حين تستحق الأزياء الرجالية قراءة مختلفة
في كل موسم، تتجه الأنظار تلقائياً نحو عروض الأزياء النسائية، بينما يمر أسبوع الموضة الرجالي سريعاً، وكأنه محطة تمهّد لما سيأتي لاحقاً. هذا الإيقاع الإعلامي جعل الأزياء الرجالية تعيش طويلاً في ظل الأزياء النسائية، رغم أن الفارق بينهما لم يعد يُقاس بحجم الإبداع، وإنما بحجم الاهتمام الذي يحظى به كل منهما.
موسم ربيع وصيف 2027 يدعو إلى إعادة النظر في هذه الفكرة. فالعروض التي قدمتها Dior وGivenchy وCELINE كشفت عن مستوى من النضج الإبداعي يجعلها جزءًا أساسيًا من الحوار الذي تعيشه الموضة اليوم. الحرفة، والسرد، والهوية، والعلاقة مع الأرشيف، حضرت بوصفها الأساس الذي بُنيت عليه كل مجموعة، حيث امتلكت كل دار لغتها الخاصة ورؤيتها المتماسكة.
هذا التحول يلفت انتباه المرأة أيضاً، ليس لأنها تبحث عن بدلة رجالية أو معطف واسع، وإنما لأنها تقرأ الموضة بوصفها منظومة واحدة. المصمم الذي ينجح في صياغة لغة متماسكة في مجموعة رجالية، يقدم في الوقت نفسه مؤشرات عن فلسفته الإبداعية، وعن الاتجاه الذي تتحرك إليه الدار بأكملها.

قراءة جديدة للمألوف في "ديور"
في Dior، يقترح "جوناثان أندرسون" قراءة مختلفة لفكرة الابتكار. المجموعة لا تبحث عن أشكال غير مسبوقة، وإنما تعيد النظر في الأشياء المألوفة، وتكشفها من زوايا جديدة.
البدلة تأتي أكثر تحرراً في بنيتها، ونقشة الهوندستوث تُطبع بدلاً من نسجها، وقميص حريري يعيد إحياء وشاح من أرشيف الهوت كوتور لعام 1979، فيما تنتقل تقنيات التطريز التاريخية إلى أحذية يومية، ويتحول غطاء منسوج قديم إلى حقيبة معاصرة.
هذا الأسلوب يعبّر عن مصمم يرى الأرشيف مادة حية قابلة للتطوير. الفكرة لا تقوم على الحنين، وإنما على إعادة ترتيب الذاكرة داخل سياق جديد، حيث تتجاور الحرفة التقليدية مع التقنيات الحديثة، ويصبح المألوف قابلاً للمفاجأة مرة أخرى.
فكرة الهوية الواحدة لصالح هويات أكثر مرونة واتساعاً.



الفن يدخل خزانة الرجل في "جيفنشي"
في أول مجموعة رجالية لها، تواصل "سارة بورتون" الحوار الذي بدأته في مجموعة خريف وشتاء 2026 النسائية، مؤكدة أن هوية Givenchy الجديدة تُبنى عبر الاستمرارية. اللغة الفنية نفسها تعود في معالجة الخامات، ودقة القصات، والحضور الحرفي الذي يمنح كل قطعة قيمة تتجاوز وظيفتها.
المنزل الذي احتضن العرض، والغرف الثلاث التي قادت السرد، شكّلت امتداداً لفكرة ترى الملابس جزءاً من الحياة اليومية والذاكرة الشخصية. البدلات المزدوجة، والقمصان البيضاء، والجاكيتات الجلدية، والقطع المطرزة، ظهرت بخطوط هادئة تسمح للحرفة بأن تتقدم إلى الواجهة، فيما حضرت اللمسة الفنية في كل تفصيل، من البناء الداخلي إلى التشطيبات الدقيقة و تطريزات اللوح المرسومة.
بهذه المجموعة، تؤكد "بورتون" أن الانتقال بين خزانة المرأة والرجل لا يحتاج إلى لغة جديدة، وإنما إلى رؤية واحدة قادرة على التعبير عن كليهما.



البساطة المصنوعة بدقة في "سيلين"
ينطلق "مايكل رايدر" من فكرة تبدو سهلة للوهلة الأولى، بينما تقوم على بناء شديد الدقة. الطبقات تتداخل بخفة، والألوان تتحرك بانسجام محسوب، لتمنح الإطلالة عمقاً من دون ازدحام بصري.
ويظهر هذا النهج بوضوح في الطريقة التي يعيد بها توزيع النِّسب داخل القطعة، مع اهتمام خاص بإبراز الخصر ومنح الجسم توازناً أكثر حضوراً. كل عنصر يؤدي وظيفة محددة داخل الإطلالة، وكل طبقة تضيف بعداً جديداً من دون أن تلفت الانتباه إلى نفسها.
تتحول البساطة هنا إلى نتيجة مباشرة لحسابات دقيقة في القص، والتنسيق، والتناسب، وهي فلسفة تعكس رؤية CELINE الجديدة لخزانة الرجل المعاصر.



لماذا يستحق هذا الموسم التوقف عنده؟
تكمن أهمية هذه المجموعات في أنها تؤكد أن الأزياء الرجالية أصبحت مساحة إبداعية مكتملة، تمتلك القدرة على إنتاج أفكار متماسكة، ومعالجات دقيقة، وحوار عميق مع الحرفة والهوية والتاريخ.
الأزياء النسائية ستبقى صاحبة الحضور الأكبر داخل الصناعة، وستظل منصتها الأوسع تأثيراً ثقافياً وإعلامياً. في المقابل، يثبت ربيع وصيف 2027 أن قراءة المشهد كاملاً أصبحت مستحيلة دون التوقف عند عروض الرجال، لأنها تقدم بدورها رؤى تستحق النقاش، وتضيف طبقة جديدة إلى فهمنا للموضة المعاصرة.