موزة الفالسي: الحزن لا ينتهي... بل يتخذ أشكالاً جديدة داخلنا

موزة الفالسي: الحزن لا ينتهي... بل يتخذ أشكالاً جديدة داخلنا

2 يونيو 2026

في معرضها الفردي الأول "تبّين" المقام في "تشكيل" بدبي، تفتح الفنانة الإماراتية موزة الفالسي مساحة للتأمل في الذاكرة والفقد وما يبقى منا بعدهما. عبر أعمال تجمع بين التصوير الفوتوغرافي والرسم والصوت والمواد المختلفة، لا تسعى الفالسي إلى استعادة الأماكن أو توثيقها بقدر ما تلاحق آثارها العاطفية وما تتركه داخلنا من صدى.

يتناول المعرض مفاهيم الذاكرة والحزن والانتماء من خلال مقاربة شخصية تتقاطع مع أسئلة أوسع حول الهوية والذاكرة الجماعية وما ينتقل عبر الأجيال من مشاعر وتجارب. في هذا الحوار مع "هي"، تتحدث الفالسي عن الحزن الموروث، والبيت بوصفه حالة شعورية أكثر منه مكاناً، والدور الذي يمكن أن يلعبه الفن في مواجهة الفقد.


الحزن الموروث والذاكرة الجماعية

يستكشف معرض "تبّين" الحزن والذاكرة والمشاعر الموروثة بطريقة حميمة للغاية. متى بدأتِ تدركين أن الحزن ليس مجرد تجربة شخصية، بل شيئاً يمكن أن يشكل الهوية عبر الأجيال؟

بدأتُ التفكير في الحزن باعتباره تجربة موروثة وجماعية من خلال تأملي في أشكال الصدمات العابرة للأجيال، خصوصاً في التجربة الفلسطينية. شدّني التساؤل حول كيفية تحول الحزن من حالة عاطفية فردية إلى عنصر متجذر في الذاكرة والهوية، بل وحتى في الجسد عبر الأجيال.

غيّر ذلك فهمي للحزن، فلم أعد أراه أمراً شخصياً فحسب، بل تجربة تاريخية وجماعية. وكنت مهتمة بفكرة أن مشاعر الفقد والتهجير والصدمات غير المحسومة يمكن أن تستمر في التأثير على حياة أشخاص لم يعيشوا الحدث الأصلي بشكل مباشر، لكنهم يحملون ثقله العاطفي. ومن هنا جاء معرض "تبّين" كتأمل في كيفية انتقال الذاكرة والحزن عبر الزمن، وتأثيرهما في فهمنا لأنفسنا ولمعنى الانتماء.

بين التجربة الشخصية والذاكرة الجماعية

تتحدثين في أعمالك عن الفقد الشخصي والذاكرة الجماعية في الوقت نفسه. كيف تتنقلين بين هذين المستويين داخل ممارستك الفنية؟

أرى أن التجارب الشخصية لا تنفصل تماماً عن السياقات الجماعية. فالكثير من مشاعر الفقد والحنين والانتماء التي نعيشها بشكل فردي ترتبط بتاريخ أكبر منا. أحاول أن أترك مساحة يلتقي فيها الخاص والعام، بحيث تنطلق الأعمال من تجربة شخصية لكنها تبقى مفتوحة أمام قراءات وتجارب الآخرين.

البيت كذاكرة لا كمكان

يحضر مفهوم "البيت" بقوة في المعرض، لكنه لا يظهر بصورة مباشرة أو حرفية. ما الذي دفعكِ إلى مقاربة البيت بوصفه شعوراً وذاكرة أكثر منه مكاناً مادياً؟

في "تبّين"، لا يمثل البيت مكاناً ثابتاً بقدر ما يمثل مساحة عاطفية ونفسية نحملها معنا. كنت مهتمة بالطريقة التي تشكل بها الذاكرة فهمنا للبيت، وكيف تبقى بعض المشاعر والملامح والأجواء عالقة فينا حتى عندما تتغير الأماكن أو تختفي مع مرور الوقت.

بدلاً من تقديم البيت بصورة حرفية، أردت التعامل معه باعتباره شيئاً متحولاً باستمرار. فالذاكرة نفسها مجزأة وذاتية، وقد منحتني المقاربة التجريدية مساحة للتعبير عن هذه الحالات العاطفية بصدق أكبر. لذلك أصبحت الأعمال أقل ارتباطاً بتوثيق مكان محدد، وأكثر ارتباطاً باستحضار مشاعر الألفة والبعد والانتماء والتحول.

الحضور داخل الغياب

ثمة إحساس قوي بالغياب في المعرض، لكنه يقترن أيضاً بالحنان والألفة. هل كانت هناك لحظات صعبة عاطفياً أثناء العمل على هذه الأعمال؟

نعم، كانت هناك لحظات كثيرة تطلبت مني مواجهة ذكريات ومشاعر يصعب أحياناً الاقتراب منها. كانت التجربة تأملية وثقيلة عاطفياً في بعض الأحيان، لأن العمل استدعى مني الجلوس مع مشاعر كان من الأسهل تجاهلها أو تركها دون مواجهة.

في الوقت نفسه، أعتقد أن الحنان ظهر بصورة طبيعية من خلال تلك الهشاشة. لم أكن مهتمة بتضخيم الحزن أو تقديمه بصورة درامية، بل حاولت الاقتراب منه بهدوء وصدق. وأصبح السماح للهشاشة والغموض بأن يكونا جزءاً من العمل أمراً أساسياً بالنسبة لي، كما علّمتني التجربة كيفية التعايش مع بعض المشاعر بدلاً من محاولة إيجاد حلول نهائية لها.

النساء وأشجار الزيتون

يتكرر حضور النساء وأشجار الزيتون في المعرض بطريقة رمزية ولافتة. ماذا تمثل هذه العناصر بالنسبة لك؟

يمثل حضور النساء وأشجار الزيتون في المعرض الذاكرة والصمود والاستمرارية. وقد انجذبت إلى هذه العناصر لما تحمله من دلالات ثقافية وعاطفية مرتبطة بالأرض والرعاية والبقاء والمعرفة المتوارثة.

أما شجرة الزيتون تحديداً فترمز إلى التجذر والقدرة على الاستمرار رغم التهجير والعنف، فيما يعكس حضور النساء فكرة انتقال الذاكرة والمشاعر عبر الأجيال. معاً، يشكلان لغة بصرية تتحدث عن الهشاشة والقوة في الوقت نفسه.

هل يمكن للفن أن يداوي؟

سبق أن أشرتِ إلى أنكِ ما زلتِ تتساءلين إن كان الفن وسيلة للشفاء أم مجرد توثيق بصري للحزن. هل غيّر معرض "تبّين" نظرتكِ إلى هذه الفكرة؟

جعلني العمل على "تبّين" أدرك أن الفن قد لا يداوي الحزن بصورة كاملة، لكنه يخلق مساحة للاعتراف والتأمل والتواصل. لم أعد أرى الشفاء كحالة نهائية أو نقطة وصول، بل كعملية مستمرة.

كما جعلتني التجربة أكثر اهتماماً بدور الفن كمساحة للشهادة، حيث يمكن للمشاعر والذكريات والتواريخ أن توجد كما هي، دون الحاجة إلى تبسيطها أو إيجاد حلول نهائية لها. وبهذا المعنى، أصبح فعل الإبداع أقل ارتباطاً بالعثور على إجابات، وأكثر ارتباطاً بالقدرة على البقاء حاضرة أمام التعقيد.

"لم أعد أرى الشفاء كحالة نهائية أو نقطة وصول، بل كعملية مستمرة."

محطة مفصلية في المسيرة الفنية

يشكل "تبّين" خلاصة رحلتكِ ضمن برنامج الممارسة النقدية في "تشكيل". كيف أثرت هذه التجربة في مساركِ الفني؟

شكّل البرنامج تجربة مهمة على المستويين الفني والشخصي. فقد دفعني إلى التفكير فيما هو أبعد من الأعمال الفردية، والعمل على تطوير تجربة متكاملة يمكن أن تُعاش مكانياً وبصرياً وعاطفياً. كما شجعني على التفكير بشكل أكثر وعياً في العلاقة بين الفكرة والخامة وطريقة العرض وتجربة المتلقي.

في الوقت نفسه، كانت التجربة صعبة على المستوى الشخصي. فقد فقدت زوجي خلال فترة البرنامج، وكان الاستمرار في العمل بعد ذلك أمراً بالغ الصعوبة. كانت هناك لحظات شككت فيها بقدرتي على المواصلة، لكنه كان متحمساً لرؤية هذا المعرض يتحقق، وكان ذلك أحد الأسباب التي دفعتني للاستمرار.

أصبح إكمال "تبّين" بالنسبة لي أكثر من إنجاز فني؛ كان أيضاً تجربة شخصية مرتبطة بالصبر والاستمرار والقدرة على المضي قدماً رغم الفقد.

ما الذي تأملين أن يبقى مع الزائر؟

بعيداً عن الرسائل المباشرة أو التفسيرات النهائية، ما الشعور الذي تتمنين أن يغادر به الزوار بعد مشاهدة المعرض؟

أتمنى أن يغادر الزائر بشعور من الانفتاح والتأمل، لا باستنتاج أو تفسير نهائي. فالمعرض متعمد في بقائه مفتوحاً وغير محسوم، لأن الحزن والذاكرة والهوية ليست تجارب خطية أو مكتملة.

أكثر ما أتمناه هو أن يتيح المعرض للزوار التواصل مع ذكرياتهم ومشاعرهم الخاصة من خلال الأعمال. وعلى الرغم من أن موضوعات المعرض تنطلق من تجارب شخصية وجماعية، فإنني مهتمة بخلق لحظات من الإنسانية المشتركة، حيث يتمكن الزوار من إسقاط تاريخهم ومشاعرهم وأسئلتهم الخاصة على العمل.