"استوديو توت" يعيد إحياء أدوات المطبخ الشامية التقليدية في المنازل العصرية
في ظل التحول المتزايد الذي يشهده عالم التصميم بعيدًا عن ثقافة الاستهلاك القائمة على الإنتاج الضخم، يبرز من لبنان توجه ثقافي غير متوقع يسير عكس التيار السائد في محاولة لإعادة إحياء التراث المحلي. وفي هذا السياق، يقدم "استوديو توت"، دار التصميم اللبنانية الطليعية التي أسستها ميريام أبي طراباي، مجموعةً مميزة تجمع بين التراث الشامي العريق وفلسفة "العيش البطيء" العالمية.
يُقدّم "استوديو توت" نسخًا مصغّرة ومبتكرة من أدوات الطهي التراثية تشمل طقم صاج مصغّر أنيق جاهز للاستخدام على المواقد، بالإضافة إلى كركة (أداة تقطير) مصغّرة مصنوعة من النحاس الأحمر ومخصصة للاستخدام المنزلي. وفي حين أن الأواني النحاسية الفاخرة والقطع التراثية المصنوعة يدويًا عادةً ما تكون حكرًا على فئة محدودة نظرًا لارتفاع أسعارها، يسعى "استوديو توت" إلى جعل هذه المنتجات الأصيلة المصممة محليًا في متناول شريحة أوسع من المستهلكين، وإتاحتها بأسعار معقولة بما يتناسب مع متطلبات مطابخ الشقق العصرية.

التصدي لتآكل التراث الثقافي من خلال الممارسات اليومية
أدت أنماط الحياة العصرية التي انتشرت مؤخرًا إلى تراجع ارتباط الأفراد بجذورهم الثقافية، كما بدأت المعارف والمهارات المرتبطة بالحرف التقليدية تتلاشى تدريجيًا. وفي مواجهة هذا الواقع، يسعى "استوديو توت" إلى صون هذا التراث والحفاظ على استمراريته. وقد ساهمت الأزمات الاقتصادية المتلاحقة في لبنان في تعميق التحديات التي يواجهها الحرفيون، مما زاد من الضغوط التي تهدد استدامة حرفهم. ومن هذا المنطلق، يتبنى "استوديو توت" نهجًا يجمع بين التصميم والأثر الاجتماعي، من خلال التعاون المباشر مع الحرفيين المحليين المهرة لتوفير دعم اقتصادي حيوي يضمن بقاء حرفهم.
وتتمثل الرسالة الأساسية للعلامة التجارية في إعادة دمج هذه الأدوات التقليدية في المطابخ بما يعزز الصلة بين التراث والحياة المعاصرة، لا في التمسك بأسلوب حياة ينتمي إلى الماضي. ومن خلال إحياء ممارسات الطهي التقليدية الغنية بالتجارب الحسية وإتاحتها للمنازل الحديثة بأسلوب ميسّر، تسهم العلامة في ضمان استمرار هذه التقاليد وتطورها بما يواكب العصر، بدلًا من أن تندثر مع مرور الوقت.
الموازنة بين الأصالة الحرفية والإنتاج واسع النطاق

في ظل الارتفاع الكبير في أسعار النحاس الأحمر الخام والخشب المنحوت يدويًا، أصبحت أدوات المطبخ التراثية سلعًا فاخرة باهظة الثمن. واستجابةً لهذا الواقع، يسعى "استوديو توت" إلى إعادة صياغة هذه المعادلة من خلال تحسين آليات الإنتاج بالتعاون مع الحرفيين المحليين، بهدف جعل المنتجات التراثية أكثر سهولة في الاقتناء ومتاحة لشريحة أوسع من المستهلكين.
ولتلبية احتياجات عشاق التصميم حول العالم والطلبات الكبيرة على أدوات الطهي على حد سواء، تحرص ميريام على تشجع شركائها من الحرفيين على الموازنة بين الحرفية التقليدية وأساليب الإنتاج الأكثر كفاءة وقابلية للتوسع. وتتجنب مجموعتها الإنتاج الصناعي الضخم، معتمدةً بدلًا من ذلك على مزيج يجمع بين دقة التصنيع بمساعدة الآلات واللمسات النهائية اليدوية المتقنة، بما يضمن تقديم منتجات عالية الجودة لكن بكميات كبيرة.
- طقم الصاج المصغّر: نسخة صغيرة الحجم من الصاج ذي السطح المقبب المستخدم قديمًا في إعداد الخبز اللبناني التقليدي. يتوفر الطقم بخيارَي الفولاذ الكربوني والفولاذ المقاوم للصدأ، ويضم ملعقة مزدوجة الاستخدام مصنوعة من خشب الزان، بالإضافة إلى حقيبة سفر يمكن تحويلها إلى "كارة"، وهي المخدة التقليدية المحشوة المستخدمة في فرد العجين.
- الكركة المصغّرة (أداة تقطير): جهاز تقطير منزلي صغير الحجم يتميز بمكونات مصنوعة من النحاس الأحمر الفاخر. وقد صُنعت الأجزاء الخشبية بحرفية عالية من خلال النحت اليدوي، فيما خضعت القطعة بأكملها للمسات نهائية يدوية متقنة. وفي حين تُعد أجهزة التقطير النحاسية التقليدية باهظة الثمن، يتيح هذا الإصدار العملي والميسور التكلفة لسكان المدن تقطير ماء الورد العضوي، وماء زهر البرتقال، والزيوت العطرية وغيرها الكثير مباشرةً على طاولة المطبخ العادية.

تقول ميريام أبي طراباي، مؤسِّسة "استوديو توت" ومديرته الإبداعية: "نؤمن بأن التراث لا ينبغي أن يكون سلعة فاخرة باهظة الثمن يصعب على الكثيرين اقتناؤها. لذا نهدف إلى تمكين الشباب الشغوفين بفنون الطهي، ممن يسكنون شقق المدن، من امتلاك قطع أصيلة من تاريخ بلاد الشام من دون تكبّد أعباء مالية. ومن خلال إعادة تصميم هذه الأدوات بما يتناسب مع الذوق العصري والمواقد الحديثة، نسعى إلى جعل التراث قابلًا للاستخدام العملي، ومتاحًا لشريحة أوسع من المجتمع، وأكثر ارتباطًا بواقع حياتنا المعاصرة".
تحية إلى دودة القز: المعنى الكامن وراء الاسم "توت"

تستمد العلامة التجارية هويتها من قصة تاريخية ملهمة تجسد معاني الصمود والقدرة على التكيف. ويحمل اسم "استوديو توت"، المستوحى من شجرة التوت، دلالة خاصة بوصفه تكريمًا لصناعة الحرير التي ازدهرت في ريف لبنان مطلع القرن العشرين. فحين رفض عمال الحرير الخضوع للمشرفين الأجانب، اتجه أصحاب المصانع إلى توظيف النساء المحليات، اللواتي أصبحن مصدر الدخل الرئيسي لأسرهن، في تحول أسهم في إعادة تشكيل الواقعَين الاجتماعي والاقتصادي في بلاد الشام.
ويواصل "استوديو توت" تجسيد هذه الروح القائمة على الصمود الاقتصادي المدفوع بالمجتمع من خلال صياغة قصة معاصرة يُسهم فيها التصميم في تمكين الأفراد والمجتمعات.