صناع فيلم Disclosure Day

مراجعة "هي"ٰـ مؤامرة سبيلبرج في فيلم Disclosure Day... عودة إلى سينما الدهشة أم تكرار الأسئلة القديمة؟

29 يونيو 2026

إذا كان هناك مخرج في تاريخ السينما الحديثة يمكن اختصار مسيرته كلها في مجموعة من الأسئلة المتكررة، فربما يكون ستيفن سبيلبرج هو المرشح الأبرز لذلك. فعلى مدار أكثر من خمسة عقود ظل يعود، بصورة أو بأخرى، إلى الفكرة نفسها: ماذا يحدث عندما يواجه الإنسان شيئًا أكبر منه، أو أكثر غموضًا، أو أكثر تقدمًا مما اعتاد فهمه؟ تغيرت الأزمنة، وتبدلت التقنيات، وتنوعت الحكايات، لكن هذا الفضول الأساسي ظل حاضرًا في أعماله كما لو كان سؤالًا لم يتوقف عن البحث عن إجابته.

العودة إلى السماء

في Close Encounters of the Third Kind كان هذا المجهول قادمًا من أعماق الفضاء ويحمل معه شعورًا طفوليًا بالدهشة. وفي E.T. تحول الزائر الغريب إلى وسيلة للحديث عن الوحدة والصداقة والأسرة. وحتى في A.I. Artificial Intelligence لم يكن اهتمام سبيلبرج الحقيقي منصبًا على التكنولوجيا بقدر ما كان منصبًا على المشاعر الإنسانية؛ على الحب والفقد والرغبة العميقة في الانتماء. كانت الكائنات الفضائية والروبوتات والمجهول الكوني مجرد مرايا مختلفة ينظر من خلالها إلى البشر.

 لم يكن اهتمام سبيلبرج الحقيقي منصبًا على التكنولوجيا بقدر ما كان منصبًا على المشاعر الإنسانية
لم يكن اهتمام سبيلبرج الحقيقي منصبًا على التكنولوجيا بقدر ما كان منصبًا على المشاعر الإنسانية

ولهذا يبدو Disclosure Day امتدادًا طبيعيًا لهذا الخط الممتد عبر عقود طويلة، لكنه يأتي هذه المرة بنبرة مختلفة قليلًا. فالمخرج الذي أمضى سنوات طويلة وهو يتخيل لحظة الاتصال بالمجهول لا يسأل هنا ما إذا كانت هناك حياة خارج الأرض، بل ماذا سيحدث لو عرف البشر أخيرًا أن هذه الحياة موجودة بالفعل. كيف ستتصرف الحكومات؟ كيف سيتعامل الإعلام مع الحقيقة؟ وكيف سيتغير تصور البشر لأنفسهم عندما يكتشفون أنهم ليسوا وحدهم في هذا الكون؟

هذه هي الأسئلة التي تشكل قلب الفيلم الحقيقي. أما المؤامرات الحكومية والوثائق السرية والمطاردات التي تدفع الأحداث إلى الأمام، فليست سوى الطريق الذي اختاره السيناريو للوصول إليها.

كيف سيتغير تصور البشر لأنفسهم عندما يكتشفون أنهم ليسوا وحدهم في هذا الكون؟
كيف سيتغير تصور البشر لأنفسهم عندما يكتشفون أنهم ليسوا وحدهم في هذا الكون؟

مواجهة المجهول

يبدأ Disclosure Day وكأنه يسير داخل منطقة مألوفة نسبيًا في سينما الخيال العلمي. فهناك منظمة غامضة تخفي أسرارًا كبرى عن العالم، ووثائق سرية تم دفنها لعقود طويلة، وبطل يكتشف بالصدفة حجم الحقيقة التي حُجبت عن البشر، ثم يجد نفسه مطاردًا من قوى أقوى منه بكثير. وهي عناصر شاهدناها عشرات المرات من قبل، سواء في أفلام المؤامرات السياسية أو أعمال الخيال العلمي التي تتعامل مع فكرة التستر الحكومي على وجود حياة خارج كوكب الأرض.

لكن ما يميز الفيلم ليس هذه العناصر بحد ذاتها، بل الطريقة التي يستخدمها بها. فسيناريو Disclosure Day لا يبدو مهتمًا كثيرًا بتفاصيل المؤامرة أو آليات عمل المنظمة الغامضة بقدر اهتمامه بردود الفعل الإنسانية على الحقيقة نفسها. ولهذا لا يتحول دانيال كيلنر، الذي يؤديه جوش أوكونور، إلى بطل أكشن تقليدي يسعى إلى إسقاط مؤسسة فاسدة، بل إلى رجل يجد نفسه فجأة أمام معرفة قادرة على تغيير نظرته إلى العالم كله.

Disclosure Day يسير داخل منطقة مألوفة في سينما الخيال العلمي
Disclosure Day يسير داخل منطقة مألوفة في سينما الخيال العلمي

ومن هنا تبدأ ملامح الفيلم الحقيقية في الظهور تدريجيًا. فبدلًا من التركيز على السؤال المعتاد: "هل الكائنات الفضائية موجودة؟"، يبدأ السيناريو في طرح سؤال أكثر إثارة للاهتمام: "ماذا سيحدث إذا عرف البشر أنها موجودة فعلًا؟". إنه فرق بسيط ظاهريًا، لكنه يغير طبيعة الحكاية بالكامل. فالقضية لم تعد تتعلق بإثبات وجود المجهول، بل بالتعامل مع آثاره النفسية والسياسية والاجتماعية بعد أن يصبح حقيقة مؤكدة.

ولهذا ينجح النصف الأول من الفيلم في خلق أجواء من البارانويا والتوجس تذكر أحيانًا بأفلام الصحافة الاستقصائية والمؤامرات السياسية أكثر مما تذكر بأفلام الغزو الفضائي التقليدية.

"هل الكائنات الفضائية موجودة؟"
"هل الكائنات الفضائية موجودة؟"

الحقائق والأكاذيب

وإذا كان الفيلم ينجح في تحويل فكرة مجردة كهذه إلى تجربة درامية مقنعة، فإن الفضل يعود بدرجة كبيرة إلى الشخصيات التي تحملها على أكتافها. فدانيال كيلنر ليس عالمًا عبقريًا يسعى إلى حل لغز كوني، ولا بطلًا خارقًا يخوض حربًا ضد مؤامرة عالمية. إنه في جوهره رجل عادي يجد نفسه أمام حقيقة أكبر بكثير من قدرته على استيعابها. ولهذا يمنح جوش أوكونور الشخصية قدرًا من الهشاشة الإنسانية يجعلها أكثر إقناعًا من كثير من أبطال الخيال العلمي التقليديين.

وفي الجهة المقابلة تقدم إيميلي بلنت واحدة من أهم شخصيات الفيلم وأكثرها توازنًا. فعلى عكس كثير من الأعمال التي تستخدم العلماء كوسيلة لشرح المعلومات للمشاهد، يمنحها السيناريو دورًا أكثر حيوية وفاعلية. فهي لا تمثل العلم بوصفه مجموعة من الإجابات الجاهزة، بل بوصفه محاولة مستمرة لفهم ما لا نفهمه بعد. ولهذا تبدو مساهمتها في الأحداث نابعة من الفضول والتحليل والشك، لا من امتلاك الحقيقة المطلقة.

الفيلم ينجح في تحويل فكرة مجردة إلى تجربة درامية مقنعة
الفيلم ينجح في تحويل فكرة مجردة إلى تجربة درامية مقنعة

أما كولمان دومينجو وكولين فيرث فيمثلان وجهين مختلفين للسؤال نفسه. فبينما ينشغل بعض الشخصيات باكتشاف الحقيقة وفهمها، تنشغل شخصياتهما بعواقبها. الأول أكثر حساسية للزلزال السياسي والاجتماعي الذي قد يسببه الكشف عن هذه المعلومات، بينما يجسد الثاني رؤية أكثر تحفظًا تقوم على الاعتقاد بأن بعض الحقائق قد تكون أخطر من أن تُكشف دفعة واحدة. وبذلك يتجاوز الفيلم الصراع التقليدي بين الخير والشر، ليصبح أقرب إلى مواجهة بين رؤية تؤمن بحق البشر في معرفة الحقيقة مهما كانت صادمة، وأخرى تشكك في قدرتهم على التعامل معها.

من البارانويا إلى الدهشة
من البارانويا إلى الدهشة

من البارانويا إلى الدهشة

لكن النقطة الأكثر إثارة للجدل في Disclosure Day تأتي في منتصفه تقريبًا، حين يبدأ تدريجيًا في الابتعاد عن أجواء المؤامرة السياسية والبارانويا الحكومية التي بنى عليها نصفه الأول، ويتجه نحو مساحة أكثر دفئًا وإنسانية وأقرب إلى سينما الدهشة التي ارتبطت باسم سبيلبرج لعقود طويلة.

في البداية يبدو هذا التحول مفاجئًا بعض الشيء. فالفيلم يقضي وقتًا طويلًا في بناء عالم من الأسرار والوثائق المخفية والصراعات بين المؤسسات الحكومية، حتى يكاد المشاهد يظن أنه يتابع فيلم تشويق سياسي يرتدي قناع الخيال العلمي. لكن مع تقدم الأحداث يتضح أن هذا المسار لم يكن سوى مرحلة تمهيدية. فالمؤامرة ليست الوجهة النهائية للحكاية، بل الجسر الذي يعبر من خلاله الفيلم نحو أسئلته الحقيقية.

 النقطة الأكثر إثارة للجدل في Disclosure Day تأتي في منتصفه
النقطة الأكثر إثارة للجدل في Disclosure Day تأتي في منتصفه

وهنا يعود سبيلبرج إلى الأرض التي يعرفها أكثر من أي مخرج آخر تقريبًا. فبدلًا من الانشغال بالكائنات الفضائية نفسها، يبدأ بالتركيز على مشاعر البشر وهم يواجهون وجودها. ويتراجع السؤال التقليدي: "كيف وصلوا إلى هنا؟" لصالح سؤال أكثر إنسانية: "كيف سنرى أنفسنا بعد اليوم؟".

بينما يعد النصف الأول من الفيلم بتجربة تشويق واقعية ومتوترة، يذهب النصف الثاني إلى منطقة أكثر شاعرية وعاطفية. وقد يكون هذا التحول مصدرًا للإحباط بالنسبة لمن كانوا ينتظرون تصعيدًا أكبر في جانب المؤامرة، لكنه في الوقت نفسه يمثل جوهر المشروع كله. فالفيلم لا يريد في النهاية أن يكون قصة عن أسرار حكومية مخفية، بل قصة عن لحظة إدراك جماعية تغير نظرة البشر إلى مكانهم في الكون.

وهنا تظهر أيضًا إحدى أكثر السمات سبيلبرجية في العمل. فبينما تميل كثير من أفلام الخيال العلمي الحديثة إلى التشاؤم أو التركيز على الكوارث والصراعات، يحتفظ Disclosure Day بإيمان واضح، وربما ساذج أحيانًا، بقدرة البشر على التعلم والتطور والتوحد أمام ما هو أكبر منهم.

 النصف الثاني في الفيلم يظهر أكثر شاعرية وعاطفي
 النصف الثاني في الفيلم يظهر أكثر شاعرية وعاطفي

خيوط درامية معلقة

ورغم ما يملكه Disclosure Day من طموح بصري وعاطفي واضح، فإنه لا ينجح دائمًا في الحفاظ على التوازن بين مكوناته المختلفة. فالمشكلة الأبرز في الفيلم تتمثل في التحول الحاد نسبيًا بين نصفيه. إذ يبدأ العمل كفيلم مؤامرة سياسي متوتر ومشحون بالبارانويا والأسئلة الأخلاقية، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى عمل أكثر دفئًا وعاطفية وانشغالًا بالدهشة الإنسانية. قد نتقبل هذا التحول بوصفه جزءًا من رؤية الفيلم، لكنه يظل انتقالًا قد يبدو مفاجئًا أو غير منسجم بالكامل مع التوقعات التي يبنيها النصف الأول.

رغم الطموح البصري لـ Disclosure Day لكن لا ينجح في الحفاظ على التوازن
رغم الطموح البصري لـ Disclosure Day لكن لا ينجح في الحفاظ على التوازن

كما يعاني الفيلم من قدر من الإطالة في جزئه الأخير. فبعد أن ينجح في بناء حالة قوية من الترقب والتشويق، يبدأ الإيقاع في التباطؤ نتيجة تكرار بعض المطاردات ومحاولات الاختباء والصدام مع السلطات، دون إضافة درامية حقيقية توازي الزمن الذي تشغله هذه المشاهد. وهو ما يقلل جزئيًا من تأثير بعض لحظات الكشف الكبرى التي كان من الممكن أن تأتي أكثر تركيزًا وقوة.

ولا يساعد على ذلك أن بعض الشخصيات المساندة تبدو أقل تطورًا مما توحي به بداياتها. فالفيلم ينجح في بناء حضور قوي لشخصياته الرئيسية، لكنه يمنح عددًا من الشخصيات الواعدة أدوارًا وظيفية أكثر من كونها شخصيات مكتملة الدوافع والمسارات. ولهذا يشعر المشاهد أحيانًا أن الفيلم أكثر اهتمامًا بأفكاره الكبرى من اهتمامه باستكشاف جميع الشخصيات التي تعيش داخلها.

يبدو Disclosure Day أقرب إلى لقاء متأخر بين المخرج وبعض أفكاره القديم
يبدو Disclosure Day أقرب إلى لقاء متأخر بين المخرج وبعض أفكاره القديم

 حوار متأخر

في كثير من اللحظات يبدو Disclosure Day أقرب إلى لقاء متأخر بين المخرج وبعض أفكاره القديمة. ليس على مستوى الحبكة أو الشخصيات فحسب، بل على مستوى الإحساس العام الذي يحاول الفيلم استعادته. ذلك الشعور المميز بالرهبة الممزوجة بالفضول، والإيمان بأن مواجهة المجهول يمكن أن تجعل البشر أفضل مما كانوا عليه، والرغبة في النظر إلى الكون باعتباره مساحة للاكتشاف لا للخوف. وهي أفكار ارتبطت باسم سبيلبرج لعقود طويلة، وعادت هنا بصورة واضحة يصعب تجاهلها.

ولا يعني ذلك أن الفيلم يعيش بالكامل في ظل ماضيه. فالمؤامرات الحكومية، والهواجس المرتبطة بالمعلومات المخبأة عن الجمهور، وحالة الشك المتزايدة تجاه المؤسسات الرسمية، كلها عناصر تنتمي بوضوح إلى عالم اليوم أكثر مما تنتمي إلى سبعينيات أو ثمانينيات القرن الماضي.

ومن هنا تنشأ المفارقة الأكثر إثارة للاهتمام في الفيلم. فكلما اقترب من أفلامه السابقة، ازداد دفئه العاطفي وتأثيره الإنساني. لكن كلما اقترب منها أيضًا، ازداد شعور بعض المشاهدين بأنهم يسيرون فوق أرض مألوفة. ولهذا يمكن النظر إلى Disclosure Day بطريقتين مختلفتين تمامًا: الأولى كعودة مؤثرة إلى الأفكار التي صنعت أجمل أفلام سبيلبرج وأكثرها إنسانية، والثانية كنسخة أكثر نضجًا وأقل جرأة من الأسئلة نفسها التي طرحها قبل عقود طويلة.

Disclosure Day عودة مؤثرة إلى الأفكار التي صنعت أجمل أفلام سبيلبرج
Disclosure Day عودة مؤثرة إلى الأفكار التي صنعت أجمل أفلام سبيلبرج 

إعادة تأمل

وربما تكمن قوة الفيلم وضعفه في هذه النقطة تحديدًا. فهو لا يسعى إلى هدم إرثه أو التمرد عليه، بل إلى إعادة تأمله من منظور أكثر هدوءًا وخبرة. وكأن المخرج لا يحاول أن يقدم بيانًا جديدًا عن المستقبل، بقدر ما يحاول أن ينظر مرة أخيرة إلى الأسئلة التي رافقته طوال حياته المهنية، ليرى إن كانت ما تزال تملك القدرة على إثارة الدهشة نفسها بعد كل هذه السنوات.

قد لا يكون Disclosure Day أكثر أفلام ستيفن سبيلبرج ابتكارًا، وربما لا يضيف الكثير إلى الأسئلة التي شغلته في مراحل سابقة من مسيرته. لكنه يذكرنا بسبب بقاء هذه الأسئلة حية أصلًا. فالمخرج الذي عاد طوال حياته إلى المجهول والسماء والكائنات القادمة من أماكن بعيدة لم يكن مهتمًا بها بوصفها غاية في ذاتها، بل بوصفها وسيلة لفهم الإنسان.

ولهذا يمكن النظر إلى Disclosure Day باعتباره حوارًا متأخرًا بين سبيلبرج وبعض الأفكار التي رافقته منذ بداياته. حوارًا قد لا يحمل كل طزاجة الاكتشاف الأول، لكنه يحتفظ بقدر كبير من الصدق والدفء والفضول، ويقدم مزيدًا من التأملات حول البشر.

الصورة من صفحة الفيلم الرسمية.

ناقد فني وكاتب صحافي متخصص في الثقافة والسينما والدراما، يكتب مقالات نقدية في صحف ومؤسسات إعلامية عربية.