لكي لا تفقدي إشراقكِ: عادات خفية تستنزف ثقتكِ بنفسكِ وكيف تتغلبين عليها
يقول الشاعر المصري العظيم إبراهيم ناجي: "واثق الخطوة يمشي ملكاً".. تختصر هذه المقولة كيف تمنح الثقة صاحبها هيبة ووقاراً بين الناس. فالثقة بالنفس هي إيمان الشخص بقدراته وقيمه واحترامه لذاته. وهي حجر الزاوية للنجاح في الحياة. وتُكتسب الثقة بتحديد الأهداف الصغيرة والواقعية والاحتفال بإنجازاتها، وتجنب المقارنة السلبية مع الآخرين. وغالباً ما نفقد ثقتنا بسبب تجارب الفشل المتكررة أو النقد الهدام، حيث يؤدي تراجعها إلى الخوف من التحديات والانعزال.
والثقة بالنفس حالة من الوعي العميق بالذات تُمكّن الإنسان من مواجهة الحياة والتفاعل مع المواقف المختلفة دون خضوع أو غرور. وتتضمن الاعتقاد الإيجابي كالثقة في القدرات والمهارات الشخصية. كما تتضمن تقبل النقد والقدرة على الاعتراف بالخطأ والتعلم منه.
لماذا وكيف نخسر ثقتنا بأنفسنا؟
"عندما لا يكون هناك عدو في الداخل، فإن الأعداء في الخارج لا يمكنهم إيذاؤك". الثقة بالنفس ليست فطرية بل مكتسبة، لذا فهي تتأثر سلباً بالعوامل والضغوط المحيطة. حيث تشكل المواقف اليومية والعلاقات الاجتماعية حجر الأساس في نظرتنا لأنفسنا. تنقسم هذه المؤثرات إلى ضغوط اجتماعية، وعائلية، ومهنية، وبيئية.
الضغوط الاجتماعية والإعلامية:
إن عرض الحياة المثالية المزيفة عبر المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية ومنصات التواصل الاجتماعي يولد شعوراً بالنقص والدونية. كما يتم عقد مقارنات طبقية ومجتمعية تتسبب بالضغط المستمر لمجاراة الآخرين في المظاهر، والسيارات، والملابس. كما أن معايير الجمال المفروضة وتحديد قوالب معينة للوسامة أو الرشاقة تضعف تقبل الفرد لجسده. كذلك البيئة الأسرية والتربوية القاسية ومقارنة الأبناء بأقاربهم أو أصدقائهم تدمر تقديرهم لذواتهم منذ الصغر. والحماية الزائدة من الوالدين ومنع الأبناء من خوض التجارب يعزز لديهم شعور العجز والاعتمادية. كذلك غياب التشجيع والدعم وتجاهل الإنجازات الصغيرة يقلل من حافز الفرد للإيمان بقدراته.
ضغوط العمل والدراسة
بيئات العمل السامة ووجود رؤساء أو زملاء يمارسون النقد الهدام والتهميش المتعمد يقتل ثقتنا بأنفسنا. كذلك الخوف من الطرد أو الفشل والقلق المستمر من خسارة الوظيفة أو الرسوب الدراسي يهز الاستقرار النفسي. كما أن منظومة التقييم الرقمية وربط قيمة الفرد الإنسانية بتقديره الدراسي أو أرقام مبيعاته فقط من أكبر المُحبطات النفسية. كذلك الصدمات والتجارب البيئية والأزمات المالية المفاجئة كخسارة الدخل تشعر الفرد بالعجز عن حماية نفسه أو عائلته. والعلاقات العاطفية المؤذية والتواجد مع شريك يمارس التقليل المستمر من الشأن أو التلاعب النفسي. والتنمر والعزل الاجتماعي والتعرض للمضايقات في المدرسة أو الحي بسبب المظهر أو اللكنة أو الخلفية يضعف كثيراً ثقتنا بأنفسنا.
كيف نفقد ثقتنا بأنفسنا؟
هناك عدة عوامل وأسباب تدفعنا لفقد ثقتنا بأنفسنا علينا تجنبها تماماً:
جلد الذات والتركيز على الأخطاء: تضخيم العيوب وتجاهل الإيجابيات

يؤثر جلد الذات والتركيز الحصري على الأخطاء بشكل تدميري مباشر على الثقة بالنفس. حيث يتحول العقل من مِعول للبناء إلى أداة للهدم الشخصي المستمر. وهذا الأسلوب النفسي السلبي يشوه الواقع ويخلق حلقة مفرغة من العجز. والآلية الكيميائية والنفسية لجلد الذات تتم عبر تنشيط هرمونات التوتر. حيث إن النقد الذاتي المستمر يحفز إفراز الكورتيزول، مما يضع الدماغ في حالة "دفاع أو هروب" دائمة. كذلك تشويه الإدراك يبرمج العقل على رؤية العيوب فقط، فيصبح أعمى عن رصد الإنجازات مهما كانت ضخمة. كما أن نتائج تضخيم العيوب وتجاهل الإيجابيات ترسخ عقدة النقص وتُشعر الشخص بأنه أقل كفاءة وجدارة من الآخرين دائماً.
أحياناً ينسب الفرد نجاحاته للحظ والصدفة، وينسب إخفاقاته لغبائه أو قلة حيلته أو ما يُعرف بـ"متلازمة المحتال". هذه المتلازمة تسبب شلل مركز اتخاذ القرار والخوف وتؤدي إلى تجنب اتخاذ أي قرارات جديدة خوفاً من ارتكاب أخطاء وتلقي عقاب الذات. كما أن الامتناع عن خوض الفرص المهنية أو الشخصية لعناوين مسبقة مثل "سأفشل حتماً" تؤدي إلى تآكل تقدير الذات وخسارة الاحترام الداخلي للنفس، مما يجعل الشخص يبحث عن التقييم من الآخرين.
كيف نكسر هذه الدورة السلبية؟
لكسر هذه الدورة السلبية وللخروج من هذه الدوامة العدمية يجب:
- تبني التعاطف الذاتي: معاملة النفس كصديق مقرب ارتكب خطأً، وليس كقاضٍ جلاد.
- تدوين الإنجازات اليومية: كتابة أشياء إيجابية قمت بها يومياً، مهما كانت بسيطة، لإعادة توجيه التركيز.
- إعادة صياغة الأخطاء: التعامل مع الفشل كبيانات ومعلومات للتعلم، وليس كحكم نهائي على قيمتك الشخصية.
التعرض للتنمر أو النقد المستمر: التأثر السلبي بآراء المحيطين المحبطة.
العامل والسبب الثاني من العوامل والأسباب التي تدفعنا لفقد ثقتنا بأنفسنا التعرض للتنمر أو النقد المستمر. حيث يؤثر التعرض للتنمر والنقد المستمر بشكل مباشر وعميق على الثقة بالنفس، ويعمل على زعزعة الاستقرار النفسي للشخص وتدمير صورته الذاتية. وعندما يتبنى الشخص آراء المحيطين المحبطة، يتحول هذا النقد الخارجي إلى صوت داخلي دائم يملي عليه تصرفاته وقراراته.
لكن كيف يهدم النقد والتنمر الثقة بالنفس؟

يتم ذلك بتدمير الصورة الذاتية؛ حيث يبدأ الفرد برؤية نفسه من خلال عيون المنتقدين، ويصدق العيوب التي يرمونه بها. بالإضافة إلى الشك الدائم في القدرات، عندما يتوقف الشخص عن الثقة بقراراته وخياراته، ويصبح بحاجة مستمرة لموافقة الآخرين. كما يتم تطوير القلق الاجتماعي لينشأ خوف دائم من التواجد في التجمعات خشية التعرض للحكم، أو السخرية، أو الرفض. كذلك الانعزال والانسحاب حين يفضل الشخص التراجع والابتعاد عن الأنشطة الاجتماعية أو المهنية لتجنب النقد. وحين يتم تبني سلوك الإرضاء المفرط ويحاول الشخص إرضاء الجميع على حساب مصلحته الشخصية لكسب قبولهم وتجنب هجومهم.
وهنا يتحول الشخص من "التأثر" إلى "التبني"، حيث يمر الشخص بأربع مراحل نفسية تجعله يستسلم لآراء المحيطين، وهي: التكرار، حيث يسمع الكلمات السلبية بشكل مستمر في المنزل، أو المدرسة، أو العمل.. ثم يبدأ العقل الباطن في التعامل مع هذه الانتقادات كحقائق وليست مجرد آراء. ثـم يصبح النقد الخارجي هو "الصوت الداخلي" للفرد، فيبدأ بنقد نفسه تلقائياً. ثم يتوقع الشخص الفشل أو السخرية قبل خوض أي تجربة، فيمتنع عنها.
وهنا نحتاج لخطوات عملية للحماية وبناء جدار حماية نفسي بفصل الرأي عن الحقيقة، والتذكر دائماً أن نقد الآخرين يعكس عقليتهم ومشاكلهم هم، وليس قيمتنا الحقيقية. كذلك يجب وضع حدود صارمة بوقف الشخص المنتقد بحزم، وعبر عن عدم قبولنا لأسلوبه في الحديث. أيضًا يجب تغيير البيئة المحيطة بأن نبتعد عن الأشخاص المحبطين، ونحيط أنفسنا بأصدقاء أو زملاء داعمين وإيجابيين وفلترة الانتقادات بأن نسأل أنفسنا: "هل هذا النقد بناء وموضوعي ويمكنني التعلم منه، أم أنه مجرد تجريح؟".
لماذا نفقدها؟
معظمنا يفقد الثقة بسبب الخوف من الفشل وتجنب خوض التجارب الجديدة خشية عدم تحقيق نتائج مثالية. هذا السلوك يخلق حلقة مفرغة تُعرف نفسياً بـ"فخ الأمان الزائف". حيث يظن الشخص أنه يحمي نفسه من ألم الإخفاق، بينما هو في الحقيقة يحرم عقله من فرصة إثبات كفاءته. ويحول الخوف من الفشل دون بناء الثقة لأنه يؤدي إلى ضمور المهارات بالانسحاب. فالثقة بالنفس تشبه العضلة، تنمو بالممارسة والتعرض للتحديات، وتضمر وتضعف مع الانعزال والتجنب المستمر. كذلك عندما نتجنب خوض تجربة جديدة، لا يملك عقلنا الباطن أي دليل ملموس على قدرتنا على الإنجاز، فيصدق فكرة أننا "غير قادرين".
أيضًا السعي نحو "الكمال" يجعل أي نتيجة أقل من ممتازة بمثابة فشل ذريع، مما يضخم الشعور بالذنب والعجز. كذلك في كل مرة تتراجع فيها عن فرصة (عمل، دراسة، علاقة)، ترسل عقولنا رسالة لنا مفادها: "لقد انسحبت لأنك أضعف من مواجهة هذا الأمر". وحين تظهر أمامنا تجربة جديدة مثل: تقديم عرض عمل، أو تعلم مهارة.. تصور لنا عقولنا سيناريو الفشل وعدم تحقيق الكمال. كما أننا أحيانًا نقرر الانسحاب وعدم المحاولة لحماية مشاعرنا. كذلك نشعر بالارتياح للحظات لأننا تجنبنا المواقف المقلقة. ومع استمرار جلد الذات وفقدان الثقة، يتبع الارتياح شعور بالندم والإحباط، فتنخفض ثقتنا بأنفسنا وتصبح المرة القادمة أكثر صعوبة.
وللتغلب على هذا الخوف واستعادة الثقة يجب تبني "عقلية النمو" بأن نتقبل أن الفشل ليس وصمة عار أو نهاية المطاف، بل هو مجرد خطوة أساسية وجزء من عملية التعلم وتطوير المهارات. وأن لا ننتظر حتى نشعر بالثقة لكي نبدأ؛ فالثقة تأتي بعد اتخاذ الخطوة الأولى والمحاولة، وليس قبلها. أيضًا ينبغي أن نسمح لأنفسنا بأن نكون مبتدئين ومبادرين، ونجعل هدفنا هو "المحاولة والتعلم" بدلاً من تحقيق "النتيجة المثالية". ثم نسأل أنفسنا: "ما هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث إذا فشلنا؟".. سنجد غالباً أن النتيجة يمكن التعامل معها وليست كارثية.

المقارنة سم قاتل
تؤدي المقارنات الاجتماعية إلى تدمير الثقة بالنفس بشكل ممنهج، ويُطلق على هذا السلوك في علم النفس "لص السعادة والتقدير الذاتي". فعندما نقارن كواليس حياتنا العادية بكل ما فيها من تعب، وإحباط، وروتين يومي.. بـ"شاشة العرض" أو المظاهر النهائية لإنجازات الآخرين، فإننا نظلم أنفسنا ونخلق فجوة وهمية تجعلنا نشعر بالنقص. وتدمر المقارنات الاجتماعية ثقتنا بأنفسنا بسبب عدم تكافؤ المقارنة. فنحن نقارن كل تفاصيل حياتنا، بما فيها من إخفاقات وصراعات داخلية لا يراها أحد، بالنسخة المفلترة والمثالية التي يختار الآخرون إظهارها عن أنفسهم لنا، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي. كما أن بخس قيمة إنجازاتنا تجعلنا نرى نجاحاتنا الشخصية صغيرة وتافهة مقارنة بما يحققه الآخرون، مما يفقدنا الشغف بالاستمرار في طريقك.
كذلك تحول المقارنة انتباهنا بالكامل نحو ما ينقصنا، كالمال، المنصب، المظهر، العلاقات.. وتعمينا عن النعم والمهارات الفريدة التي تمتلكها بالفعل. وبدلاً من التركيز على تطوير ذاتك، تستهلك المقارنة طاقتنا الذهنية في التساؤل: "لماذا هم وليس أنا؟"، وهو ما يورث شعوراً بالعجز الدائم وتوليد مشاعر الحسد والاستياء. أيضًا تدفعنا المقارنة إلى السعي وراء إنجازات لا تشبهنا ولا تمثلنا كشراء أشياء لا نحتاجها أو دراسة تخصص لا نحبه فقط لنبدو ناجحين في عيون المجتمع. وفي العصر الحالي، تضاعف خطر المقارنات الاجتماعية بسبب الشاشات أو ما يمكننا تسميته "فخ وسائل التواصل الاجتماعي". فما نراه على الإنترنت ليس "الحياة الحقيقية"؛ بل هو "ألبوم اللقطات الممتازة" لحياة الآخرين. والمقارنة هنا تشبه من يقارن مسودات كتابه الأول بالنسخة النهائية المنقحة لكتاب مؤلف عالمي.
كيف نتفادى هذا الفخ؟
بـ"المقارنة الذاتية"، فقط قارن نفسك اليوم بنفسك قبل عام أو خمسة أعوام. واسأل نفسك: "هل تطورت؟ هل تعلمت شيئاً جديداً؟"، هذا هو المعيار الوحيد العادل. كذلك بـ"الوعي بما خلف الكواليس"، وتذكر دائماً أن كل شخص تراه ناجحاً أو سعيداً يمر بصراعات، وإخفاقات، ولحظات ضعف لا يشاركها مع أحد. ومارس "الصيام الرقمي" بأن تقلل متابعة الحسابات التي تثير في نفسك مشاعر النقص أو الإحباط، واستبدلها بحسابات تقدم معرفة حقيقية أو إلهاماً واقعياً. كذلك ممارسة الامتنان اليومي والحمد والشكر لله على نعمه، واكتب بانتظام الأشياء الجيدة في حياتك وصحتك وعلاقاتك لتذكير عقلك الباطن بثرائك الشخصي.
الصور من pinterest
