"Toy Story 5"

مراجعة "هي"- فيلم " Toy Story 5".. الخيال المفقود بين الدمى القديمة والألعاب الرقمية

5 يوليو 2026

لطالما رأت سلسلة الأنيميشن Toy Story في الدمى ما هو أبعد من كونها أشياء جامدة. فقد كانت، منذ الفيلم الأول، مساحة يختبر فيها الطفل العالم لأول مرة، ويعيد تشكيله بالطريقة التي يتخيلها. لم يكن وودي أو باز يحملان المغامرة داخلهما، بل كانا ينتظران طفلًا يمنحهما دورًا، ويكتب لهما قصة جديدة كل يوم. وهنا تحديدًا تكمن الفكرة التي يبني عليها الجزء الخامس صراعه؛ فالمنافس الحقيقي ليس جهازًا لوحيًا أكثر تطورًا من دمية قديمة، وإنما طريقة مختلفة تمامًا في ممارسة الخيال.

في عالم الطفلة بوني، كانت الدمى تترك فراغات واسعة يملؤها خيالها؛ معركة تبدأ من غرفة نوم، أو رحلة فضائية تنطلق من فوق السرير، أو مغامرة في غابة لا وجود لها إلا في رأس طفلة صغيرة. أما الجهاز اللوحي Lilypad، فلا يطلب منها أن تتخيل، بل يمنحها عالمًا مكتملًا بقوانينه، وشخصياته، وأهدافه، ومكافآته. عند هذه اللحظة يتغير معنى الصراع بين التكنولوجيا والدمى، ليصبح بين خيال يُولد داخل الطفل، وآخر يصل إليه جاهزًا، لا يحتاج منه إلا أن يضغط على الشاشة ليبدأ، ويغلق خياله.

الخيال بين الدمية والشاشة

يختار السيناريو منذ البداية الطريق الأصعب؛ ألا يجعل Lilypad شريرًا تقليديًا يسرق بوني من الدمى التي تلعب بها، بل يمنحه قدرًا واضحًا من البراءة. فهو لا يتصرف بدافع الحقد أو الرغبة في الإقصاء، بل ينفذ الوظيفة التي صُمم من أجلها، ويحاول، بطريقته الخاصة، أن يجعل حياة طفلته أسهل وأكثر متعة. حتى عندما يكتشف أن وجوده قد يقود إلى نتائج لم يقصدها، يتعامل معها بصدق يخلو من أي نزعة شريرة، فتصبح المواجهة بين الطرفين أقل وضوحًا، وأكثر قدرة على إثارة التعاطف مع الجميع.

سلسلة الأنيميشن Toy Story
سلسلة الأنيميشن Toy Story

من هنا تتجاوز الحكاية صراعها الظاهري. فالمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، ولا في الدمى التي تخشى فقدان مكانها، بل في التحول الهادئ الذي أصاب مفهوم اللعب نفسه. فالدمى كانت تمنح الطفل أدوات يبني بها عالمه، بينما تمنحه الشاشة عالمًا مكتملًا يدعوه إلى دخوله. لكنه يغير الطريقة التي يتولد بها الخيال نفسه. بين خيال يشارك الطفل في صنعه، وخيال يكتفي باستهلاكه. ولهذا لا تبدو مواجهة وودي ورفاقه مع Lilypad معركة ضد جهاز جديد، بقدر ما تبدو محاولة أخيرة للدفاع عن فكرة قديمة؛ أن أجمل المغامرات هي تلك التي تبدأ داخل رأس الطفل، لا داخل الشاشة.

ويظل الفيلم، في معظم مشاهده، وفيًا لهذا التصور الهادئ، ورغم أن السيناريو يحافظ، في أغلب الوقت، على هذا التوازن، فإنه يميل أحيانًا إلى التعبير عن فكرته بصورة أكثر مباشرة مما تحتاج إليه بعض المشاهد، فيقترب من الشرح حين تكون الصورة وحدها قادرة على إيصال الرسالة.

 مواجهة وودي ورفاقه مع Lilypad
مواجهة وودي ورفاقه مع Lilypad

مسايرة المجموعة

يختار الفيلم أن يقدم Lilypad بصورة تخالف الشرير التقليدي في حكايات الأطفال، فإن الفيلم يلمح بهدوء إلى خصم أكثر تعقيدًا يصعب هزيمته. فالجهاز لا يمنع بوني من تكوين الصداقات، بل يساعدها على الاقتراب من أطفال آخرين، يمنحها فرصة للاتصال بأطفال لم تكن لتلتقيهم بسهولة. غير أن هذا الباب يقودها أيضًا إلى عالم تحكمه قواعد غير مكتوبة؛ حيث يبدأ الأطفال في مراقبة بعضهم بعضًا، وتحديد ما يبدو مقبولًا أو مثيرًا للسخرية، حتى يبدأ الطفل في تعديل ذوقه وهواياته، لا عن اقتناع، بل لأنه يتعلم، مبكرًا، أن مسايرة المجموعة أسهل من الدفاع عما يحبه.

ومن هنا يبتعد الفيلم عن الخطاب المباشر الذي يدين التكنولوجيا، ويقترب من سؤال أكثر إيلامًا: ماذا يحدث عندما يتخلى الطفل عن جزء من خياله، لا لأنه فقد شغفه به، بل لأنه يخشى نظرة الآخرين إليه؟ في واحدة من أكثر الأفكار ذكاءً، لا تبدو الدمى وكأنها تخسر أمام شاشة مضيئة، بل أمام ضغط اجتماعي يدفع الأطفال إلى إعادة تشكيل ذوقهم وهواياتهم حتى ينسجموا مع المجموعة. وهكذا يصبح التخلي عن الدمية، أو عن الخيال الذي تمثله، ثمنًا صغيرًا يدفعه الطفل مقابل القبول، بينما يكون الثمن الحقيقي هو ذلك الجزء من خياله الذي يتخلى عنه بصمت.

الفيلم يلمح بهدوء إلى خصم أكثر تعقيدًا يصعب هزيمته
الفيلم يلمح بهدوء إلى خصم أكثر تعقيدًا يصعب هزيمته

وودي، وباز، وجيسي

لم يكن أكثر ما يخشاه وودي ورفاقه أن تبقى الدمى ملقاة في صندوق مهمل في الجراج، أو أن تستبدلها بوني بجهاز أكثر تطورًا. فالفيلم يلمح، بهدوء شديد، إلى أن خسارة دمية قديمة ليست المأساة الحقيقية. المأساة تبدأ عندما يتعلم الطفل أن يخفي ما يحبه حتى لا يبدو مختلفًا عن الآخرين. هنا لا يعود الخيال ضحية التكنولوجيا، بل ضحية الحاجة إلى القبول، وهي حاجة تبدأ في الطفولة وترافق الإنسان طوال حياته.

ولهذا تبدو الطفلة بليز، التي لا تزال تجد في الألعاب عالمًا يستحق الاحتفاظ به، أكثر أهمية مما توحي به مساحة ظهورها. فهي لا تمثل الماضي في مواجهة المستقبل، ولا تعيش خارج زمنها، بل تجسد الطريق الآخر الذي كان يمكن أن تسلكه بوني لولا خوفها من السخرية. ومن خلال هذا التناقض البسيط، يذكرنا الفيلم بأن الأطفال لا يتخلون دائمًا عن هواياتهم لأنهم كبروا، بل لأنهم يتعلمون، أحيانًا في سن مبكرة جدًا، أن التمسك بما يحبونه قد يكلفهم شعورهم بالانتماء.

ويمنح الأداء الصوتي لكل من توم هانكس وتيم ألن وجوان كوزاك هذه الفكرة صدقًا إضافيًا. فبعد ما يقرب من ثلاثة عقود، لم تعد أصواتهم مجرد أداء لشخصيات محبوبة، بل جزءًا من الوجدان الذي رافق السلسلة منذ بدايتها. ولهذا تبدو لحظات وودي، وباز، وجيسي أكثر تأثيرًا، لأنها تستدعي في الوقت نفسه ذكريات الشخصيات، وذكريات الجمهور الذي كبر معها. وهو ما يضاعف أثر اللحظة عندما يكشف الفيلم أنه لم يكن يدافع عن الدمى وحدها.

وهنا ينجح Toy Story 5  في تجاوز حكايته عن الدمى تمامًا. فبينما تبدو الأحداث، على السطح، محاولة لإنقاذ دمى مهددة بالنسيان، يكشف الفيلم تدريجيًا أن ما يحاول إنقاذه حقًا هو شيء أكثر هشاشة؛ حق الطفل في أن يحتفظ بجزء من نفسه، حتى لو لم يكن الأكثر رواجًا، أو الأكثر حداثة، أو الأكثر قبولًا بين أصدقائه.

ينجح Toy Story 5  في تجاوز حكايته عن الدمى
ينجح Toy Story 5  في تجاوز حكايته عن الدمى

عالم بيكسار

ولا تترك بيكسار هذه الفكرة حبيسة الحوار، بل تمنحها حضورًا واضحًا في الصورة نفسها. فالعالم الذي تنتمي إليه الدمى يحتفظ بالدفء الذي عرفت به السلسلة منذ بدايتها؛ ألوان ناعمة، ومساحات مفتوحة، وغرف تتحول إلى عوالم لا تحدها إلا مخيلة الطفل. في المقابل، يبدو العالم الذي يصنعه Lilypad  أكثر اكتمالًا وانتظامًا، وكأنه لا يترك فراغًا يحتاج إلى أن يملأه الخيال. وحتى عندما يبدو أكثر إبهارًا من الناحية البصرية، فإنه يظل عالمًا جاهزًا، يدعو الطفل إلى دخوله، لا إلى المشاركة في صنعه.

وتستفيد بيكسار من القفزة التقنية التي حققتها خلال السنوات الأخيرة، فتبدو خامات الدمى، وانعكاسات الضوء، وتفاصيل البيئات أكثر واقعية وحيوية من أي وقت مضى، فيبقى الإنجاز التقني وسيلة لتعميق المشاعر، لا غاية تستعرض نفسها. بل يظل التطور التقني، كما اعتادت أفضل أفلام الاستوديو، في خدمة الحكاية، لا بديلًا عنها.

وتفهم بيكسار أن هذه الفكرة لا تحتاج إلى خطب طويلة. فتكفي نظرة بوني وهي تنتقل بين ألعابها وشاشتها، أو لحظة صمت تسبق قرارًا صغيرًا، حتى تدرك أن الفيلم يتحدث عن مشاعر يصعب على الأطفال التعبير عنها بالكلمات. ولهذا تأتي الموسيقى، وحركة الكاميرا، والإيقاع الهادئ في بعض المشاهد، لتمنح هذه اللحظات مساحة تتنفس فيها، بدل أن تتحول إلى رسائل مباشرة. إنها ثقة استوديو يعرف أن الصورة تستطيع، أحيانًا، أن تقول ما تعجز عنه الجمل.

تفهم بيكسار أن هذه الفكرة لا تحتاج إلى خطب طويلة
تفهم بيكسار أن هذه الفكرة لا تحتاج إلى خطب طويلة

 تجديد السلسلة

لكل هذا الطموح ثمن يدفعه الفيلم بين الحين والآخر. فحين يحاول أن يناقش الخيال، وضغط الأقران، وتأثير التكنولوجيا، والبحث عن الهوية، داخل حكاية لا تزال مطالبة بالحفاظ على روح Toy Story  الخفيفة، يبدو أحيانًا وكأنه يحمل أفكارًا أكثر مما تسمح به رحلته. ويزيد من هذا الإحساس أن البناء الأساسي للحكاية لا يبتعد كثيرًا عن الصيغة التي اعتمدتها السلسلة مرارًا؛ خروج دمية من عالمها، ثم تبدأ رحلة إنقاذ جماعية تعيد جمع الشمل في النهاية. وما يزال هذا البناء قادرًا على خلق المتعة، لكنه لم يعد يفاجئ بالطريقة نفسها، مهما تغيرت الخلفيات أو تطورت الأفكار.

Toy Story
Toy Story قدم مجموعة من الأفكار 

ولهذا تمر بعض الشخصيات الجديدة مرورًا أسرع مما تستحق، وتُحسم بعض التحولات الدرامية قبل أن تنال المساحة الكافية لتترك أثرها الكامل. كما يأتي ذلك، في المقابل، على حساب بعض الدمى الكلاسيكية التي تظل حاضرة في الأحداث أكثر من حضورها في تطورها الدرامي، وكأن الفيلم لا يجد الوقت الكافي لمنحها اللحظات التي تستحقها، وهو ثمن يكاد يكون حتميًا لمحاولة الموازنة بين إرث يمتد لثلاثة عقود، وأفكار جديدة تسعى إلى دفع السلسلة في اتجاه مختلف.

وينعكس هذا أيضًا على الإيقاع، الذي يفضل في بعض اللحظات الانتقال إلى الفكرة التالية قبل أن يسمح للمشهد السابق بأن يستقر في وجدان المشاهد. وبينما نجحت الأجزاء السابقة من السلسلة غالبًا في الموازنة بين المغامرة والتأمل، يميل هذا الجزء أحيانًا إلى استعجال بعض محطاته، وكأنه يخشى أن يفقد انتباه جمهوره إذا توقف طويلًا مع لحظة إنسانية هادئة. ومع ذلك، يصعب النظر إلى هذه الملاحظات باعتبارها نقاط ضعف منفصلة عن العمل، لأنها جاءت في معظمها نتيجة محاولة صادقة لتوسيع عالم Toy Story، وهي ملاحظات يسهل التسامح معها، لأنها ثمرة رغبة واضحة في دفع السلسلة إلى الأمام، لا الاكتفاء بتكرار نجاحاتها السابقة.

 الفيلم لا يجد الوقت الكافي لمنح بعض الشخصيات المساحة التي تستحق
 الفيلم لا يجد الوقت الكافي لمنح بعض الشخصيات المساحة التي تستحق

السؤال الأخير

ولهذا يصعب النظر إلى Toy Story 5 باعتباره مجرد فصل جديد في واحدة من أشهر سلاسل الرسوم المتحركة. فهو لا يقدم حنينًا سهلًا إلى دمى قديمة، ولا يعلن الحرب على التكنولوجيا، بل يذكرنا بأن الطفولة ليست ما نملكه من دمى، الطريقة التي يبدأ بها العالم في التشكل داخلنا ونختبره ونمنحه شيئًا من خيالنا. ومن هنا تبدو معركة وودي ورفاقه أقل ارتباطًا بمصيرهم هم، وأكثر ارتباطًا بمصير الأطفال الذين سيحملون هذه الذكريات معهم عندما يكبرون.

يصعب النظر إلى Toy Story 5 باعتباره مجرد فصل جديد في واحدة من أشهر سلاسل
يصعب النظر إلى Toy Story 5 باعتباره مجرد فصل جديد في واحدة من أشهر سلاسل

وعندما تنتهي المغامرة، لا يبقى في الذاكرة سؤال عمّا إذا كانت الدمى ستجد طفلًا جديدًا، أو ما إذا كانت الشاشات ستنتصر في النهاية. يبقى سؤال أكثر هدوءًا، وأكثر قربًا من حياتنا جميعًا فالفيلم، بعد كل هذه المغامرة، يترك المشاهد مع سؤال لا يتعلق بالدمى أصلًا: كم جزءًا من أنفسنا تركناه خلفنا، لا لأننا لم نعد نحبه، بل لأننا شعرنا أن العالم ينتظر منا أن نكبر بطريقة مختلفة؟ وربما لهذا ظلت Toy Story، طوال ثلاثين عامًا، تحكي في ظاهرها عن دمى تبحث عن مكانها، بينما كانت، في حقيقتها، تحكي عن الإنسان وهو يحاول ألا يفقد الجزء الأكثر صدقًا في نفسه.

فالذكريات التي تبقى معنا لا تصنعها الدمى وحدها، بل الإنسان الذي ساعدتنا تلك الدمى على أن نصبحه.

الصور من موقع بيكسار.

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.