أسبوع باريس للأزياء الراقية

في أسبوع باريس للأزياء الراقية... الموضة تتحاور مع الفن والأساطير

10 يوليو 2026

أثبت أسبوع الموضة للأزياء الراقية في باريس لموسم خريف وشتاء 2026-2027، أن الكوتور يظل الحصن الأخير للإبداع البشري الخالص. هذا الموسم، تخطّى المصممون دورهم التقليدي كحائكي أزياء فاخرة، ليتحوّلوا إلى أمناء متاحف، ومخرجين مسرحيين، وروائيين، خاضوا حواراً فكرياً وبصرياً عميقاً مع اللوحة، والإزميل، والكلمة المكتوبة.

شانيل: الحكايات الخيالية تمنح ماتيو بلازي نهاية سعيدة

في فصل جديد يشبه قصص الخيال، يعيش المصمّم ماتيو بلازي تجربة استثنائية كمدير فني لدار شانيل. ولأنه يُدرك أن مسيرته أشبه بأسطورة في عالم الموضة، اختار في أحدث مجموعة للأزياء الراقية أن يجسّد هذا العالم الحالم بكل تفاصيله الرومانسية، من النباتات المتسلقة، إلى الأحذية ذات الكعوب المستوحاة من ساق الفاصولياء السحرية، وكنوز طائر العقعق البرّاقة.

افتُتح العرض بخطوات عارضة أزياء تحمل كتاباً جلدياً عتيقاً للقصص الخيالية يعود تاريخه إلى قرن من الزمان، وكان ملكاً لمؤسسة الدار "كوكو شانيل" نفسها. ولإضفاء مزيد من السحر الدرامي على هذا المشهد، صدحت في الأرجاء موسيقى تصويرية مزجت بين مقتطفات من فيلم The Lord of the Rings وأغنية "Kiss Me" الشهيرة لفرقة Sixpence None The Richer، والتي تعد واحدة من أكثر الأغاني رومانسية في التسعينيات.

جاءت المجموعة غنية بالإشارات الأدبية والفلكلورية، حيث شاهدنا مثلًا أحذية بكعوب مزينة بورود شوكية مستوحاة من قصة "الجميلة والوحش". ولم تغب الرموز الواضحة لقصص "الإوزة الذهبية"، و"بحيرة البجع"، و"سنو وايت"، و"الأميرة وحبة البازلاء".

لكن في مخيلة بلازي، لا تنتهي الحكاية بالنهاية التقليدية المتمثلة في زفاف الأميرة، رغم حضور فستان الزفاف الخيالي في المجموعة. بل ذهب أبعد من ذلك، مستلهماً من حياة غابرييل شانيل والأميرة ديانا، ليختتم العرض بفستان أسود، يؤكد من خلاله أن المرأة التي يصمم لها لا تنتظر من ينقذها، بل تحتاج فقط إلى أزياء أنيقة تكتب بها قصتها الخاصة بنفسها.

مجموعة شانيل للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
مجموعة شانيل للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
مجموعة شانيل للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
مجموعة شانيل للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
مجموعة شانيل للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
مجموعة شانيل للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏

سكياباريلي: دانيال روزبيري والاستسلام لسحر المجهول

في مجموعة Schiaparelli للأزياء الراقية، صاغ المدير الإبداعي دانيال روزبيري بياناً إبداعياً يحتفي بـ"سحر الابتكار"، معتبراً إياه قوة "لا توجد إلا في الاستسلام التام للمجهول". ومن هذا المنطلق، قرر التخلي عن الرموز التقليدية المألوفة للدار، مؤكداً أن "الرموز، مهما كانت محبوبة، ليست جامدة".

وعوضاً عن الزخارف التشريحية المعتادة، نُسجت في الفساتين وجوه سريالية تكسر المألوف. وبدلاً من رمز ثقب المفتاح الأيقوني، زُيّنت الفساتين والسترات بحراشف سمك نابضة بالحياة تحاكي الهندسة المعمارية الفريدة لروائع الفنان "غودي" Gaudí، وتحديداً مبنى "كازا باتيو" الشهير في برشلونة.

ولم تقتصر اللحظة الاستثنائية على منصة العرض فحسب، بل امتدت إلى الساعات التي تلته. إذ نُقلت الإطلالة الختامية التي تألقت بها العارضة "آيفي ستيوارت" في قصر "بيتي باليه" صباحاً، مباشرة إلى السجادة الحمراء في ميدان ليستر، لترتديها النجمة "زيندايا" في العرض العالمي الأول لفيلم "الأوديسة" بعد ظهر اليوم نفسه، في توليفة ساحرة بين الكوتور والسينما.

مجموعة Schiaparelli‏ ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
مجموعة Schiaparelli‏ ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
مجموعة Schiaparelli‏ ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
مجموعة Schiaparelli‏ ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
زندايا باطلالة من مجموعة Schiaparelli‏ ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
زندايا باطلالة من مجموعة Schiaparelli‏ ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏

ديور: حوار نباتي بلمسات النحت المعاصر

لطالما شكّلت العناصر النباتية والطبيعية جزءاً أساسياً من لغة المصمم أندرسون الإبداعية، بدءاً من أحذيته ذات الكعوب المستوحاة من زنبق الماء، وصولاً إلى حقائب اليد المصنوعة من سلاسل معدنية على شكل ضفادع. هذا الموسم، برزت هذه العناصر بشكل لافت، حيث تحولت حديقة "التويلري" الباريسية إلى دفيئة زجاجية ساحرة محاطة بالخشب الأسود اللامع ومزدانة بسعف النخيل. وعلى منصة العرض، تداخل نسيج أخضر يحاكي العشب الطبيعي في جميع أنحاء المجموعة، ظاهراً في الأثواب الطويلة، والسترات القصيرة، والأوشحة المهدّبة.

وفي حين تكرر ظهور باقات الزهور الصغيرة والبتلات المطرزة بدقة، استغل أندرسون هذه المجموعة لتكريم أعمال النحاتة الأمريكية الشهيرة "ليندا بنغليس". واعتماداً على أسلوب بنغليس الخاص في العقد والتشكيل كإطار لمعالجة الأقمشة، ابتكر فساتين فاخرة مطوية بأسلوب "الأكورديون". كما كانت القبعات المطوية من أبرز القطع التي خطفت الأنظار، لترسخ مكانته كمصمم ذي فكر ثاقب يمزج الفلسفة باللمسات الفكاهية المبتكرة.

 مجموعة ديور ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
 مجموعة ديور ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
 مجموعة ديور ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
 مجموعة ديور ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
 مجموعة ديور ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
 مجموعة ديور ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏

إيلي صعب: "أحلام جامحة" تحررت من قيود الواقع لتسكن الأقمشة

تحت عنوان يحمل الكثير من الشاعرية والغموض، قدّم المصمم اللبناني العالمي إيلي صعب مجموعته للأزياء الراقية لخريف وشتاء 2026-2027 باسم The Ball of Untamed Dreams أو "حفلة الأحلام الجامحة". ومن خلالها، أخذ الحضور في رحلة بصرية تلاقت فيها الرومانسية المفرطة بالفن والحرفية الاستثنائية، ليقدم رؤية متجددة تحتفي بأناقة الكوتور الحقيقية في أبهى صورها.

استوحت المجموعة فكرتها من مفهوم الأحلام التي تتحرر من القيود، حيث غازل صعب عالم السريالية وحوّل العناصر المألوفة إلى مشاهد حالمة غامرة. وبدت التصاميم وكأنها بطلات خرجن للتو من لوحة فنية أو حلم بعيد، مع تلميحات بصرية ذكية ومستوحاة من روائع أشهر فناني المدرسة السريالية مثل "سلفادور دالي" و"رينيه ماغريت".

وعلى صعيد القصّات، حافظ إيلي صعب على توازنه الأيقوني المعتاد بين الرقة المتناهية والبنية الهندسية المتقنة، فشاهدنا فساتين الساعة الرملية، إلى جانب التصاميم العمودية الانسيابية، العباءات الطويلة المنسدلة، والأكتاف المنحوتة بدقة، بالإضافة إلى فساتين قصة ذيل السمكة. ولم تغب فساتين السهرة الضخمة والأميرية التي احتلت مكانة محورية لتضفي حضوراً ملكياً مهيباً على منصة العرض.

وجاءت لوحة الألوان لتكمل هذا المشهد الفني بعمق وتناغم، فتنوعت بين درجات العاجي والوردي والألوان الحيادية الناعمة، لتتصاعد الدراماتيكية مع الأحمر القاني، والأزرق الياقوتي، والبنفسجي الداكن، والفوشيا النابض بالحياة. بينما رسم اللون الأسود لحظات من الأناقة الكلاسيكية المطلقة، وتوّج الفضي والذهبي المجموعة ببريق ملوكي أخّاذ.

 مجموعة إيلي صعب ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
مجموعة إيلي صعب ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
 مجموعة إيلي صعب ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
مجموعة إيلي صعب ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
 مجموعة إيلي صعب ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
مجموعة إيلي صعب ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏

"آشي ستوديو": حفلة تنكرية تفكك الأقنعة بلغة تشكيلية ونحتية مبهرة

في توثيق فريد وعميق، كشف المصمم السعودي العالمي محمد آشي لـ "هي" عن الخلفية الفكرية وراء مجموعته للأزياء الراقية، والتي جاءت بمثابة تجربة فلسفية تبحر في أعماق النفس البشرية. وعن هذا الإلهام يقول آشي:"بدأت رحلتي في الموسم الماضي من خلال البحث في العصر الفيكتوري، وهذه المجموعة تمثل امتداداً لذلك المسار. أنا شغوف باقتناء الكتب، وصادفت كتاباً بعنوان Legendary Balls يتناول حفل روتشيلد المقنّع الشهير عام 1973، ومنه انطلقت فكرة هذه المجموعة. الفكرة تقوم على أننا كبشر، نرتدي أقنعة، ومن خلالها يظهر جوهرنا الحقيقي. لذلك رأيتم اليوم شخصيات داخل حفل مقنّع، حيث تكشف الأقنعة عن الإنسان الكامن خلفها؛ فخلف كل قناع قناع آخر، وما يظهر في النهاية هو ما نحمله في داخلنا من طباع وصفات".

هذه الرؤية الدرامية تُرجمت على أرض الواقع من خلال تقنيات بارعة تتقاطع بين هوية الدار الراسخة والابتكارات الجديدة بالكامل. فقد تحولت القطع إلى تحف فنية حقيقية؛ حيث نُحتت ورُسمت المرايا المستوحاة من الطراز الفينيسي يدوياً، وجُمعت الأصداف من المطاعم ليعاد رسمها يدوياً على يد فنان محترف قبل طلائها. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل برزت الأوراق اليابانية المنحوتة والمصقولة بيد فنان ياباني متخصص، مما أضفى قدراً هائلاً من الحرفية على كل تفصيل.

ولصياغة هذه اللغة النحتية التي تقوم عليها الرؤية التصميمية للدار، تعاون آشي هذا الموسم مع ما بين 12 إلى 15 حرفياً وفناناً من قطاعات متنوعة تشمل مختصي الريش، والنجارة، ونفخ الزجاج. فجاءت بعض العناصر النحتية والأحزمة مرسومة يدوياً، وصُنعت قطع أخرى من الخشب والزجاج المنفوخ في استكشاف مستمر للمواد وخباياها، حتى إن ما بدا للحضور وكأنه خزف برسلان فاخر على المنصة، كان في الحقيقة مصنوعاً من الجلد المبتكر بمهارة استثنائية طوعت الخامة لخدمة الفكرة الفلسفية للعرض.

 مجموعة آشي ستوديو‏ ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
مجموعة آشي ستوديو‏ ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
 مجموعة آشي ستوديو‏ ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
مجموعة آشي ستوديو‏ ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
 مجموعة آشي ستوديو‏ ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
مجموعة آشي ستوديو‏ ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏

بالنسياغا: بييرباولو بيتشولي يعود إلى جذور "المعلم"

يُعد كريستوبال بالنسياغا أحد أعظم عباقرة الأزياء الراقية في تاريخ الموضة، لذا فإن تولي دفة التصميم في دار تحمل إرث شخصية يلقبها الجميع بـ"المعلم" يمثل مهمة بالغة الدقة والصعوبة. ولطالما أثبت خلفه، بييرباولو بيتشولي، براعته الفائقة في إدارة الأجواء الدرامية الكبرى، وهو ما ميز مجموعاته الأيقونية السابقة.

وفي أولى تجاربه في عالم الأزياء الراقية كمدير إبداعي لدار "بالنسياغا"، برهن بيتشولي مجدداً على عبقريته الفذة. حيث جعل من التصاميم، والقصّات الهيكلية، وحياكة النسيج البطلَ الحقيقي والقصة البصرية المحورية، محافظاً على جوهر الكوتور كاستعراض خالص لفن التعامل مع الأقمشة والحرفية اليدوية. يكمن جمال هذه المجموعة في تجريد القطع والوصول بها إلى أنقى صورها، إذ منح الانضباط والابتعاد عن المبالغة في التصميم فخامة استثنائية لكل قطعة.

كما تجلت براعة بيتشولي الفائقة في نظرية الألوان، حيث كان الاستخدام التعبيري للتدرجات النابضة هو السمة الأبرز. وجمعت بعض القطع الاستثنائية بسلاسة بين نغمات لونية متضاربة وساحرة، مثل الأزرق الفيروزي مع الرمادي الداكن، أو الأصفر النابض مع البنفسجي الملكي.

وإذا كانت الألوان جريئة، فإن التفاصيل لم تقل عنها جسارة، من بتلات الزهور المتدرجة التي نحتت أحد الفساتين، إلى بريق الترتر، والريش الفاخر الذي غطى النجمة "جيجي حديد" عند عودتها إلى منصة العرض.

 مجموعة بالنسياغا ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
 مجموعة بالنسياغا ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
 مجموعة بالنسياغا ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
 مجموعة بالنسياغا ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
 مجموعة بالنسياغا ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏
 مجموعة بالنسياغا ‏للأزياء الراقية لموسم خريف وشتاء 2026-2027‏

 

مسؤولة قسم الموضة
مسؤولة قسم الموضة، متخصصة بالمواضيع المتعمّقة التي تتناول الموضة بكل تحولاتها، خريجة كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية.