خاص "هي": أبعد من الفوز.. رحلة مانون عويس من التزلج إلى الملاكمة
لا تُروى كل قصص الرياضة عبر الميداليات فقط. أحيانا، تُكتب اللحظات الأكثر تأثيرا بعيدا عن المنصات، في تلك المساحة الصامتة بين السقوط والنهوض، بين نهاية غير متوقعة وبداية لم تكن في الحسبان. هنا تحديدا تبدأ قصة مانون عويس Manon Ouaiss، المتزلجة الأولمبية اللبنانية التي وجدت نفسها فجأة أمام مفترق طرق بعد إصابة منعتها من المشاركة في الألعاب الأولمبية الشتوية 2026 التي أقيمت في ميلانو – كورتينا عن فئة "التزلج الألبي" Alpine Skiing وكادت تنهي مسيرتها. ففي 15 يناير الماضي، جاءت اللحظة الأصعب، حين أعلنت مانون: "حلم أولمبياد 2026 انتهى".
قبل 3 أسابيع فقط من انطلاق الحدث العالمي، كشفت المتزلجة اللبنانية تعرّضها لإصابة قوية أنهت حلم مشاركتها الأولمبية. وأكدت حينها أن الإصابة جاءت بعد يوم واحد فقط من تحقيقها أفضل نتائج في مسيرتها الرياضية، كأفضل متزلجة نشأت وتدرّبت في لبنان، معتبرة ما حصل تجسيداً لـ"الواقع القاسي لرياضة النخبة"، حيث يمكن لسقطة واحدة أن تطيح بسنوات من التضحيات والعمل الشاق. لكن بدلا من التوقف عند تلك اللحظة، اختارت أن تعيد صياغة مفهوم القوة، وأن تبدأ فصلا جديدا بعيدا عن الجبال، داخل حلبة الملاكمة.
رحلة مانون ليست مجرد انتقال من رياضة إلى أخرى، هي حكاية عن إعادة تعريف الهُوية، عن تقبّل الهشاشة، وعن اكتشاف أن القوة الحقيقية لا تُقاس بالانتصارات، بل بالقدرة على النهوض من جديد. في هذا الحوار، تكشف مانون لـ"هي" كيف تحوّل الانكسار إلى نقطة انطلاق، وكيف أصبحت الرياضة بالنسبة إليها مساحة للنمو الشخصي بقدر ما هي مساحة للمنافسة.

عندما تفرض الإصابة على الرياضيين التوقف، يمرّ كثيرون بأزمة هُوية. من كنتِ عندما لم تعودي "المتزلجة"؟
بالنسبة إلى معظم الرياضيين، لا تكون الرياضة مجرد نشاط، بل شغفا وهُوية ومشروع حياة، وأحيانا مصدر رزق. لذلك، عندما تتوقف القدرة على الأداء، أو تتبدد سنوات من التضحيات في لحظة، يبدو الأمر كأن العالم ينهار. لقد عشت جزءا من ذلك.
النشأة الرياضية في لبنان هي نعمة وتحدٍّ في آن واحد. تحدٍّ لأننا نفتقر إلى الموارد والبنية الثقافية التي تصنع رياضيي النخبة في الدول الكبرى. ونعمة لأن معظمنا لا يزال يحظى بطفولة طبيعية. لا برامج تجمع بين الدراسة والرياضة، ونادرا ما تُبنى الحياة بأكملها حول الرياضة. يبقى الهدف الرياضي ثانويا، على الأقل في تلك السنوات الأولى. وهذا ما يترك مساحة لشغف آخر، ولنسخ مختلفة من الذات، ولحياة أكثر اكتمالا خارج ساحة المنافسة. لذلك، عندما توقفت عن التزلج، لم أكن أبدأ من الصفر، بل كنت أتعرف ببساطة إلى الأجزاء الأخرى من شخصيتي وأعمل على تعميقها.
ماذا علّمتكِ الإصابة ولم يستطع الفوز أن يعلّمكِ إياه؟
الإصابة تمنحك عمقا لا يستطيع الفوز أن يمنحه. إنها درس في الصمود والتواضع يمتد أثره إلى ما هو أبعد من الرياضة. الفوز جميل، بلا شك، فهو نتيجة طبيعية للتضحيات والعمل المتواصل، لكنه لا يجعلك دائما أفضل. على العكس، الفشل أو الإصابة قد يحملان دروسا استثنائية. في البداية، يصعب تقبّل ذلك، لكن مع الوقت، تبدأ النتائج الإيجابية في الظهور، وتدرك أن تلك التجربة كانت نقطة تحوّل حقيقية.
العــــودة إلى نـــقـــطــــة البــــدايـــة بعد الوصول إلى المستوى الأولمبي أمر نادر. كيف تختبرين التواضع عندما تجدين نفسكِ فجأة في موقع المبتدئة من جديد؟
إعادة تعلّم أشياء كانت تبدو بديهية كالمشي، هو أمر متواضع بطبيعته. لكنني لا أراه مثل إعادة ضبط كاملة أو بداية من الصفر، بل هو محطة في الطريق قد تقودك إلى مستوى أعلى إذا تعاملت معها بالعقلية الصحيحة. في الواقع، لا تعودين مبتدئة تماما، بل تكتسبين خبرة مختلفة: القدرة على النهوض بعد السقوط. وهذه مهارة لا يمتلكها كثيرون إلا بعد المرور بتجارب صعبة.
عـــشتِ هُويتـــيــــن رياضيتـــين مختـــلفتـــيــــن تماما: التزلج والملاكمة. متى أدركتِ أن القوة أصبحت مرتبطة بالبدء من جديد؟
الملاكمة جاءت بالصدفة. لم يكن بإمكاني الاستمرار في التزلج بوصفها مهنة في لبنان، فبدأت العمل بدوام كامل، وهناك تعرفت إلى الفنون القتالية. كانت أكثر توافقا مع حياة مهنية تقليدية. وبما أنني لا أؤمن بأنصاف الحلول، سرعان ما بدأت التنافس على أعلى مستوى ممكن. التزلج علّمني الالتزام، والملاكمة تطلبت مني أن أطبّق ذلك من جديد، بلغة مختلفة.

التزلج يعتمد على الدقة والسيطرة، بينما الملاكمة تعتمد على المواجهة والحدس. ما الذي كشف عنه هذا التحول في شخصيتك؟
على الرغـــــم من اختـــــــلاف الريــــاضتـــــــين، فـــــــإن هنـــــاك الكثير من القـــــواســم المشـــتــــــركة. فالــــــرياضي المحتـــــرف يملك أساسا قويا ومتعدد الاستخدامات: القوة، الطاقة، التناسق. وعلى المستوى الذهني، تنطبق الأدوات نفسها: التحكم في المشاعر، استخلاص الدروس الصحيحة من الهزيمة، والقدرة على الحضور مجددا في صباح اليوم التالي. تلك المهارات يجب صقلها وتكييفها مع كل اختصاص، لكنها قابلة للانتقال، من رياضة إلى أخرى، ومن المنافسة النخبوية إلى الحياة نفسها. ما كشفته الملاكمة لم يكن شخصا جديدا. بل أكدت شيئا لم أكن قد سميته بعد: الجزء مني الذي يحب المواجهة، والمنافسة، والاستمرار في المضي قدما.
غالـبـــــا ما يتــــــعلّم الريــــاضيــــــون إخفــــاء الهشاشة. كيف تعلمتِ احتضانها وجعلها جزءا من قوتك؟
كنت محظوظة لأنني نشأت وسط أشخاص منحوني الشعور بالأمان. ومع الوقت، أدركت أن إخفاء المشاعر يرهق أكثر مما يحمي. لذلك، سمحت لنفسي بأن أكون هشّة، لأن البديل كان أثقل. الهشاشة ليست ضعفا، بل تصبح قوة عندما نعرف كيف نحولها إلى دافع. كنت محظوظة لأنني نشأت في بيئة مُحاطة فيها بأشخاص جعلوني أشعر بالحب وبأنني مسموعة، ولم أكن بطبيعتي شخصا متحفظا أو متكتما. مع الوقت، ومن خلال الأشخاص من حولي، ومن خلال النضج التدريجي، أدركت أن حمل الكثير على عاتقي، أو إخفاء ما أشعر به، سيكلّفني أكثر مما سيحميني. لذلك نعم، سمحت لنفسي بأن أكون ضعيفة وعرضة للمشاعر، ببساطة لأن البديل كان أثقل. وفي النهاية، أن تكوني ضعيفة أو مُتاحة عاطفيا ليس هو المشكلة. بل على العكس تماما. المهم هو ما تفعلينه بهذه الحالة، وكيف تحوّلينها إلى وقود يدفعك للأمام.

كيف تعرّفين الفوز اليوم بعيدا عن الميداليات والمنصات؟
بعد سنوات من التجارب، أدركت أن الشخص الذي تصبح عليه خلال الرحلة أهم من الهدف نفسه. إنها عبارة متداولة، لكنني شعرت بأنها صحيحة: الطريق أهم من الوجهة. الفوز بالنسبة إلي اليوم هو أن أعمل بصدق، وأن أظهر بأفضل نسخة من نفسي، وبأخلاقيات عمل قوية، وأن أنقل ما تعلمته إلى الجيل الجديد، وأن أقاتل، مهما كانت الظروف. بعد ذلك، تأتي النتائج كما تأتي.
كثير من الرياضيين يخشون إعادة الابتكار، لأنها تبدو فشلا. إذا كانت رحلتكِ ستلهم شخصا واحدا، فماذا تريدين أن يفهم عن الصمود؟
لا توجد طريقة واحدة صحيحة، ولا يوجد دليل إرشادي. ما يبدو صحيحا بالنسبة إليك قد يبدو خاطئا لشخص آخر. المهم أن تختاري ما يجعلك تشعرين بالحياة، لأن هذا ما سيبقى ويُعتدّ به عندما تنظرين إلى مسيرتك وحياتك لاحقا.