خاص "هي"- بين الذاكرة والخيال.. مصر كما تراها "فان كليف أند أربلز" Van Cleef & Arpels
باريس: Adnan Alkateb
هناك حضارات تركت أثرها في التاريخ، وأخرى تجاوزته لتستقر في المخيلة الإنسانية، ومصر القديمة واحدة منها. فكل جيل يعود إليها بطريقته الخاصة، عبر الفن أو الأدب أو العمارة، أو حتى من خلال ذلك الحلم الطفولي بأن يصبح عالم آثار ويكشف أسرار حضارة لا تزال تحتفظ بجزء من غموضها. ومن هذا الانبهار العالمي، تنطلق مجموعة المجوهرات الراقية الجديدة Fascinating Egypt من دار "فان كليف أند أربلز" Van Cleef & Arpels، والتي كشفتها الدار حديثا لتفتتح بها فصلا جديدا في حكاية تعود وتستلهم منها باستمرار منذ عشرينيات القرن الماضي. وتنظر المجموعة المؤلفة من مئة وثمانين قطعة إلى تأثير الحضارة المصرية ورموزها وألوانها وجمالياتها في الفنون والعمارة والثقافة على مر القرون. وبلغة "فان كليف أند أربلز" الخاصة، تتحول هذه التأثيرات إلى مجوهرات معاصرة على الرغم من صلتها الوطيدة بذاكرة الحضارة التي استلهمتها.
تكمن أكثر جوانب المجموعة سحرا في أنها لا تفرض تفسيرا واحدا على من يتأملها. فكما وجدت الدار في مصر مصدر إلهامها الخاص، تترك هذه القطع بدورها مساحة مفتوحة للخيال، فينطلق منها كل شخص في رحلة خيالية مختلفة، في حلم أو ذكرى أو حكاية لم تكتمل بعد.. في هذا الحوار، تتحدث "كاترين رينييه" Catherine Rénier، الرئيسة التنفيذية للدار، عن المجموعة، وعن العلاقة الممتدة بين الدار ومصر، وكيف يمكن لحضارة عمرها آلاف السنين أن تستمر في إلهام الإبداع المعاصر.

لماذا شعرتم بأن الوقت مناسب اليوم للسفر عبر الزمن إلى مصر القديمة؟
في كل عام، تقدّم الدار مجموعة جديدة تستكشف أحد العوالم الإبداعية المرتبطة بتاريخها وهُويتها وإرثها. وقد شكّلت مصر جزءا من هذا الإرث منذ عشرينيات القرن الماضي، وتحديدا بعد اكتشاف مقبرة "توت عنخ آمون"، فظلّت مصدر إلهام حاضرا في إبداعات الدار، سواء من خلال التصاميم نفسها أو من خلال العلاقة الوثيقة التي جمعت الدار بالعائلة المالكة المصرية، والتي كانت ذات أهمية خاصة خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.
ومن هنا جاءت رغبتنا في التعمق أكثر في هذا العالم من خلال مجموعة تضم أكثر من مئة وثمانين قطعة، تحتفي بعلاقة الدار بمصر، كما تحتفي بظاهرة الاهتمام العالمي الكبير بالحضارة المصرية، وتأثير مصر القديمة في الفنون عبر القرون. بأشكال تعبير متنوّعة، تستحضر المجموعة محطات متعددة تمتد من القرن التاسع عشر مع رسومات "دوبوا" لكتاب عالم الشرقيات "شامبليون"، وصولا إلى حضور مصر في الفنون والسينما والتيارات الإبداعية المعاصرة.
إذا، هو انغماس كامل في ذلك الانبهار الذي لطالما أثارته حضارة مصر في مخيلة العالم، والذي طال حتى مخيلاتنا حين كنّا صغارا، وحلمنا بأن نصبح علماء آثار لاستكشاف كنوز مصر القديمة.. هذا هو الشعور الذي نسعى إلى استعادته من خلال هذه المجموعة.
هل انعكست العلاقة التاريخية بين "فان كليف أند أربلز" والعائلة المالكة المصرية على جماليات المجموعة وتصاميمها؟
نعم، بالتأكيد. هناك عقد في المجموعة أردناه تحية مباشرة إلى العقد الزمردي الذي كان في مجموعة الأميرة "فايزة". وقد أعدنا تقديمه برؤية جديدة تجمع بين الزمرد واللؤلؤ، في إشارة أيضا إلى جمال الطبيعة المحيطة بنهر النيل. استمدّت القطعة خفة هندستها ومرونة بنيتها من التصميم الأصلي، جامعة بين لون الزمرّد العميق الدافئ، وسحر اللؤلؤ الطبيعي، ولمعان الذهب الأبيض الذي يلقي ضوءه على الزخارف.





إذا لم تكن الرحلة إلى مصر رحلة جغرافية، فكيف كانت رحلتكم لاكتشافها وفهم تأثيرها في الفنون والثقافة؟
لم يكن هدفنا دراسة مصر من منظور أكاديمي بحت، بل تأمل الأثر الذي تركته في الفنون الزخرفية خلال القرنين الماضيين. لذلك لم ننظر فقط إلى التاريخ المصري نفسه، بل إلى الطريقة التي تسللت بها رموزه وجمالياته إلى العمارة والمنسوجات والتصميم وغيرها من المجالات الإبداعية. ما جذبنا كان هذا الامتداد المستمر للحضارة المصرية عبر الأزمنة والثقافات المختلفة. ومن خلال جمع هذه التأثيرات المتعددة، سعينا إلى رواية قصة مصر كما انعكست في الفنون الزخرفية، وإبراز الطريقة التي واصلت بها إلهام أجيال متعاقبة من المبدعين حول العالم.
وعندما بدأنا العمل على مجموعة Fascinating Egypt، عدنا أوّلا إلى الأرشيف، قبل التوسع في البحث من خلال الكتب والمتاحف والدراسات المختلفة. وقد أجرينا زيارات إلى عدد من المتاحف، من بينها متحف "متروبوليتان" في نيويورك و"المتحف الجديد" في برلين، حيث لفتنا بشكل خاص ذلك التباين بين القطع الأثرية المصرية القديمة والبيئة المعمارية الحديثة؛ وقد سعينا إلى نقل هذا التوازن بين الأصالة والحداثة إلى مختلف قطع المجموعة.





كيف حققتم التوازن بين تصميم قطع مستوحاة من مصر القديمة، وتجنّب الوقوع في التفسير التنكّري أو المسرحي؟
نركّز دائما على الرموز والمعاني، ونختار ما يمكن أن يحضر في القطعة بأسلوب يوحي أكثر مما يصرّح. على سبيل المثال، تتلاعب مجموعة Fascinating Egypt بالكثير من الألوان، في تحيّة إلى النهج المصري القديم في التعامل مع الألوان. وقد قادنا هذا الخيار إلى مساحات لم يسبق للدار أن خاضتها من قبل، مثل الجمع بين تقنية الترصيع الخفي والياقوت والزمرد والصفير في قطعة واحدة. فاستلهمنا من الرمزية التي حملتها الألوان في مصر القديمة، ولكننا لم نبحث عن ترجمة مباشرة لهذا الإرث، بل سعينا إلى تقديم رؤيتنا الخاصة لمعاني هذه الألوان، وكيف يمكن التعبير عنها بلغة "فان كليف أند أربلز" الإبداعية. ونظرا إلى مكانته الرمزية في مصر القديمة، يلعب الذهب دورا محوريا في هذه المجموعة، فقد استخدمناه بطرق متعددة لإبراز الخطوط والأحجام والتفاصيل، ولا سيما في لونه الأصفر الذي جاء عنصرا مقصودا ومتكررا في أرجاء المجموعة بسبب حضور الشمس في الثقافة المصرية القديمة وأهميتها في حياة شعبها وطاقته واندفاعه.
ولا ننسى أننا نستند دائما إلى أرشيف الدار، وهو ما أبعدنا عن أي معالجة أقرب إلى الأزياء التنكرية. فلدينا أكثر من مئة وعشرين عاما من الإبداع والأرشيف الذي يشكّل مرجعا دائما لنا، وكان من المهم بالنسبة إلينا أن نبقى أوفياء للتقنيات والأساليب التي رافقت الدار عبر العقود. وحتى في القطع التي تحمل إشارات أكثر وضوحا إلى مصر، تبقى بصمة الدار حاضرة بوضوح كما في الشخصيات المجسدة ضمن المجموعة، والتي تبدو امتدادا لعائلة الشخصيات التي لطالما شكّلت جزءا من رموز الدار وهُويتها الإبداعية.
أي عنصر في هذه الحكاية شكّل التحدي الأكبر أو فتح أمام الدار آفاقا جديدة خلال ابتكار هذه المجموعة؟
ربما كانت الألوان هي العنصر الأبرز. فقد ذكرت سابقا كيف دفعتنا هذه الرحلة إلى خوض تجارب لونية جديدة بالنسبة إلى الدار، وقد حضر عالم الألوان بقوة في المجموعة من خلال مختلف أحجارها، الكريمة منها والزخرفية. وجدنا لوحة ألوان غنية ومتعددة التدرجات، فاستخدمنا مثلا الفيروز والكريسوبراز واليشب والبلور الصخري وغيرها، مع العلم أن الكثير من هذه المواد كانت حاضرة جدا في مصر القديمة.
وتطلّب العمل على هذه الأحجار تعاونا وثيقا بين قسم الأحجار الكريمة والاستوديو والمشاغل الحرفية. فقد أعيد قطع عدد كبير من الأحجار وصقلها خصيصا لتنسجم بدقة مع التصاميم، وهو ما استغرق وقتا وجهدا كبيرين وأسهم في إطالة فترة تطوير المجموعة، التي استغرقت نحو خمس سنوات قبل أن ترى النور.
هل هناك قطعة في المجموعة تجسّد براعة "فان كليف أند أربلز" الحرفية بشكل خاص؟
إن القطع التي تعتمد على تقنية الترصيع الخفي من أكثر القطع تعقيدا من الناحية الحرفية، نظرا إلى الدقة التي تتطلبها عملية اختيار الأحجار وتنسيق ألوانها. وتعتمد النتيجة الأخيرة على إبقاء لون كل حجر عند المستوى الصحيح، لتحقيق تأثير لوني منسجم ومتجانس بالكامل. في إحدى القطع، ازدادت درجة التعقيد بسبب طبيعتها المتحركة والمفصلية؛ فإلى جانب الترصيع الخفي، كان علينا ابتكار بنية مرنة تضمن الراحة وسهولة الارتداء، فلجأنا إلى الذهب الوردي بين عناصر التصميم الرئيسة ليس فقط ليؤدّي دورا جماليا، ولكن وتقنيا أيضا.






كثيرا ما نسمـــع من المصممين أن الحجـــــر هو الذي يـــــقـــــود التصمــــيـــــم. كيف تجـــلّـــت هـــذه العـــلاقـــــة في مجــــمــوعـــــــــة Fascinating Egypt؟
يكون الحجر دائما حاضرا في بداية العملية الإبداعية، فقد يكون نقطة الانطلاق للتصميم، أو العنصر الذي تُبنى القطعة حوله، أو الحجر الاستثنائي الذي يستدعي ابتكار تصميم يليق به. والحجر يحدد الكثير من ملامح القطعة؛ من حجمها وألوانها إلى خطوطها العامة. فتؤثر هيئة الحجر وقصّته في اللغة البصرية للتصميم، إذ تفرض أشكالا وتفاصيل معينة تنعكس على الرسم النهائي. ومن هنا تأتي أهمية الحوار المستمر مع قسم الأحجار الكريمة، سواء عند اختيار تدرجات الألوان أو أحجام الأوجه أو الأحجار التي يمكن أن تتناغم معا ضمن القطعة الواحدة.
ويظهر ذلك بوضوح في ثلاثية مشابك Fragment في هذه المجموعة، حيث أردنا أن تقوم الفكرة على حوار بين ثلاثة أحجار مختلفة. وقد وقع الاختيار أولا على تورمالين "إنديغولايت" والغارنيت الإسبسارتي، لما يجمع بينهما من تكامل في الحدود والتدرجات. أما الحجر الثالث، فقد تطلب بحثا أعمق حتى تمكّن قسم الأحجار الكريمة من العثور على ما ينسجم معه من حيث اللون والشكل. وحين ترى هذه المشابك الثلاثة، تلاحظ كيف تحتفظ كل قطعة بشخصيتها الخاصة، وفي الوقت نفسه تنتمي إلى عائلة واحدة. وهنا تحديدا يتجلى الدور الذي يلعبه اختيار الأحجار في العملية الإبداعية.
عند تكريم حضارة تمتد جذورها لآلاف السنين، كيف تتعاملون مع هذا الإرث الغني بحسّ من المسؤولية في ظل تقديم رؤيتكم الخاصة له؟
في كل مرة تتناول الدار عالما جديدا أو موضوعا مختلفا، نحرص على الانغماس فيه بكل تفاصيله، وعبر كل فرق عملنا، من الاستوديو والمشاغل وصولا إلى من يعملون على العروض والفعاليات والحملات. نسعى دائما إلى التعبير عن رؤيتنا الخاصة وإبداعنا وتفسيرنا، بحيث تتحول كل مجموعة إلى تجربة متكاملة تروي قصة من منظور "فان كليف أند أربلز". إنها رحلة غوص حقيقية وعميقة في عالم الإلهام الذي نختاره، لكن من خلال عدستنا الخاصة.
ما الــــذي يجـــعـــل سحـــــر مــصــر القــديــمـــة قـــــادرا عـــلى عبـــور الثقافات والأجيال؟
أعتقد أن مصر تركت أثرا في حياة كثيرين منا منذ الطفولة، بقوّة رموزها، وقدرتها على السفر بمخيلاتنا إلى سحر الماضي البعيد، وأيضا بذلك الغموض الذي تحمله اللغة الهيروغليفية المليئة بالأسرار. وقد بلغ تأثير هذه الرموز لدينا حدّ اعتمادها عنصرا حاضرا في مختلف قطع المجموعة.
لا يزال هذا الإرث حتى اليوم يؤثر في الفنون وفي خيال الأفراد حول العالم. وقد نجحت هذه المجموعة في أخذ مصدر إلهام تاريخي للدار إلى مستوى جديد، ونحن فخورون جدا بما أنجزناه، سواء على المستوى الإبداعي أو الحرفي. فالكثير من القطع تطلّبت سنوات من العمل بسبب تعقيد تنفيذها، وإعادة قطع الأحجار، ودقة تركيب العناصر المختلفة فيها، وهو ما يعكس مستوى الحرفية الذي سعينا إلى تحقيقه في كل تفصيل. إنها أعمال فنية حقيقية!
أخيرا، لماذا يبقى الرجوع إلى الماضي مهمّا؟
أوّلا، إن الماضي جزء منّا، ومن هُويتنا. ونحن نبني إبداعاتنا اليوم انطلاقا من إرث الدار، ومن الطريقة التي بنت بها عوالمها الإبداعية وعلاقتها بالحرفية عبر العقود. لذلك لا نعود فقط إلى مصادر الإلهام التي رافقت الدار على مر الزمن، مثل مصر والطبيعة والرقص، بل نحتفي أيضا بالمهارات والحرف التي أصبحت جزءا من بصمتها الخاصة، مثل تقنية الترصيع الخفي أو منحوتات الشخصيات النسائية التي لطالما كانت جزءا مهمّا من مفرداتنا الإبداعية. بالنسبة إلينا، إنها استمرارية نعبّر من خلالها عن رؤيتنا المعاصرة ونواصل إثراء عالم الدار ورموزها.