم الأسئلة التي طرحها منذ البداية: ما هذه المخلوقات؟ من أين جاءت؟ كيف انتشرت وسيطرت على العالم؟ وكيف نجحت في إغلاق المنازل وعزل سكانها عن الخارج؟ ولماذا حدث كل ذلك أصلًا؟ هذه ليست أسئلة جانبية يمكن للمشاهد أن يتجاوزها، لأنها جزء من العالم الذي يطلب منه الفيلم أن يصدقه ويعيش داخله.

The Last House
The Last House

المشكلة أن التفسير نفسه يظل ناقصًا إلى حد كبير؛ فبعد كل الوقت الذي أمضاه الفيلم في بناء عالم غامض، لا يقدم لنا ما يكفي لفهم طبيعة الكارثة أو منطقها أو الطريقة التي وصلت بها البشرية إلى هذا الوضع. وحتى ما يكشفه الفيلم عن الخطر لا يعيد ترتيب التفاصيل السابقة في أذهاننا، لأن الكثير من الأسئلة التي دفعتنا إلى متابعة الحكاية تظل بلا إجابة.

ولهذا تبدو المواجهة في النهاية أقرب إلى حل عملي للخطر منها إلى ذروة لحكاية اكتملت أسئلتها. كان يمكن للكشف أن يجعلنا نعيد النظر في كل ما شاهدناه، وأن يمنح التفاصيل السابقة معنى جديدًا، لكنه لا يفعل ذلك بالقدر الكافي. وبعد انتظار طويل لمعرفة ما يوجد خلف الجدران، لا نشعر بأن الفيلم كشف لنا عالمًا كان يستحق كل هذا الغموض، بل بأن بعض أهم الأسئلة التي طرحها لم يجد لها إجابة أصلًا.

كيف نجحت هذه المخلوفات في إغلاق المنازل وعزل سكانها عن الخارج؟
كيف نجحت هذه المخلوفات في إغلاق المنازل وعزل سكانها عن الخارج؟

المنزل الأخير

في الثلث الأخير، يستعيد The Last House  شيئًا من الحيوية التي فقدها في منتصفه، خصوصًا عندما يصبح الاحتكاك بالوحش أمرًا لا يمكن تأجيله. هنا تظهر خبرة المخرج لويس ليترير بوضوح؛ فالمطاردات والمواجهات أكثر إحكامًا، وحركة الكاميرا أكثر نشاطًا، ويعرف المخرج كيف يحول المكان المغلق إلى مساحة للحركة والمطاردة.

ولهذا تبدو مشاهد الأكشن في النهاية ممتعة أكثر من كونها مكافأة درامية لكل ما سبقها. هي ترفع الإيقاع وتمنح الفيلم بعضًا من الطاقة التي افتقدها، لكنها لا تستطيع تفسير الغموض الذي يظل حاضرًا بعد المشاهدة.

يترك The Last House  انطباعًا محبطًا أكثر مما يترك خوفًا حقيقيًا
يترك The Last House  انطباعًا محبطًا أكثر مما يترك خوفًا حقيقيًا

في النهاية، يترك The Last House  انطباعًا محبطًا أكثر مما يترك خوفًا حقيقيًا. كان لديه منزل يمكن أن يتحول إلى سجن نفسي، وعائلة يمكن أن تجعل سنوات العزلة اختبارًا قاسيًا لعلاقاتها، ووحش يمكن أن يبقى حاضرًا حتى وهو خارج الكادر. لكنه استهلك هذه العناصر ببطء، ثم يصل إلى نهايته بطاقة أكبر مما يملكها البناء الذي سبقها.

وربما لهذا تبدو النهاية أقل من الوعد الذي قطعه الفيلم في بدايته؛ فما كان يحدث داخل المنزل كان يطرح أسئلة، اختار الفيلم في النهاية أن يتركها بلا إجابات.

الصور من حساب نتفليكس.

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.