المعمارية السعودية سلوى سمرقندي تجيب "هي" كيف تواصل البيئة السعودية تشكيل طريقة عيشنا اليوم؟
في مشاريعها الممتدة بين المواقع التاريخية والدينية، تقود المعمارية والباحثة في التراث سلوى سمرقندي مشاريعها انطلاقًا من سؤال يرتبط بالمكان أكثر من المبنى نفسه: كيف يمكن للعمارة أن تعبر عن البيئة التي تنشأ فيها وتحافظ على صلتها بالإنسان؟
ومن خلال أعمالها التي تشمل محطة وقود جنوب العلا وأعمال ترميم مسجد عمار بن ياسر ومسجد عمر بن عبدالعزيز، تواصل استكشاف العلاقة بين المناخ والذاكرة والثقافة المحلية بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل التجربة المعمارية.
تتحدث سمرقندي لـ"هي" عن تأثير البيئة السعودية في طريقة عيشنا اليوم، وعن القيم التي لا تزال تشكل العمارة المعاصرة، من الضوء والمواد الطبيعية إلى الإحساس بالانتماء وروح المكان.

الراحة بوصفها شعوراً بالانتماء
تستحضر سلوى في حديثها دروس العمارة السعودية التقليدية التي طورت عبر الأجيال فهماً خاصاً لمعنى الراحة، وتقول: "تُعلّمنا العمارة السعودية التقليدية أن الراحة لا تكمن في عزل الإنسان عن الطبيعة، بل في إيجاد حالة من الانسجام معها. فالضوء المتغير على مدار اليوم، ودفء الأرض، وملامس الحجر والطين، والألوان الترابية التي تميز المشهد الطبيعي، كلها عناصر ساهمت عبر الأجيال في تشكيل علاقتنا بالمكان وفهمنا لمعنى الراحة والانتماء".
وترى سمرقندي أن هذه العلاقة ما تزال تؤثر في كيفية اختبار الناس للمساحات المعاصرة اليوم، وأن إعادة قراءة هذه العناصر البيئية بلغة معمارية حديثة تتيح خلق أماكن تلبي احتياجات الحاضر وتحافظ على صلتها العميقة بالمكان.
المواد الطبيعية وذاكرة المكان
في العديد من مشاريعها، تبرز المواد الطبيعية كعنصر أساسي في تشكيل الفراغات. وعلى ذلك توضح سلوى: "لا أرى أن استخدام المواد الطبيعية أو تشكيل الفراغات في مشاريعنا هو خيار جمالي بحت، بل هو امتداد لطريقة عيش وثقافة تشكلت عبر علاقة طويلة بين الإنسان وبيئته".
ومن خلال عملها على المواقع التاريخية والدينية، تعمق فهمها لهذه العلاقة التي ربطت الإنسان السعودي ببيئته عبر القرون. وتقول: "العمارة التقليدية في المملكة نشأت من فهم عميق للمناخ والموارد المحلية واحتياجات المجتمع، ما أوجد علاقة متوازنة بين الإنسان ومحيطه".
وتصف المواد الطبيعية بأنها حوامل للمعرفة والذاكرة المتوارثة، مضيفة: "كل حجر، وكل طبقة طين، وكل تفصيلة يدوية تحكي قصة عن المكان والناس الذين عاشوا فيه وأسهموا في تشكيل هويته".

التراث بوصفه مصدر إلهام للمستقبل
تؤكد سلوى أن قيمة العمارة التقليدية تكمن في المبادئ التي أنتجتها أكثر من الأشكال التي عُرفت بها، وتقول: "عندما يقتصر التعامل مع التراث على إعادة إنتاج تفاصيله الشكلية، قد تتحول العمارة إلى ممارسة يغلب عليها الحنين للماضي. أما عندما نفهم المبادئ التي أنتجت تلك العمارة مثل الاستجابة للمناخ، والاعتماد على الحرف المحلية، وتعزيز الروابط الاجتماعية، والارتباط العميق بالمكان، يصبح بالإمكان إعادة تفسيرها بما يتلاءم مع احتياجات الحاضر".
وترى أن العمارة المعاصرة تستفيد من هذه المبادئ لتطوير لغة جديدة تعبر عن زمنها، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرارية العلاقة بين الإنسان ومحيطه الثقافي والبيئي.
وتؤمن سمرقندي كذلك بأن لكل مكان شخصية خاصة تستحق الإصغاء إليها قبل أي تدخل معماري، وتقول: "أؤمن أن لكل مكان صوتًا خاصًا به. وقبل أي تدخل معماري، أحرص على الإصغاء إلى هذا الصوت؛ من خلال تاريخه، وأهله، وطبيعته، والذكريات التي ارتبطت به عبر الزمن". وتعتقد أن نجاح أي مشروع يتحقق عندما يشعر الناس بأن المكان ما زال مألوفاً رغم تطوره، وأن التغيير جاء امتداداً طبيعياً لمسيرته.
رفاهية مرتبطة بالإنسان
مع تغير مفهوم الرفاهية عالمياً، تلاحظ سلوى تحولاً واضحاً في أولويات الناس. إذ تقول: "في عالم يتسم بالسرعة والتشبع البصري المستمر، أصبحت قيم مثل الهدوء، والخصوصية، والضوء الطبيعي، والارتباط بالطبيعة، وجودة التجربة اليومية، من أبرز أشكال الرفاهية التي يبحث عنها الناس اليوم".
وتضيف: "الرفاهية الحقيقية تكمن في قدرة العمارة على تحسين الحياة اليومية؛ من خلال خلق بيئات تمنح الإنسان فرصة للتأمل، والشعور بالسكينة، وبناء علاقة أعمق مع ذاته ومجتمعه ومحيطه".
وبالنسبة لها، فإن قيمة المكان لا تقاس بحجمه أو حضوره البصري فحسب، وإنما بقدرته على توفير تجربة يومية أكثر اتزاناً وارتباطاً بالإنسان.

مستقبل السكن في المملكة
وعند الحديث عن المستقبل، ترى سلوى أن العمارة السكنية في المملكة تتجه نحو فهم أكثر عمقاً لمعنى المنزل ودوره في الحياة اليومية. وتقول: "أصبح الاهتمام يتجاوز الشكل المعماري ليشمل الكيفية التي يدعم بها المنزل أنماط المعيشة والتواصل والراحة اليومية".
وتضيف: "أعتقد أن مستقبل المباني السكنية في المملكة يكمن في تصميم بيوت تنتمي إلى زمنها، لكنها في الوقت ذاته تعكس روح المكان وثقافته، وتمنح سكانها شعوراً حقيقياً بالراحة والانتماء".
وفي رؤية سلوى سمرقندي، تظل البيئة السعودية حاضرة في تفاصيل العمارة المعاصرة أكثر مما تبدو عليه للوهلة الأولى؛ في الضوء والمواد المحلية، وفي علاقة الإنسان بمحيطه، وفي القيم التي تستمر في تشكيل المكان جيلاً بعد جيل.
جميع الصور من المعمارية سلوى سمرقند لـ"هي"