مؤسسات دار خنفس لـ "هي": ننهج التأني لتأليف كتب توثق حرفنا وموروثنا
لا يمكن اختصار توثيق الحرفة والموروث في مشروع سريع أو إنتاج عابر. فبعض الكتب تحتاج إلى سنوات من البحث والتقصي والتحرير حتى تخرج إلى النور. من هذا الإيمان بالعمل طويل المدى تشكلت رؤية دار خنفس، التي تتعامل مع النشر بوصفه ممارسة ثقافية تجمع بين التوثيق والسرد والتصميم.
تتحدث "هي" مع مؤسسات دار خنفس؛ ماريا عالم، العضو المؤسس ومحررة كتابي "حكايات رجب" و"رفيق الدرب"، ولمى عالم، العضو المؤسس ومؤلفة كتاب "حكايات رجب"، وهيا باخشب، العضو المؤسس، عن البدايات التي شكلت رؤيتهن للنشر، والدروس التي تركتها التجارب طويلة المدى، وأهمية الحرفة والتفاصيل في بناء مشاريع ثقافية تتجاوز إيقاع اللحظة وتراهن على الأثر الباقي.
التجربة التي سبقت خنفس… مع صفية بن زقر أروى عبد اللطيف
من بين التجارب التي تركت أثر عميق في مسيرة الفريق، تبرز تجربة ماريا عالم في العمل على كتاب "درزة" الذي أطلقته الراحلة صفية بن زقر وصدر عن دار النشر "ريزولي"
حيث تقول ماريا عالم: "كانت تجربة العمل على الكتاب بمثابة مدرسة في العمل المتأني الجاد؛ فقد كانت كل من صفية بن زقر وأروى عبد اللطيف حريصتين جداً على تقديم محتوى ذي جودة عالية، يحافظ على التراث السعودي المتنوع والثري."

وتستذكر ماريا كيف كانت صفية بن زقر تشرف بنفسها على كل سطر وكلمة، وتتحرى صحة المعلومات وقد انعكس هذا النهج في جودة المشروع النهائي؛ إذ أكد المحررين أن المادة التي وصلت إليهم كانت استثنائية ولم تتطلب أي تعديلات جوهرية . كما شكل اهتمامها ببناء مكتبة بحثية متخصصة درس مهم في قيمة المراجع الرصينة وأهمية تأسيس قاعدة معرفية قوية لأي مشروع ثقافي.
وتضيف: "لقد تركت هذه التجربة الفريدة أثراً بالغاً في مسيرتي المهنية، وصاغت رؤيتي التحريرية التي نقلتها لاحقاً إلى دار خنفس للنشر، مستلهمةً من مدرسة صفية بن زقر الشغف بالتوثيق، والالتزام بأعلى معايير الجودة، والإيمان بالمسؤولية تجاه حفظ الموروث المحلي وتمريره للأجيال القادمة."
من هنا بدأت الحكاية
انطلقت خنفس من رغبة في البحث عن طرق مختلفة لسرد الثقافة المحلية والاقتراب من قصصها وتفاصيلها اليومية. تقول ماريا عالم: "وُلدت فكرة خنفس من شغف عميق بالثقافة المحلية وبالطرق المختلفة التي يمكن من خلالها توثيقها وإعادة سردها. لطالما شعرنا أن هناك قصصًا وممارسات يومية وذاكرة ثقافية غنية لا تجد دائمًا المساحة التي تستحقها، وأن هناك حاجة إلى منصات تحتفي بهذه القصص وتقدّمها بطريقة معاصرة وإبداعية."

وترى ماريا أن النشر لم يكن بالنسبة للفريق مجرد إنتاج للكتب، بل ممارسة ثقافية تجمع بين البحث والتوثيق والتصميم والسرد، وتسعى إلى بناء معرفة جديدة وفتح مساحات للحوار والتأمل من خلال الكتاب بوصفه وسيلة لفهم الثقافة وإعادة تقديمها للأجيال الحالية والقادمة.
الكتب التي تستحق أن يُقضى معها الوقت
بالنسبة للفريق، تبدأ رحلة الكتاب قبل وقت طويل من وصوله إلى القارئ وتوضح لمى عالم قائلة: "لا نتبع قالب واحد في اختيار المشاريع، لكننا نبحث دائمًا عن الأفكار التي تحمل قيمة ثقافية أو معرفية حقيقية، وتقدم منظور جديد أو تطرح أسئلة تستحق الاستكشاف."
وتكمل الحديث:" نهتم بالمشاريع التي تنبع من بحث جاد، والتي تمتلك القدرة على بناء علاقة طويلة الأمد مع القارئ، بدلًا من الاكتفاء بالتفاعل اللحظي." وتضيف أن رحلة إنتاج الكتاب لا تقل أهمية عن الكتاب نفسه.
إذ قد تستغرق بعض المشاريع سنوات من البحث والتحرير والتصميم، كما تعتمد خنفس على التعاون مع كتّاب وباحثين وفنانين ومؤرخين وحرفيين، إيمانًا بأن تداخل التخصصات يمنح العمل أبعادًا أكثر ثراءً.

حين يصبح الملمس جزءًا من الحكاية
في خنفس، لا ينفصل المحتوى عن شكله النهائي، بل يتطور الاثنان معًا منذ المراحل الأولى للمشروع. وتشير هيا باخشب، إلى أن الحرفة هي العامود الأساسي في عمل خنفس تقول: " ننظر إلى كل مشروع بشكل شمولي، لذلك لا نهتم فقط بجودة المحتوى، ولكن نهتم أيضًا بالكيفية التي يقدم بها هذا المحتوى. فالكتاب بالنسبة لنا تجربة متكاملة يعيشها القارئ لا مجرد نصوص مكتوبة."
وتؤكد أن اختيار الورق، والطباعة، والتجليد، وتصميم الصفحات ليست قرارات جمالية منفصلة، بل عناصر تشارك في بناء السرد نفسه، وتساهم في تعميق تجربة القراءة وتعزيز العلاقة بين القارئ والعمل.
دفاعًا عن التأني
وسط إيقاع سريع يفرض نفسه على مختلف الصناعات الإبداعية، يتمسك فريق خنفس بقيمة الوقت بوصفه جزءًا من جودة العمل. وتقول هيا باخشب: " أكثر ما نحاول الحفاظ عليه هو قيمة التأني. في وقت أصبحت فيه صناعة المحتوى مرتبطة بالسرعة والدورات الإنتاجية المتسارعة، نؤمن بأهمية منح المشاريع الوقت الكافي للبحث والنضج والتطور."
وترى أن الكتاب المطبوع يتطلب مستوى عاليًا من الإتقان، لأن كل مرحلة من مراحله، من البحث والتحرير إلى التصميم والطباعة، تسهم في بناء عمل عميق ومستدام، بعيدًا عن منطق الإنتاج السريع المرتبط باللحظة.