جان-كريستوف بابين

جان-كريستوف بابين لـ"هي": الأمر لم ينتهِ بعد.. مهمتي الجديدة بدأت الآن

حوار:  Adnan Alkateb

مع اقتراب طيّ صفحة امتدت لأكثر من ثلاثة عشر عاما في قيادة "بولغري" BVLGARI، يأتي هذا الحوار الأخير مع الصديق العزيز والقيادي المبدع المحبوب "جان-كريستوف بابين" Jean-Christophe Babin من البندقية، بعد مرحلة كاملة أعاد خلالها رسم حضور الدار الرومانية عالميا، ورسّخ مكانتها واحدة من أبرز الأسماء في عالم المجوهرات والساعات والضيافة الفاخرة.

وقبل انتقاله من منصب الرئيس التنفيذي في نهاية شهر يونيو الجاري وتسليم الإدارة إلى "لاورا بورديزي" Laura Burdese يتحدث "بابين" عن الشراكة الاستثنائية مع البينالي، وهُوية "بولغري" ودورها الثقافي، والإرث، والمستقبل الذي سيواصل فيه ارتباطه بالدار بوصفه رئيسا تنفيذيا لفنادق "بولغري"، ورئيسا للمؤسسة الثقافية الخيرية Fondazione Bulgari. وكما قال لي في بداية لقائنا: "في الحقيقة، الأمر لم ينتهِ بعد. مهمتي الجديدة بدأت الآن".

Jean-Christophe Babin

أوّلا، ما الذي دفعكم إلى بناء شراكة مع بينالي البندقية؟ وما الذي يحمله هذا النوع من المبادرات الثقافية والفنّية إلى ‏عالم "بولغري"؟

السبب بسيط جدا. بين العلامات الفاخرة الكبرى، إن "بولغري" هي على الأرجح الاسم الأكثر ثباتا واستمرارية في ‏مجال الرعاية الثقافية، وذلك ليس فقط في الفنون والعمارة، بل أيضا في التعليم كما نرى من خلال عملنا مع منظمة "أنقذوا ‏الأطفال"، إضافة إلى دعم المهارات المهددة بالاختفاء، وخصوصا مهارات الحرف اليدوية. هذه تشكّل الركائز الثلاث ‏الأساسية لمساهمات "بولغري" تجاه المجتمع. ونحن نؤمن أيضا بأهمية ردّ الجميل للمجتمع الذي منح "بولغري" الكثير. ‏فمدن مثل روما والبندقية كان لها تأثير كبير في تشكيل هُوية الدار وأسلوبها. صحيح أننا نعتبر روما مدينة الإلهام الأساسية ‏للدار، لكن هناك أيضا الكثير من معالم البندقية التي تفسّر جانبا من عالم "بولغري"، فالرومان سافروا كثيرا خارج ‏عاصمتهم.‏

          بالنسبة إلينا، تمثل هذه الشراكة مع بينالي البندقية خطوة إضافية مهمة، وربما الأهم اليوم في المجال الفني، وذلك ‏لأسباب عدة. أولا، لأنها ليست مبادرة مؤقتة، كما هو الحال مثلا في مشاريع ترميم بعض المعالم التاريخية. فقد وقّعنا على ‏شراكة تمتد لثلاث دورات من البينالي، حتى عام 2030.‏

ماذا عن "مؤسسة بولغري" ‏Fondazione Bulgari‏ والدور الذي تسعون إلى ترسيخه من خلالها؟

لا تزال المؤسسة حديثة نسبيا، لأنها انطلقت رسميا في عام 2024، لكن الدار كانت منخرطة بشكل كبير في ‏مجالات الفن والتعليم قبل ذلك. غير أن مسألة التنسيق لم تكن سهلة دائما، إذ كانت هناك مبادرات تنطلق من المقر الرئيس، ‏وأخرى تأتي من مختلف الدول والأسواق. لذلك، ومن خلال المؤسسة، بدأنا تدريجيا بتوحيد الموارد والأفكار، بهدف تعزيز ‏عملنا على المجالات الثلاثة الأساسية بالنسبة إلينا: الفن والعمارة، والتعليم، والحرف والخبرات المتخصصة. ومن خلال هذا ‏التنظيم، أصبحنا أكثر فاعلية فيما نفعله، وبات تركيزنا اليوم منصبّا بشكل واضح على هذه الركائز الثلاث. وهي بحد ذاتها ‏مسؤولية كبيرة، لأن "مؤسسة بولغري" على الرغم من مكانتها، تبقى بحجم مختلف إذا ما قورنت بمؤسسات ضخمة مثل ‏‏"مؤسسة بيل غيتس". نحن نعمل على نطاق مختلف تماما، لكننا نسعى إلى الاستفادة ‏القصوى من إمكاناتنا، حتى يصل أثر ما نقدمه إلى أكبر عدد ممكن من الناس.

          ولهذا السبب، حين نرمم مثلا الدرج الإسباني في روما، لا نفعل ذلك لمجرد ترميم معلم تاريخي، بل لكي يتمكن المزيد من الناس من السير فيه كل يوم والشعور بذلك الانبهار. والأمر نفسه ينطبق على بينالي البندقية. من الواضح أن اختيار "بولغري" شريكا حصريا للبينالي هو بالنسبة إلينا شرف كبير، وخصوصا أن هناك عددا هائلا من العلامات التي تتمنى الحصول على هذه الشراكة. لكن بالنسبة إلينا، لا تقتصر المسألة على عدد الزوار أو على تحقيق حضور أكبر من العام الماضي، على الرغم من أننا نأمل ذلك بالطبع. الأهم هو أن يشكل البينالي منصة حقيقية لنشر هذا المحتوى والوصول به إلى جمهور واسع. فنحن لا نتحدث فقط عن مئات الآلاف من الزوار، بل عن عشرات الملايين من الأشخاص الذين سيتابعون هذه المبادرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والأنشطة المختلفة المرتبطة بها، حتى أولئك الذين قد لا تتاح لهم فرصة السفر إلى إيطاليا واكتشافها بأنفسهم.

          في النهاية، سواء عبر المؤسسة أو من خلال مختلف المبادرات التي نقدمها، يبقى هدفنا الأساسي هو إيصال هذه التجارب والأفكار إلى أكبر عدد ممكن من الناس.

مع الزميل عدنان الكاتب
مع الزميل عدنان الكاتب

 إذا نظرت إلى أرشيف "بولغري" وتاريخها، أي قطعة مجوهرات تعتبرها عملا فنّيا حقيقيا، وتختارها مثلا للعرض هنا في البينالي؟

بالتأكيد ستكون قطعة من المجوهرات الراقية. ربما تكون عقدا متعدد الألوان من المجوهرات الراقية، يضم أحجارا بقصّات "كابوشون" وألوانا غير متوقعة مجتمعة معا، لأن هذا يعبّر تماما عن هوية "بولغري": مزيج من الجرأة، والابتكار، وحتى كسر القواعد التقليدية. فعلى مدى قرون، كان من غير المقبول أن يوضع إلى جانب الماس سوى أحجار مثل الياقوت أو الزمرد أو الصفير. أما "بولغري"، فلم تتردد يوما في أن تضع إلى جانب ماسة استثنائية أو ياقوتة نادرة، حجرا آخر مثل الغارنيت، وإن كانت قيمته أقل بكثير. وذلك لأننا لا ننظر إلى المجوهرات الراقية باعتبارها مجرد قطع ذات قيمة مادية عالية، بل باعتبارها أيضا تعبيرا عن الجمال، والقيمة والجمال بالنسبة إلينا على القدر نفسه من الأهمية. وإذا كان حجر أقل تكلفة قادرا على تحقيق تأثير بصري أجمل إلى جانب حجر نادر وثمين، نختاره من دون تردد.

وهذا نهج فريد جدا في عالم المجوهرات، لأننا كسرنا تلك القاعدة التقليدية التي كانت تفترض أن الأحجار الأغلى ثمنا فقط هي التي يمكن أن تجتمع معا. بالطبع ما زلنا نستخدم الماس الاستثنائي مع أحجار الصفير والزمرد النادرة، لكن ما يميز الدار أكثر هو هذا المزج غير المتوقع بين الألوان والأحجار. على سبيل المثال، في مجموعة Polychroma العام الماضي، استخدمنا أكثر من ستة وأربعين نوعا مختلفا من الأحجار الكريمة، من بينها الماس بخمسة ألوان مختلفة. ولم يسألنا أي عميل يوما لماذا وضعنا هذا الحجر إلى جانب الآخر، وإن كان أحدهما أقل قيمة من حيث السعر أو أكثر توفرا في السوق. لأن ما يهم في النهاية ليس قيمة الحجر وحدها، بل النتيجة الجمالية الكاملة للقطعة.

 وإذا انتقلنا إلى عالم الساعات، الذي نعرف أنه يحتل مكانة خاصة في قلبك، هل هناك تصميم تعتبره الأقرب إلى مفهوم الفن الحقيقي في تاريخ "بولغري"؟

 بالنسبة إلي، أعتقد أن الساعات الرنّانة تمثل شيئا خاصا جدا في عالم "بولغري". لسنا الدار الوحيدة التي تصنع هذا النوع من الساعات، لكن ربما هناك أقل من خمسة عشر دارا في العالم اليوم قادرة فعلا على ابتكارها بهذا المستوى من التعقيد. وكانت "بولغري" من أولى الدور التي أعادت التفكير في تقاليد الساعات الرنّانة الكلاسيكية، من خلال التعاون مع قائد الأوركسترا "لورينزو فيوتي" لابتكار لحن جديد بالكامل، بدلا من الاعتماد على نغمة "ويستمنستر" التقليدية المستخدمة تاريخيا في هذا النوع من الساعات. وكانت هذه خطوة جريئة جدا في عالم يميل بطبيعته إلى المحافظة والتقاليد.

          وبالنسبة إليّ، ستتركز المرحلة المقبلة من مسيرتي على قطاع الضيافة، إلى جانب العمل الفني والثقافي عبر "مؤسسة بولغري". وربما، وبعد أكثر من أربعين عاما من العمل، أستطيع القول إن هذين المجالين هما الأقرب إلى فضولي الشخصي اليوم، مع كامل احترامي لعالم الساعات والمجوهرات بالطبع. لكنني أمضيت الجزء الأكبر من السنوات الخمس والعشرين الماضية في هذين المجالين، بينما لم تتح لي الفرصة نفسها للتعمق في الضيافة والفنون بالقدر الذي كنت أريده.

          وعندما يصل الإنسان إلى سن السابعة والستين، يبدأ بالتفكير بطريقة مختلفة. لن نعيش خمسين عاما إضافية، إلا إذا حدثت معجزة. لذلك أشعر بالامتنان الكبير لأن LVMH منحتني فرصة الاستمرار، وأيضا فرصة التفرغ للمجالات التي أصبحت الأقرب إليّ في هذه المرحلة من حياتي المهنية.

          ومن جهة أخرى، أشعر بالحزن لأنني لن أكون بعد اليوم جزءا من القرارات المرتبطة بالساعات والمجوهرات، لكنني كنت جزءا من هذا العالم لفترة طويلة جدا.

Jean-Christophe Babin

 يشكّل قطاع الضيافة اليوم جزءا أساسيا من عالم "بولغري"، خصوصا مع افتتاح عدد من الفنادق والمشاريع الجديدة حول العالم. كيف تنظرون إلى هذا التوسع؟

 لا نملك عددا كبيرا من الفنادق مقارنة ببعض اللاعبين الكبار في قطاع الضيافة الفاخرة. لدينا حاليا تسعة فنادق قيد التشغيل، وخمسة مشاريع أخرى قيد الإنشاء، لذلك ما زلنا من بين الأسماء الأصغر نسبيا في هذا المجال. لكن ما يهمنا ليس العدد بقدر ما هي خصوصية كل مشروع. نواصل التطوير، لكننا لا نسعى إلى الانتشار الواسع. ربما نطمح للوصول إلى عشرين أو خمسة وعشرين فندقا كحد أقصى، لكن مع الحفاظ دائما على هُوية واضحة ومميزة لكل وجهة.

          مشروع أبوظبي، على سبيل المثال، سيكون استثنائيا، إذ ستتحول الجزيرة بالكامل إلى عالم يحمل توقيع "بولغري"، وهذا أمر مذهل فعلا. أما في دبي، فقد دفعت شخصيا باتجاه تنفيذ مشروع التوسع، لأنني كنت مقتنعا بأنه حتى لو لم نقم نحن بذلك، فسيتم تنفيذه بطريقة أو بأخرى، لكن ربما من دون الانسجام الكامل مع أسلوب "بولغري". لذلك أردت أن تعزز التوسعة هُوية الفندق الحالية، لا أن تتعارض معها. ونحن سعداء جدا بالنتيجة اليوم.

          ومن الطبيعي أيضا تقليد هذا النجاح. ففي معظم المدن التي نوجد فيها، سنجد خلال العام المقبل عددا من الفنادق الفاخرة الجديدة حولنا، لأن الطلب على الضيافة الراقية يشهد نموا كبيرا جدا. كنت حديثا في المالديف، حيث لدينا مشروع مميز للغاية. هناك ثلاث جزر مختلفة: جزيرة مخصصة للموظفين، لكنها مصممة بمستوى رفاهية عالٍ جدا، لأننا نؤمن أيضا بأهمية توفير الخصوصية والراحة لفريق العمل. وهناك الجزيرة الرئيسية، وهي المشروع الأصلي، وكانت في البداية مجرد مساحة صغيرة من الرمال لا تتجاوز هكتارين، قبل أن تتوسع لاحقا بشكل كبير. ثم لدينا جزيرة ثالثة تحمل اسم "جزيرة بولغري"، وهي مخصصة بالكامل لمنزل واحد فقط، كما هو الحال مع فيلا "بولغري" في دبي أو البنتهاوس الخاص بنا في باريس. كل فندق من فنادق "بولغري" يضم دائما مساحة استثنائية وفريدة للغاية، تشكّل التجربة الأكثر خصوصية داخل المشروع، وتصل تكلفة الإقامة فيها إلى نحو 50 ألف يورو لليلة الواحدة.

بعيدا عن العمل، يبدو من خلال منشوراتك على مواقع التواصل الاجتماعي أنك تتشارك مع زوجتك كثيرا من الاهتمامات والتجارب الحياتية. ما أبرز شغف يجمعكما اليوم؟

 لدينا الكثير من الاهتمامات المشتركة. زوجتي تعشق قيادة السيارات، وتقود بحماس كبير أيضا. وهي تتقبل النصائح مني، لكن يبدو أن عليّ اليوم أن أقدّمها بطريقة أكثر اختصارا ووضوحا. أتذكر أنها قالت لي قبل يومين: "من فضلك لا تشرح كثيرا، فقط أعطني المعلومات الأساسية بسرعة". في السابق كنت أشرح لها كل التفاصيل، أما اليوم، فأعتقد أنني أصبحت أكثر احترافية في إعطاء التعليمات. وهناك أيضا اهتمامات نتشاركها بالكامل، مثل التزلج على الثلج، وغيرها من الأنشطة التي نستمتع بها معا.