كيا.. الجزيرة اليونانية التي يعرفها الأثينيون ويجهلها بقية العالم
بين مئات الجزر اليونانية التي غزت خرائط السياح في السنوات الأخيرة، من سانتوريني إلى ميكونوس وباروس وحتى تينوس الصاعدة حديثا، تبقى جزيرة واحدة بعيدة عن الأضواء رغم أنها الأقرب جغرافيا إلى العاصمة أثينا. اسمها "كيا"، ويسميها اليونانيون محليا "تزيا"، وهي أول جزر أرخبيل الكيكلادس وأقربها إلى البر الرئيسي، إذ لا تبعد عن ميناء لافريو أكثر من ساعة واحدة بالعبارة. ومع ذلك ظلت لعقود ملاذا شبه سري يقصده أغنياء أثينا في عطلات نهاية الأسبوع، بعيدا عن حشود الجزر الأكثر شهرة.

كيا هي نموذج نادر لجزيرة احتفظت بطابعها الأصيل رغم قربها من العاصمة، وهذا بالتحديد ما يمنحها جاذبيتها الخاصة، أن تكون قريبة بما يكفي لتصلها بسهولة، وبعيدة بما يكفي لتشعري فيها بأنك اكتشفت شيئا لم يره الجميع بعد.
لماذا تحظى كيا بهذه السمعة الخاصة

على عكس الصورة النمطية عن جزر الكيكلادس بمنازلها البيضاء المصطفة على المنحدرات، تبدو كيا أكثر اخضرارا من أخواتها، بمزارع وبيوت ريفية قديمة ذات أسطح من القرميد وألوان ترابية دافئة. يمتد داخل الجزيرة نسيج من الوديان الخصبة وغابات البلوط، وقد أدرجت مساحات واسعة منها ضمن شبكة ناتورا 2000 الأوروبية لحماية الطبيعة، ما يفسر ندرة الفنادق الكبرى فيها مقارنة بجاراتها. هذا الهدوء بالذات هو ما جعلها محط أنظار العائلات اليونانية الثرية على مدى أجيال، قبل أن تبدأ تستقطب مؤخرا اهتمام مسافرين أجانب يبحثون عن بديل حقيقي للازدحام الصيفي في الجزر الأكثر شعبية.
تضم الجزيرة أكثر من ثلاثين شاطئا متنوعا بين الرملي والحصوي، من كوريسيا وفوركاري في الشمال إلى كوندوروس وبيسيس في الغرب، وتتيح مسارات مشي تراثية طويلة تصل بين القرى والكنائس والمواقع الأثرية، وهو ما يفسر إقبال هواة المشي وتسلق التلال عليها تحديدا. ومن يفضل النشاط تحت الماء بدلا من فوقه، ستجذبه كيا بمواقع غوص نادرة في اليونان، أبرزها حطام السفينة بريتانيك، الشقيقة الأكبر لسفينة تيتانيك، التي غرقت قرب الجزيرة عام 1916 بعد اصطدامها بلغم بحري خلال الحرب العالمية الأولى وهي في طريقها لنقل الجرحى من جبهات القتال.
يرقد حطام سفينة بريتانيك اليوم على عمق يتجاوز مئة وعشرين مترا، ما يجعله مقصدا للغواصين المحترفين حصرا ممن يحملون تراخيص الغوص العميق، وقد استعادت السلطات اليونانية منذ سنوات قليلة أولى القطع الأثرية من داخله بينها جرس المراقبة وبلاط الحمام التركي، في عملية أشرفت عليها وزارة الثقافة اليونانية.
منتجع يعيد تعريف الخصوصية

من أبرز ما يفسر تحول كيا تدريجيا إلى قبلة للسياحة الفاخرة افتتاح منتجع ون آند أونلي كيا آيلاند المطل على شاطئ فروسكوبوس، الذي يوصف بأنه من أجمل شواطئ الجزيرة. يصل الضيوف إلى المنتجع عبر قوارب سريعة خاصة أو نقل بالمروحية، في تجربة تشعرهم منذ اللحظة الأولى بالانعزال التام عن أي صخب. شيدت فيلات المنتجع فوق التلال باستخدام الحجر نفسه الذي بنى به المزارعون أسوار حقولهم قديما، فجاءت وكأنها امتداد طبيعي للجزيرة لا إضافة عليها. تجمع الفيلات بين الرخام الأبيض الناعم والخشب الداكن ولمسات زرقاء تحاكي لون بحر إيجه، ولكل واحدة منها مسبح لانهائي خاص مدفأ.
يضم المنتجع أيضا أكبر منتجع صحي ضمن سلسلة ون آند أونلي عالميا، موزعا على ثلاثة طوابق ويشمل مسبحا داخليا وخارجيا وحمامات بخار وساونا وأحواض غطس بارد. أما ناحية المطاعم، فتبرز فيها تجربتان مختلفتان تماما، الأولى في نادي بوند الشاطئي حيث تمتزج النكهات اليونانية بالآسيوية في أجواء استرخاء تحت الأشجار، والثانية في مطعم أتريا الرئيسي الذي يقدّم المأكولات اليونانية والمتوسطية الكلاسيكية من المأكولات البحرية المشوية على الفحم إلى سلطة السبانخوبيتا المقرمشة بجبنة الفيتا.
يوليدا.. عاصمة بلا حشود

من أهم محطات أي زيارة لكيا مدينة يوليدا، عاصمة الجزيرة، التي تتربع فوق تلة داخلية بعيدا عن الساحل. تتميز المدينة بأزقتها المرصوفة بالحجارة وبيوتها البيضاء وطرازها المعماري التقليدي، من دون الزحام الذي يميز عواصم جزر مثل سانتوريني. يُنصح بارتداء حذاء رياضي مريح عند التجول فيها نظرا لكثرة السلالم والأزقة المنحدرة. وتستحق الجزيرة أيضا زيارة موقع كارثيا الأثري القديم، حيث تظهر بقايا معابد ومسارح تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، ويمكن استكشافه برفقة مرشد أثري متخصص أو عبر مسار مشي طويل داخل الطبيعة الجبلية للجزيرة.
نصائح عملية قبل السفر إلى كيا

تُعد كيا وجهة مثالية لمن يبحث عن هدوء الكيكلادس بلا رحلة طويلة، إذ يمكن الوصول إليها من أثينا خلال ساعة واحدة فقط عبر ميناء لافريو، وهو ما يجعلها خيارا مناسبا حتى لعطلة قصيرة من يومين أو ثلاثة، يُنصح باستئجار سيارة للتنقل بين القرى والشواطئ المتباعدة، خاصة أن التضاريس الجبلية تجعل بعض المناطق صعبة الوصول سيرا. أما أفضل فترة للزيارة فتمتد من أواخر الربيع حتى بداية الخريف، مع تفادي شهري يوليو وأغسطس لمن يفضل الهدوء الكامل، فهذه الأشهر تشهد إقبالا أكبر من الأثينيين أنفسهم في عطلاتهم الصيفية. ولمحبي الغوص، يُشترط حجز رحلة غوص متخصصة مسبقا للوصول إلى حطام بريتانيك، نظرا لصعوبة الموقع وتطلبه تراخيص فنية متقدمة.
الصور من pinterest