ميشال بارميجياني

Carillon Tourbillon...حين يتحول الزمن إلى لحن ثلاثون عاماً من الخبرة تتجسد في ساعة استثنائية

11 يوليو 2026

بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على تأسيسها، تكشف Parmigiani Fleurier عن واحدة من أكثر ساعاتها تميزاً، Carillon Tourbillon، وهي إصدار محدود لا يتجاوز خمس قطع على مستوى العالم. لكن هذه الساعة لا تأتي للاحتفال بمحطة زمنية فحسب، بل تعكس فلسفة الدار التي قامت منذ البداية على فهم التراث الساعاتي وتحويله إلى ابتكار معاصر.

مجموعة التحف الفنية من بارميجياني فلورييه

في هذا الإصدار، لا تكتفي الدار بتقديم تعقيد ميكانيكي جديد، بل تطرح رؤية متكاملة تعتبر أن صناعة الساعات تبدأ من المعرفة، ثم تتطور عبر الحرفة والإبداع. ولهذا جاءت Carillon Tourbillon  ثمرة خبرة تراكمت على مدى عقود في الترميم، والتصنيع، والتشطيب، والهندسة الميكانيكية الدقيقة.

وقد صُممت الساعة بالكامل داخل مشاغل بارميجياني فلورييه، بدءاً من تطوير الحركة وصولاً إلى التشطيب اليدوي النهائي، لتجسد مستوى الإتقان الذي يميز الدار في عالم صناعة الساعات الراقية.

مجموعة التحف الفنية من بارميجياني فلورييه
مجموعة التحف الفنية من بارميجياني فلورييه

من ساعة تاريخية إلى رؤية معاصرة

تستند Carillon Tourbillon إلى تجربة مهمة عاشتها الدار قبل أكثر من عشرين عاماً، عندما تولّت ترميم ساعة جيب نادرة صنعها الإخوة Perrin Frères في مطلع القرن التاسع عشر، وكانت ضمن مجموعة ساندوز.

لكن هذا المشروع لم يكن مجرد عملية ترميم، بل تحول إلى دراسة عميقة للبنية الميكانيكية، وطريقة انتقال الطاقة، وهندسة الرنين داخل الحركة. هذه المعرفة لم تُستخدم لإعادة إنتاج ساعة تاريخية، وإنما أصبحت نقطة انطلاق لتطوير مفهوم جديد يعكس روح العصر، مع الحفاظ على المبادئ التقنية التي منحت القطعة الأصلية قيمتها.

ومن هنا جاءت Carillon Tourbillon  لتترجم هذا الفهم ضمن تصميم حديث يجمع بين الأداء الميكانيكي والهوية الجمالية المعاصرة.

Carillon Tourbillon...  حين يتحول الزمن إلى لحن
Carillon Tourbillon...  حين يتحول الزمن إلى لحن

الترميم... الخطوة الأولى نحو الابتكار

يمثل الترميم جزءاً أساسياً من هوية Parmigiani Fleurier. فقبل أن يؤسس الدار، أمضى ميشال بارميجياني سنوات طويلة في ترميم الساعات التاريخية والقطع الميكانيكية النادرة، وهي تجربة كوّنت نظرته الخاصة إلى صناعة الساعات.

ومن خلال التعامل المباشر مع أعمال كبار صناع الساعات عبر القرون، اكتسب فهماً عميقاً لكيفية بناء الحركات وتعقيداتها، وهو ما انعكس لاحقاً على فلسفة الدار في تطوير ساعاتها.

لهذا السبب، لا تعتمد بارميجياني فلورييه على الابتكار بهدف الاختلاف فقط، بل تنطلق دائماً من دراسة دقيقة لما سبقها، قبل تقديم حلول جديدة تتناسب مع متطلبات الحاضر.

وقد واكب ميشال بارميجياني بنفسه مراحل تطوير Carillon Tourbillon، بالتعاون مع فريق من المهندسين وصناع الساعات والحرفيين، لضمان أن تعكس الساعة المبادئ التي تأسست عليها الدار منذ انطلاقها.

Carillon Tourbillon …براعة هندسية تظهر في التفاصيل
Carillon Tourbillon …براعة هندسية تظهر في التفاصيل

عندما يصبح الزمن تجربة تُسمع

ارتبطت آليات الرنين عبر التاريخ بقياس الوقت في الساحات العامة وأبراج المدن، حيث كان الصوت وسيلة لإعلان مرور الزمن. ومع تطور صناعة الساعات، انتقلت هذه الفكرة إلى الساعات الراقية لتصبح تجربة شخصية يعيشها مالك الساعة.

في Carillon Tourbillon، يتحول الرنين إلى جزء من العلاقة اليومية مع الوقت. فالساعة لا تفرض حضورها، بل تكشفه عند الطلب، لتمنح صاحبها تجربة تجمع بين الحركة والصوت والدقة الميكانيكية.

ويعكس هذا المفهوم رؤية بارميجياني فلورييه التي تعتبر أن الزمن لا يُقاس فقط، بل يمكن أيضاً الإصغاء إليه، ليصبح جزءاً من تجربة حسية متكاملة.

Carillon Tourbillon : من البرج إلى المعصم: حميمية الزمن المسموع
Carillon Tourbillon : من البرج إلى المعصم: حميمية الزمن المسموع

تصميم معاصر يحافظ على الهوية

رغم استلهامها بعض عناصرها من ساعة تاريخية، جاءت Carillon Tourbillon بلغة تصميم حديثة تعكس شخصية الدار المعاصرة.

تتميز العلبة المصنوعة من الذهب الأبيض بخطوطها المستوحاة من الأعمدة الكلاسيكية التي لطالما شكلت مصدر إلهام لميشال بارميجياني، بينما يمنح زجاج الياقوت المرتفع الساعة حضوراً بصرياً مميزاً، ويكشف تفاصيل الحركة من زوايا مختلفة.

أما الميناء بلون Morning Blue، فقد صُنع من الذهب الأبيض المطروق يدوياً، ليخلق تفاعلاً هادئاً بين الضوء والملمس، من دون أن يطغى على العناصر الميكانيكية الظاهرة.

ومن أكثر التفاصيل لفتاً للانتباه الأجراس الأربعة الملتوية التي تلتف حول الحركة، وهي عنصر مستوحى مباشرة من ساعة الإخوة Perrin Frères، لكنه أعيد تصميمه ليصبح جزءاً من هوية الساعة الحديثة، وليمنحها حضوراً بصرياً وصوتياً في آن واحد.

براعة هندسية تظهر في التفاصيل

في Carillon Tourbillon، اختارت بارميجياني فلورييه أن تجعل التعقيد الميكانيكي جزءاً من تجربة الاكتشاف، لا عنصراً يفرض حضوره من الوهلة الأولى. لذلك جاء تصميم الميناء متوازناً وهادئاً، فيما انتقلت مؤشرات مثل التوربيون واحتياطي الطاقة إلى ظهر العلبة، حيث تنكشف الحركة بكامل تفاصيلها لمن يرغب في تأملها.

هذا التوزيع يمنح واجهة الساعة صفاءً بصرياً يسهل قراءة الوقت، من دون أن يحجب ثراء الحركة الميكانيكية. وفي المقابل، يكشف ظهر العلبة عن عالم متكامل من الجسور والتروس والآليات التي تعمل بتناغم دقيق، في مشهد يعكس مستوى الإتقان الذي وصلت إليه الدار.

ورغم هذا النهج الهادئ، لم تغب وظيفة الرنين عن الواجهة، إذ تظهر المطارق بوضوح أثناء عملها، لتمنح مرتدي الساعة فرصة متابعة اللحظة التي يتحول فيها الزمن إلى صوت. وتحيط بها الأجراس الملتوية التي تؤطر الحركة وتضفي على التصميم بعداً بصرياً ينسجم مع الدور الذي تؤديه داخل الساعة.

عيار ميكانيكي صُمم لتحقيق أعلى مستويات الأداء

تعتمد Carillon Tourbillon على حركة ميكانيكية متطورة تضم 456 مكوناً جرى تجميعها وتشطيبها يدوياً داخل مشاغل الدار.

ويقوم العيار على بنية هندسية دقيقة تستفيد من برميلين متراكبين لتأمين احتياطي طاقة يصل إلى 12 يوماً، وهو رقم استثنائي بالنسبة لساعة تجمع بين التوربيون وآلية الرنين.

كما خصصت الدار برميلاً ثالثاً مستقلاً لتغذية نظام الطرق، بحيث يُعاد شحنه تلقائياً عند تشغيل منزلق الرنين، من دون أن يؤثر ذلك على الطاقة المخصصة لعمل الحركة الأساسية.

هذا الفصل بين مصادر الطاقة يمنح الساعة أداءً مستقراً ويضمن المحافظة على دقة الحركة وجودة الرنين في الوقت نفسه.

كذلك صُممت الحركة بحيث يسهل تتبع انتقال الطاقة بين مكوناتها، إذ يمكن رؤية آلية الرنين من خلال ظهر العلبة، ما يتيح فهم كيفية انتقال الحركة من النوابض إلى المطارق، وصولاً إلى الأجراس التي تنتج النغمات.

ولضمان ثبات الأداء، زُود العيار بمنظم طيار يعمل على التحكم بتدفق الطاقة أثناء تشغيل الرنين، ليحافظ على إيقاع ثابت ومتوازن منذ الضربة الأولى وحتى الأخيرة.

أربع نغمات تمنح الزمن صوتاً مختلفاً

من أبرز ما يميز Carillon Tourbillon اعتمادها على أربعة أجراس، بدلاً من النظام التقليدي المستخدم في معظم الساعات الرنانة.

ويتوزع الرنين بين جرس منخفض للساعات، وآخر مرتفع للدقائق، فيما خُصص جَرسان إضافيان لأرباع الساعة، ليولد ذلك لحناً أكثر غنى وتنوعاً من الناحية الصوتية.

ولا يقتصر هذا النظام على رفع المستوى التقني للحركة، بل يمنح الساعة شخصية صوتية يسهل تمييزها، حيث تأتي النغمات بانسجام واضح بفضل المنظم الطيار الذي يحافظ على انتظام الإيقاع ويمنع أي تفاوت في سرعة الضربات.

والنتيجة تجربة سمعية متوازنة تعكس الدقة نفسها التي تتميز بها الحركة الميكانيكية.

علبة تؤدي دوراً في جودة الرنين

لم يُصمم هيكل الساعة ليحتضن الحركة فحسب، بل شارك أيضاً في تحسين الأداء الصوتي.

فقد اختارت بارميجياني فلورييه علبة من الذهب الأبيض تنتمي إلى عائلة Armoriale، مع خطوط عمودية مستوحاة من العمارة الكلاسيكية التي شكلت مرجعاً دائماً لميشال بارميجياني.

ويتميز الذهب الأبيض بخصائص تساعد على نقل الذبذبات الصوتية بوضوح، وهو ما يجعله خياراً مناسباً لهذا النوع من الساعات التي تعتمد على جودة الرنين بقدر اعتمادها على دقة الحركة.

كما أُعيد تصميم بنية العلبة بالكامل لاستيعاب التوربيون وآلية الكاريون ضمن مساحة متوازنة، من دون التأثير في النسب العامة للساعة أو أناقة تصميمها.

ويكتمل هذا المشهد بمنزلق الرنين المدمج في جانب العلبة، والذي يسمح بتفعيل الآلية بحركة سلسة تضيف بعداً عملياً إلى تجربة استخدام الساعة.

إصدار محدود صُمم ليبقى

لا تُقاس قيمة Carillon Tourbillon  بعدد القطع التي أُنتجت منها فحسب، رغم أنها تقتصر على خمس ساعات فقط، بل بما تختزنه من معرفة وحرفية تراكمتا على مدى سنوات. فهذه الساعة لا تنتمي إلى منطق الإصدارات الموسمية، بل إلى فئة القطع التي تُصنع لتبقى وتنتقل بين الأجيال.

ويعكس هذا الإصدار فلسفة بارميجياني فلورييه في التعامل مع صناعة الساعات، حيث يمنح الوقت الكافي لكل مرحلة من مراحل التطوير، من التصميم والهندسة إلى التشطيب اليدوي والاختبارات النهائية، من دون تقديم السرعة على الجودة.

ولهذا تبدو Carillon Tourbillon أقرب إلى قطعة مخصصة لهواة الجمع الذين ينظرون إلى الساعة باعتبارها عملاً فنياً وتقنياً يحمل قيمة طويلة الأمد.

الأجراس الملتوية... توقيع بصري وصوتي

تحضر الأجراس الأربعة الملتوية كواحدة من أكثر العناصر تميزاً في تصميم الساعة، فهي لا تؤدي وظيفة ميكانيكية فحسب، بل أصبحت جزءاً من شخصيتها البصرية.

وتلتف هذه الأجراس بانحناءات دقيقة حول الحركة تحت زجاج الياقوت، مستوحاة من ساعة Perrin Frères التاريخية التي سبق للدار أن أعادت ترميمها، إلا أنها أعادت تقديمها هنا ضمن تصميم معاصر ينسجم مع هوية Carillon Tourbillon.

ولا يقتصر دور هذه الأجراس على إنتاج الرنين، بل تنظم أيضاً المساحة البصرية للميناء، وتوجّه العين نحو الحركة، لتصبح جزءاً أساسياً من لغة التصميم، وليس مجرد عنصر تقني مخفي داخل العلبة.

حين تتحوّل الزخرفة إلى جزء من الحركة

امتد اهتمام بارميجياني فلورييه بالتشطيب إلى قلب الحركة نفسها، حيث زُينت مكوناتها بنقش Mezzo Vibrato الذي يعتمد على تنفيذ يدوي دقيق يمنح الأسطح عمقاً وحيوية.

وقد استُخدم هذا الأسلوب سابقاً في بعض إبداعات الدار الفنية، لكنه يظهر هنا بطريقة مختلفة، إذ أصبح جزءاً من الحركة الميكانيكية نفسها، ليخلق رابطاً بصرياً بين الزخرفة والإيقاع الذي يصدره نظام الرنين.

وتتطلب هذه التقنية ساعات طويلة من العمل اليدوي، إذ تُنفذ كل قطعة بصورة منفردة، ما يجعل كل حركة تحمل تفاصيلها الخاصة التي يصعب تكرارها بصورة متطابقة.

ميناء Morning Blue... توازن بين الضوء والمادة

يكتمل حضور الساعة بميناء Morning Blue المصنوع من الذهب الأبيض والمطروق يدوياً، وهو لون أصبح من السمات البارزة في إصدارات الذكرى الثلاثين للدار.

ولا يهدف هذا الاختيار إلى لفت الانتباه بالألوان، بل إلى خلق تفاعل هادئ بين الضوء والسطح، بحيث تتبدل انعكاسات الميناء مع تغير زاوية النظر، من دون أن تطغى على التفاصيل الميكانيكية المحيطة به.

كما يمنح التشطيب اليدوي كل ميناء طابعاً خاصاً، إذ تترك المطرقة بصمتها الدقيقة على المعدن، لتصبح كل قطعة مختلفة بشكل طفيف عن الأخرى، وهو ما يعكس قيمة العمل الحرفي في أدق تفاصيل الساعة.

ثلاثون عاماً من الحرفية... ورؤية للمستقبل

من خلال Carillon Tourbillon، لا تكتفي بارميجياني فلورييه بالاحتفال بمرور ثلاثين عاماً على تأسيسها، بل تقدم خلاصة فلسفتها في صناعة الساعات الراقية.

فهذه الساعة تجمع بين خبرة الترميم، والدقة الهندسية، والتشطيب اليدوي، والابتكار التقني ضمن عمل واحد، يعكس رؤية تعتبر أن التطور الحقيقي يبدأ بفهم الماضي، ثم البناء عليه بلغة معاصرة.

وبين الرنين الذي يرافق مرور الوقت، والحركة التي تكشف أدق تفاصيلها، والتصميم الذي يوازن بين البساطة والتعقيد، تؤكد Carillon Tourbillon  أن صناعة الساعات الراقية لا تقوم على استعراض الإمكانات التقنية وحدها، بل على القدرة على تحويل المعرفة المتراكمة إلى إبداع يحمل هوية واضحة ويستمر أثره عبر الزمن.

مسؤولة قسم المجوهرات، متخصصة بمتابعة آخر الصيحات مع الإضاءة على الإبداعات العربية في هذا المجال.