كيف سيحافظ المشهد الفني السعودي على هذا الحراك المزدهر ؟ الفنان عبدالرحمن السليمان يجيب لـ"هي"
شهد الفنان التشكيلي السعودي عبدالرحمن السليمان مسيرة الفن السعودي منذ بداياتها الأولى، وواكب التحولات التي نقلت المشهد من اجتهادات فردية متفرقة إلى حراك فني وثقافي متكامل يحظى بالدعم المؤسسي والاهتمام المحلي والدولي. وإلى جانب تجربته الفنية الممتدة لأكثر من خمسة عقود، أسهم الكاتب السليمان في توثيق تاريخ الحركة التشكيلية السعودية، ما منحه رؤية تجمع بين خبرة الفنان ووعي الكاتب.
وفي حديثه لـ"هي"، يستعيد ملامح هذا التحول الكبير الذي نقل الفن السعودي إلى مرحلة جديدة من الحضور والتأثير، ويتحدث عن التحديات التي تواكب هذا الازدهار، ومستقبل الهوية الفنية السعودية، والعوامل التي تضمن بقاء الفن إرث ثقافي حي للأجيال المقبلة.

الازدهار يبدأ بالمحافظة على المكتسبات
بعد كل ما شهده الفن السعودي من تحولات خلال العقود الماضية، يرى عبدالرحمن السليمان أن المرحلة المقبلة لا تقل أهمية عن المراحل السابقة. يوضح السليمان لـ"هي" قائلًا: "علينا أن نحافظ على هذا المكتسب، فإذا وصل فننا إلى هذه المرحلة فنحن بحاجة إلى أن نستفيد من كل الإنجازات التي هُيئت، وبالتالي وجب تنمية أو تطوير هذا المتاح لتحقيق إنجاز أعلى."
ويكمل الحديث: "الازدهار يعني انتظام العمل وتأثيره وانتشاره وتقدير المجتمع له، أي أننا نضمن حضورًا وفهمًا وتقديرًا، وأن الإقبال سيمتد إلى الاقتناء بشكل أوسع وأدق، ومنح الفنانين مكانة وقيمة من خلال تقديم أسمائهم وأعمالهم في المتاحف والإعلام وكل ما يمنح فننا قيمته وخلوده."
ويشير السليمان إلى أن المشهد الفني السعودي يعيش اليوم حالة من الحيوية والنشاط، في ظل التنافس بين عدد من المؤسسات الخاصة، إلى جانب البرامج المقننة والواضحة التي تسهم في رفع القيمة الفنية على مستوى المؤسسات الحكومية. ويستشهد في هذا السياق بتجربة معهد مسك للفنون، الذي يقدّم منذ تأسيسه برامج وأنشطة نوعية، تجلت في عروضه الانتقائية وإقاماته الفنية ومعارضه الفردية، إلى جانب مبادرات مثل معرض الفن عبر الخليج العربي، ومعرض «من حولهم»، وإصدارات مكتبة الفن، فضلًا عن حضوره الخارجي والدولي.
دعم الفنان والمؤسسة والذاكرة الفنية منظومة واحدة
وإذا كان الحفاظ على المكتسبات هو التحدي الأبرز في المرحلة المقبلة، فإن السليمان يرى أن استدامة المشهد الفني تتطلب العمل على أكثر من مستوى في الوقت ذاته.
يوضح ذلك قائلًا: "بناء الفنانين ضرورة ومنطلق، وبناء المؤسسات احتواء ودعم، وحفظ الذاكرة هوية وشخصية ننطلق منها، أو على الأقل نستفيد مما يمكن أو مما هو أكثر خصوصية وارتباطًا بحاضرنا، وتجديد الممكن منها بناءً على اختلاف الفنانين وأساليبهم الإبداعية أو الفكرية."
ويتابع: "وبالتالي هي منظومة تتكامل بالعمل ودعمها وتشجيع القائمين عليها لينتشر فننا ونؤثر به، وبالتالي نحفظه كموروث ثقافي ومعرفي، وتعبير عن هوية وشخصية سعودية."

الفن يحتاج إلى عين خبيرة تكتشف المتميز
وفي ظل هذا التوسع المتسارع الذي يشهده المشهد الفني، يتوقف السليمان عند أهمية المحافظة على جودة المنجز الفني واكتشاف المواهب الحقيقية.
قائلًا: "المشهد ينطلق بتسارع والأسماء تتزاحم، لكننا أيضًا معنيون باحتواء الكل وفرز ما يمكن وتقديم الأميز، ورعاية المتميز أو المختلف ودعم من نرتجي منه، أي السعي لاكتشاف المواهب الحقيقية والنتاج الأصيل."
ويضيف: "وأن يكون هذا الدور للمؤسسة الرسمية أكثر من الحاضنات الخاصة التي لا نستغني عنها أيضًا، مع مراعاة ألّا يكون ذلك على حساب المستوى. الفن يحتاج دومًا إلى عين فاحصة وقادرة على التمييز، خبيرة يمكنها التوجيه وفق ما يحقق المزيد من النتائج الإيجابية التي تضيف وتفتح آفاقًا وتكسب دومًا وجوهًا مبدعة."
الحضور المحلي والانفتاح الدولي وجهان لاستمرار الفن
ويرى السليمان أن ازدهار المشهد الفني ينعكس أيضًا على حضوره في الحياة اليومية، وعلى اتساع دائرة التفاعل معه داخل المملكة وخارجها.
يقول: "الكل يطمح أن يبقى الفن إرثًا حقيقيًا، وهو في الواقع كذلك، لكننا أيضًا نمر بتحولات في تلقي الفن، ابتداءً بأن أصبحت له مواقعه الخاصة ومراكزه مع تنوع أوجهه."
ويكمل الحديث: "عندما يصبح العمل الفني جزءًا من يومنا ونبدأ في اقتناء الأعمال الفنية المحلية والأجنبية وتتوفر بين أنظارنا، إضافة إلى أن نستقطب من الخارج زوارًا لفعالياتنا وأنشطتنا وبرامجنا التي يشترك فيها الأجنبي معنا وتتوازى مشاركاتنا وحضورنا معه في الخارج، ليس صعبًا أن يكون الفن إرثًا فنيًا بالنسبة لنا."
ويضيف: "عندما نقدر الفنان أولًا ونقدر إنتاجه ونربطه بالثقافة المحلية والهوية، وأنه جانب يقدمنا ويعرف بنا ويميزنا في الخارج، وهو الفعل الحقيقي الذي من خلاله يبقى الفن ويبقى تأثير وأثر الفنان أو المبدع، والإعدادات الفنية بكل توجهاتها وتأثيرات تحولات الفن واضح وجودها وحراكها."

الانفتاح على العالم يبدأ من معرفة الذات
ومع اتساع حضور التجارب العالمية وتزايد فرص التبادل الثقافي، يؤكد السليمان أهمية الاستفادة من الخبرات المختلفة مع الحفاظ على خصوصية التجربة السعودية.
يقول: "ليس صعبًا أن نختار ما هو أميز عندما يشترك السعودي مع الخبرة الأجنبية، يمكننا الاختيار والتوجيه وعدم الوقوع في المقلد أو المنسوخ. ونحن في خضم هذا التسارع والركض والسعي للحضور الأجنبي أو الخارجي نجد بعضنا مقلدين أو مكررين أو متأثرين على نحو مباشر وواضح."
ويتابع: "نحن لا نحتاج إلى ذلك حتى في بداياتنا لأن لدينا تاريخًا وثقافة خاصة، وأيضًا تجربة فنية، ليس بالضرورة هي تجربة الفنون الحديثة أو المعاصرة بقدر ما نراه في محيطنا، أما من آثار أو استخدامات أو ممارسات فطرية، ونحن قادرون على استلهامها والاستفادة مما يمكن، ومقدمين أنفسنا أو زمننا وقضايانا سواء الفكرية أو الجمالية."
الهوية الفنية ابنة عصرها
ومن حديثه عن الخصوصية الثقافية، ينتقل السليمان إلى مفهوم الهوية الفنية ومصادر تشكلها عبر الزمن.
يوضح: "لا يمكن أن تحقق العودة إلى التراث هوية فنية لأن التراث يبقى منتج زمنه، ونحن لنا زمننا وظروفنا وتحولاتنا وهويتنا الخاصة وعصرنا بكل مشمولاته ومنتجه."
ويكمل الحديث: "فالمتغيرات واضحة، والتسارع في مواكبة العصر وإنجازاته يتحقق في العديد من الأوجه، والفن وجه هام في تحقيق الهوية والشخصية المحلية. فالتنويع وتعدد المصادر يحقق ويؤثر ويجدد ما هو أكثر استجابة من أن نعود ونكرر التراث السابق، لأنه جزء مما يمكننا تناوله أو استثماره لتحقيق جانب فني وثقافي أشمل."

التجارب الباقية هي الأقرب إلى بيئاتها
ويجد السليمان أن كثيرًا من التجارب السعودية التي حافظت على حضورها عبر العقود تقدم مثالًا واضحًا على العلاقة بين الهوية والبيئة المحلية.
يقول: "التجارب السعودية الحاضرة هي ابنة زمنها وتنطلق غالبًا من سعي ووضوح وتوجه لتحقيق الشخصية المحلية، ولذا فالتنوع صفة واضحة في العديد من التجارب، والتميز أيضًا يظهر من خلال شخصية الفنان وطريقة تفكيره وأدائه الفني."
ويضيف: "والفنانون السعوديون في جزء من تحقيق الهوية يعودون إلى بيئاتهم وجغرافياتهم، وهي مختلفة ومتنوعة وحيوات تتمايز وتختلف، وبالتالي نجد ابن جدة أو مكة وجيزان والمدينة والأحساء والرياض والقصيم وأبها وحائل وغيرها، تتضح مرجعية الفنان في جل أعماله، وهي مرجعية ضمن تقديم تتماهى فيه عدة جوانب من تعليم وخبرات وشخصية وعوامل داخلية ونفسية أو تأثيرات خارجية أو غير ذلك."
المؤسسات والمتاحف تصنع ذاكرة المستقبل
ويختتم السليمان حديثه بالنظر إلى مستقبل المشروع الثقافي والفني السعودي، مؤكدًا أن مؤشرات النجاح بدأت بالظهور بالفعل من خلال التوسع المؤسسي والمشاريع الثقافية الكبرى التي تشهدها المملكة.
"بوادر النجاح بالنسبة لي ظاهرة، وهي تتحقق بفعل هذا الاستمرار أو التسارع في النمو، فقد كانت البدايات المبكرة طبيعية وتمر على كل الفنانين في كل الدول والعالم، ورعاية المؤسسات أسهمت في نقل الجهود المبعثرة إلى عمل مؤسسي، وهي الأقدر على تبني ورعاية أكثر وأشمل."
ويضيف: "وبعد أن ظهرت وزارة الثقافة ومعهد مسك للفنون بالرياض ومركز إثراء بالظهران والمؤسسات الخاصة والمشاريع الكبرى، بدأت الأمور في طريق أكثر اتساعًا وتنوعًا وغنى. هناك الآن المؤسسات الخاصة، ولنقارن أعدادها عما كان قبل عشرين عامًا، والمشاريع الكبرى كملتقيات النحت مثلًا، أو حركة الاقتناء من الوزارات أو غيرها، والمناسبات التي تقام سنويًا أو شبه ذلك، مثل: بينالي الدرعية للفن المعاصر، وبينالي الفنون الإسلامية، ونور الرياض، وبينالسور، وملتقى طويق."
ويختتم حديثه بالتأكيد على الدور الذي ستلعبه المتاحف في حفظ الذاكرة الفنية السعودية وتعزيز حضورها عالميًا: "وأيضًا مشاريع المتاحف التي سيكون لها أكبر الأثر في حفظ الموروث الفني ومنحه قيمته، ولفت أنظار العالم والمهتمين بالفن إلى المملكة كمركز فني وثقافي لديها من النتاج الفني والإبداعي ما يواكب النتاج الفني على مستوى العالم."
الصورة الرئيسية من عدد سبتمبر لمجلة "هي" 2021